الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 45

الاعمال التحضيرية:
ورد نص هذه المادة في المشروع التمهيدي تحت رقم 74 وعلى الشكل التالي:
1 ـ يجوز اتخاذ موطن مختار لتنفيذ عمل قانوني معين.
2 ـ ولا يجوز إثبات وجود الموطن المختار إلا بالكتابة.
3 ـ والموطن المختار لتنفيذ عمل قانوني يكون هو الموطن لكل ما يتعلق بهذا العمل، بما في ذلك إجراءات التنفيذ الجبري، إلا إذا نص صراحة على قصر هذا الموطن على أعمال دون أخرى.

المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة فأقرتها اللجنة على أصلها مع إبدال كلمة «لكل» بكلمتي «إلى كل» وعبارة «نص صراحة» بعبارة «اشترط صراحة» في الفقرة الثالثة وأصبح رقمها 46 في المشروع النهائي.
وافق مجلس النواب على المادة دون تعديل.

المشروع في مجلس الشيوخ:
وافق مجلس الشيوخ على المادة كما وردت دون تعديل تحت رقم 43.

مذكرة المشروع التمهيدي:
(المذكرة التمهيدية للمادة 42)
1 ـ الموطن هو المكان الذي يقيم فيه الشخص عادة. ومجرد الوجود، أو السكن، في مكان لا يجعل منه موطناً ما لم تكن الإقامة مستقرة فيه. وإذا كان المشروع عنى الإقامة الفعلية أساساً للتصوير الذي اتبعه، إلا أن عنصر الاستقرار ضروري لتوافر معنى التوطن. ولا يقصد بالاستقرار اتصال الإقامة دون انقطاع، وإنما يقصد استمرارها على وجه يتحقق معه شرط الاعتياد، ولو تخللتها فترات غيبة متقاربة أو متباعدة. ويترتب على ذلك نتيجتان: الأولى، أن الشخص قد لا يكون له موطن ما، ومن هذا القبيل البدو الرحل الذين لا يقر لهم قرار في مكان معين. والثانية، يجوز أن يكون للشخص أكثر من موطن، ويتحقق ذلك إذا كان الشخص يقيم إقامة معتادة في الريف وإحدى المدن معاً، أو كانت له زوجتان يقيم مع كل منهما في مكان منفصل عن مكان الأخرى. والموطن هو الذي يوجه فيه إلى الشخص كل إعلان، أو انذار، أو صحيفة دعوى، أو غير ذلك من الأوراق التي يكون لها أثر قانوني. وموطن المدين هو المكان الذي يسعى إليه الدائن لاستيفاء حقه.
2 ـ ويراعى أن المشروع قد اختار، في شأن الموطن، التصوير الذي اختاره التقنين المدني الألماني دون التصوير الانجلوسكسوني، أو الفرنسي، تمشياً مع مقتضيات الحياة العملية، ومبادئ الشريعة الإسلامية. ذلك أن التصوير الألماني يعتد بالأمر الواقع ويالمألوف في عرف المتعاملين وينتفع من التجربة التي أسفر عنها إعمال نظام الجنسية في تكييف فكرة الموطن. فالغالب أن يكون للشخص موطن واحد، كما أن الغالب أن ينتمي الشخص إلى جنسية واحدة. ولكن من الأشخاص من لا يكون له موطن ما، ومنهم من يتعدد موطنه، كما أن منهم من لا ينتمي إلى أية جنسية، ومنهم من تتعدد جنسياته. والموطن، وفقاً لهذا التصوير، حالة واقعية، لا مجرد رباط صناعي يخلقه القانون ويصل به ما بين شخص معين ومكان معين. ولذلك يكون من الميسور أن يتعدد موطن الشخص وأن ينتفي على وجه الإطلاق.
والأمر يختلف عن ذلك في القانون الانجليزي والقانون الفرنسي، فكلاهما يجعل لكل شخص موطناً، ولا يجعل أكثر من موطن واحد. فالعبرة في الفقه الانجليزي بالموطن الأصلي، إذا اختار موطناً آخر. ولكنه يعود فيُنسب إلى موطنه الأصلي متى فقد الموطن الجديد، بصرف النظر عن محل إقامته. وفي فرنسا يصرف اصطلاح الموطن إلى المركز الرئيسي للشخص، ولو لم يقم فييه إقامة معتادة. فالموطن في تصور كل من هذين القانونين وضع حكمي يقيمه المشرع ويفترض وجوده، دون أن يأبه لحقيقة الواقع. وقد تنبه القضاء الفرنسي إلى فساد هذا التصوير، وإلى ما يترتب على مجانبته للواقع من آثار، أخصها بطلان الإعلانات التي يوجهها المتعامل حسن النية، فأنشأ نظرية الموطن الظاهر ليحد من تلك الآثار.
وإذا كان القضاء المصري قد التزم حدود التصوير الفرنسي، مستنداً إلى ما جاء في التعليق المدرج عقب المادة 3 من قانون المرافعات من أن الموطن هو المركز المنسوب للإنسان، ويعتبر وجوده فيه على وجه الدوام ولو لم يكن حاضراً فيه في بعض الأحيان أو أغلبها. إلا أنه لجئ إلى تخطي فكرة وحدة الموطن، نزولاً عند حكم الضرورات العملية. ولذلك قضت محكمة الاستئناف المختلطة في 20 فبراير سنة 1938 ب40 ص209 بأن: «قاعدة وحدة الموطن لا تتعارض مع تعدد موطن التقاضي». وقضت في مناسبة أخرى (12 مايو سنة 1936 ب48 ص1264) بأن ثمة «محل إقامة يمكن أن يشبه الموطن».
وقد آثر المشروع أن يرفع عن القضاء هذا العنت، فصور الموطن تصويراً واقعياً يستجيب للحاجات العملية ويتفق مع المبادئ المقررة في الشريعة الإسلامية. فقد جاء في البدائع (ج1 ص103ـ105) نقلاً عن الفقيه أحمد أبي العياض أنه: «يجوز أن يكون الموطن الأصلي واحداً، أو أكثر من ذلك بأن كان له أهل ودار في بلدتين أو أكثر ولم يكن من نية أهله الخروج منها وإن كان هو ينتقل من أهل إلى أهل في السنة. حتى إنه لو خرج مسافراً من بلدة فيها أهله ودخل في أية بلدة من البلاد التي فيها أهله فيصير مقيماً في غير نية الإقامة».
وقد عرفت المادة 20 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الموطن، مستلهمة أحكام الفقه الإسلامي. فذكرت أنه «البلد الذي يقطنه الشخص على وجه يعتبر مقيماً فيه عادة». وما من شك في أن هذا التصوير يختلف اختلافاً بيناً عن التصوير الفرنسي الذي تقدمت الإشارة إليه (استئناف مختلط 31 يناير 1918 ب30 ص190)، إلا أنه أدنى إلى استقرار المعاملات ورعاية حقوق الأفراد. وقد فرّع القضاء المصري على ذلك أن الزوجة المسلمة يجوز أن يكون لها موطن آخر مستقل عن موطن الزوجية. إذ ليس للزوج أن يجبرها على الانتقال فيما يجاوز مسافة القصر، سواء أكان الانتقال من مصر إلى مصر، أو من مصر إلى قرية، أو العكس (انظر استئناف مختلط 31 يناير سنة 1918 ب30 ص190 والمادة 208 من الأحوال الشخصية).
3 ـ وعلى هذا النحو، يوجد، إلى جانب الموطن الذي يعينه الشخص باختياره من جراء إقامته المعتادة فيه، ثلاثة أنواع من الموطن:
أولاً ـ موطن أعمال يكون مقصوراً على ناحية معينة من نواحي نشاط الشخص. ويعتبر النص الخاص بموطن الأعمال أظهر تطبيق لفكرة تعدد الموطن. وقد استرشد المشروع في تقريره بأحكام المادة 23 من التقنين المدني السويسري. فالمكان الذي يباشر فيه الشخص أعماله من تجارة، أو صناعة، أو حرفة، يعتبر بالنسبة إلى الغير موطناً له فيما يتعلق بإدارة أعمال هذه التجارة أو الصناعة أو الحرفة. وكذلك القاصر إذا بلغ ثماني عشرة سنة، ولم يمنع من مباشرة بعض أعمال الإدارة، يجوز أن يتخذ موطناً بالنسبة لهذه الأعمال دون غيرها، يكون غير موطن وليّه أو وصيّه. وفي إيراد النص على هذا الوجه كل التيسير على المتعاملين، فضلاً عما فيه من مطابقة للواقع. على أن المكان الذي يباشر فيه الموظف عمله لا يعتبر موطناً له، وفقاً لهذا النص (استئناف مختلط 15 يناير سنة 1931 ب43 ص158، 18 يونية 1931 ب43 ص454).
ثانياً ـ موطن قانوني ينسبه القانون للشخص، ولو لم يُقِم فيه عادة، كما هو الأمر في حالة القاصر والمحجور عليه والمفقود، فإن القانون يجعل من موطن وليّه أو وصيّه أو قيّمه أو وكيله موطناً له. وفي هذه الحدود، يحتفظ المشروع لفكرة الموطن بنصيب من طابعها الحكمي، ورعايةً لمصلحة القصر والمحجورين بوجه عام. ولا يتحرج أكثر التقنينات تشدداً في الأخذ بالتصوير الواقعي للموطن من إقرار مثل هذا الحكم (انظر المواد من 8 ـ 11 من التقنين المدني الألماني).
ثالثاً ـ موطن مختار، يتخذه الشخص لتنفيذ عمل قانوني معين. كما إذا اختار موطناً له مكتب محاميه، وكما يختار الدائن المرتهن موطناً في دائرة محكمة العقار عند قيد الرهن، وكما إذا اشترى شخص أرضاً بعيدة عن موطنه، فيتفق مع البائع على أن يكون له موطن قريب من الأرض بالنسبة لهذا البيع، ولا يثبت هذا الاتفاق إلا بالكتابة. ويكون الموطن في هذه الحالة مقصوراً على الأعمال المتعلقة بتنفيذ البيع كاستيفاء أقساط الثمن ومطالبة المشتري بسائر التزاماته ومقاضاته بشأن البيع واتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري. هذا ما لم يقصر الموطن المختار صراحة على بعض هذه الأعمال دون أخرى. وغني عن البيان أن فكرة الموطن المختار تتمشى مع التصوير الحكمي والتصوير الواقعي للموطن على حد سواء.
ويتبين مما تقدم أن الشخص قد يكون له موطنه المعتاد وإلى جانبه موطن لأعمال حرفته وموطن حكمي في حالة الحجر والغيبة وموطن مختار لعمل قانوني معين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *