الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 104

الاعمال التحضيرية:
وردت هذه المادة في المشروع التمهيدي برقم 152 ونصها:
1 ـ يكون العربون المدفوع وقت إبرام العقد دليلاً على أن العقد أصبح باتاً، لا على أنه يجوز العدول عنه. إلا إذا قضى الاتفاق أو العرف بغير ذلك.
2 ـ فإذا امتنع أحد المتعاقدين عن تنفيذ العقد، فللمتعاقد الآخر أن يختار بين التنفيذ والفسخ، وله في حالة الفسخ أن يحتفظ بالعربون الذي قبضه، أو أن يطالب بضعف العربون الذي دفعه، حتى لو لم يلحق به الفسخ أي ضرر. هذا مع عدم الإخلال بحقه في استكمال التعويض إذا اقتضى الأمر ذلك.
3 ـ ويسري حكم هذه المادة أياً كانت الألفاظ التي عبر بها المتعاقدان عن العربون.

المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة 152 من المشروع. وأقرتها اللجنة على أصلها بعد أن استبدلت عبارة «إن العقد أصبح باتاً» بعبارة «إن العقد بات» وقدمت في المشروع النهائي تحت رقم 105 بعد إبدال نص الفقرة الأولى بالنص الآتي:
1 ـ دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد أن العقد باتّ لا يجوز العدول عنه، إلا إذا قضى الاتفاق، أو العرف بغير ذلك.
وافق مجلس النواب على المادة دون تعديل.

المشروع في مجلس الشيوخ:
1 ـ مناقشات لجنة القانون المدني:
تليت المادة 105 وهي الخاصة بالعربون وأحكامه. فقال عبده بك محرم أن المقصود بهذه المادة أن يكون البيع مثلاً بالعربون باتاً.
ولزيادة إيضاح ما ترمي إليه المادة، تلا الدكتور بغدادي من المذكرة الإيضاحية المطولة للمشروع الأصلي ما يأتي:
«تعرض نصوص هذه المادة وما يليها لأحكام العربون في جلستها وينبغي التفريق في هذا الصدد بين فروض عدة. فإذا اتفق المتعاقدان على خيار العدول، جاز لكل منهما أن يستقل بنقض العقد، فإن عدل مع دفع العربون وجب عليه تركه، وإن عدل من قبضه رد ضعفه. على أن خيار العدول هذا لا يفترض، بل يجب الاتفاق عليه صراحة. وقد جعلت التقنينات اللاتينية القديمة، ولا سيما التقنين الفرنسي، من العربون قرينة على ثبوت الخيار. ولكن المشروع آثر، على نقيض ذلك، أن يتبع مذهب التقنينات الجرمانية وغيرها من التقنينات الحديثة.
أما إذا لم يتفق المتعاقدان على الخيار، فلا يجوز لأيهما أن يستقل بالعدول عن العقد ما لم يقض العرف بغير ذلك. ويجب رد العربون إذا اتفق الطرفان على الإلغاء، أو الإقالة، أو فسخ العقد بخطئهما، أو وقع الفسخ لاستحالة التنفيذ بسبب ظروف لا دخل لهما فيها. على أن لكل من المتعاقدين، في غير هذه الأحوال، أن يطلب تنفيذ العقد.
وفي حالة التخلف الاختياري عن الوفاء يكون للعاقد الآخر أن يختار بين التنفيذ الجبري وبين الفسخ مع اقتضاء العربون على سبيل التعويض، بأن يحتفظ بالعربون الذي قبضه، أو بأن يطالب بضعف العربون الذي دفعه ولو لم يلحق به ضرر من جراء ذلك. ويكون لاشتراط العربون في هذه الحالة شأن الشرط الجزائي، ولكنه يفترق عنه من حيث عدم جواز التخفيض أو الإلغاء، فهو يستحق ولو انتفى الضرر على وجه الإطلاق. أما إذا كان الضرر الواقع يجاوز مقدار العربون، فتجوز المطالبة بعربون أكبر وفقاً للمبادئ العامة.
وفي حالة تنفيذ الالتزام اختيارياً يخصم العربون من قيمة الالتزام. فإذا استحال الخصم وجب رده إلى من أداه».
وبعد ذلك استطرد حضرته قائلاً أن الخلاف العملي محدود بسيط لأنه مع وجود النص لا شبهة في عدم التقيد به بشرط الاتفاق على ذلك بين المتعاقدين.
وعقب على ذلك سعادة العشماوي باشا فقال بأن نص هذه المادة مأخوذ من القانون البولوني ويحسن بنا الرجوع إلى المذكرة الإيضاحية المطولة للمشروع الأصلي لتفهم الأحكام المختلفة. فتلا سعادته منها ما يأتي:
«والظاهر أن القضاء المصري لا يشذ كثيراً عن اتباع القواعد المقررة في هذه المواد. فقد ذهبت محكمة الاستئناف المختلطة إلى أن العربون يعتبر عند الشك مخصصاً لتعويض الضرر الذي ينشأ عن تخلف أحد المتعاقدين عن تنفيذ العقد ولا يعتبر خياراً للعدول. بيد أن هذا الضرب من التعويض يعجل تحديد مقداره فلا يجوز تخفيضه ولا الزيادة فيه على ما يظهر. وعلى هذا الأساس قضت محكمة الاستئناف بأن اشتراط العربون ليست دلالته إثبات خيار تحكمي للعدول يحتفظ به للعاقدين، بل إثبات حق الفسخ مع تعجيل تحديد التعويض الواجب عند التخلف عن الوفاء. وقضت كذلك، فيما يتعلق بالتقدير الجزافي للعربون، بأن الشرط الذي يقضي بأن يكون العربون من حق البائع دون حاجة إلى إعذار إذا تخلف المشتري عن تسلم البضاعة في الميعاد المتفق عليه ينطوي على تقدير جزافي لما يستحق عند التخلف عن التنفيذ. وعلى هذا الأساس لا يجوز للبائع أن يطالب فوق ذلك بالفرق بين السعر الذي اتفق عليه والسعر الجاري في التاريخ المحدد للتسليم.
وإذا كانت محكمة الاستئناف المختلطة قد ذهبت في بعض أحكامها إلى أن العربون يثبت خيار العدول، فقد بني قضاؤها على ما يستخلص من الرجوع لإرادة المتعاقدين. وقد جاء في أحد احكامها أنه إذا نص في اتفاق تمهيدي على البيع، على أن امتناع أحد المتعاقدين عن توقيع العقد النهائي يستتبع التزام البائع برد العربون الذي قبضه، إذا كان هو الممتنع، وسقوط حق المشتري فيه ودفع مبلغ معادل له على سبيل التعويض، إذا وقع الامتناع منه، فمثل هذا الاتفاق لا يخول للمشتري حق الملك ولا حق المطاللبة بتنفيذ البيع، بل يخول له حق المطالبة برد العربون فحسب. وهو بذلك يكون مجرد دائن بالتزام، فلا يجوز له أن يطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة اتخاذ أي اجراء تحفظي على الأموال ذاتها».
وخرج سعادته من ذلك إلى أنه يجب إرجاء البت في هذه المادة حتى يتمكن حضرات الأعضاء من دراسة مصادرها ومدى اتفاقها مع أحكام القضاء المصري.
وقد لاحظ سعادة الرئيس على المادة أنها تحدث بلبلة في الأحكام لأنها ترجع ثبات العقد إلى العرف وهو متغير ومختلف عليه في البيئات المختلفة.
فرد عبده محرم بك على تلك الملاحظة بقوله أن العرف هو ما تواضع عليه القضاء، بمعنى أن أحكام القضاء إذا اطردت في مسألة معينة فرضت على الناس إقراراً لما تعارفه الناس. ثم أجّلت المناقشة للجلسة المقبلة.
وفي الجلسة التالية، طلب سعادة الرئيس من الدكتور بغدادي أن يدل اللجنة، وهي بصدد بحث المادة 105 الخاصة بالعربون، على نظائرها في القانون الفرنسي وفي الشريعة الإسلامية.
فأجابه الدكتور البغدادي بأن المادة 105 لها نظير في القانون الفرنسي، ولا نظير لها في كتاب مرنة الحيران، ومن الجائز أن يكون لها مثيل في مجلة الأحكام العدلية.
وقد حدثت مناقشة اشترك فيها سعادة الرئيس وصاحبا السعادة علوبة باشا والعشماوي باشا حول العرف في تقرير أحكام العربون. ومن االمستحسن تعديل نص المادة 105 تعديلاً يتفق مع العرف والقضاء في مصر.
وانتهت المناقشة إلى اقتراح النص الآتي للمادة 105:
«دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك. فإذا عدل من دفع العربون، فقده. وإذا عدل من قبضه، رد ضعفه، ولو لم يترتب على العدول ضرر».
وقد رأت اللجنة أن تأخذ بحكم يخالف ما قررته المادة، تمشياً مع العرف. فعدلت الفقرة الأولى بإبدال عبارة «لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه» بعبارة «العقد باتّ لا يجوز العدول عنه» وحذف عبارة «أو العرف» لزوال وجه الحاجة إليها بعد التعديل. واستعاضت عن الفقرة الثانية بالنص الآتي:
«فإذا عدل من دفع العربون، فقده. وإذا عدل من قبضه، رد ضعفه، ولو لم يترتب على العدول ضرر».
وقد صدرت اللجنة في هذه الإضافة عن وجوب التمشي مع العرف. ولم تر محلاً للإبقاء على الفقرة الثالثة فحذفتها تاركة أمر تفسير نية المتعاقدين لتقدير القاضي. وأصبح نص المادة كالآتي:
1 ـ دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك.
2 ـ فإذا عدل من دفع العربون، فقده. وإذا عدل من قبضه، رد ضعفه، هذا ولو لم يترتب على العدول أي ضرر.
وأصبح رقم المادة 103.
وفي الجلسة الثانية والستين اقترح حضرات مستشاري محكمة النقض والإبرام تعديل المادة 103 على الوجه الآتي:
«دفع العربون وقت إبرام العقد يفيد أن لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه إلا إذا تبين أن نيتهما كانت منصرفة إلى غير ذلك».
لأن العبرة بالقصد الحقيقي، لا بألفاظ الاتفاق. ولكن اللجنة لم تر الأخذ بالاقتراح، إذ أن نص اللجنة يفضله لأن اصطلاح «الاتفاق» الوارد في نص اللجنة لم يصرف النص إلى ألفاظ العقد، بل قصد به التصرف القانوني نفسه وقوامه إرادة المتعاقدين.

ملحق تقرير اللجنة:
اقترح تعديل صيغة الاستثناء الوارد على حكم العربون في المادة 103 على الوجه الآتي: «إلا إذا تبين أن نيتهما كانت منصرفة إلى غير ذلك» وأريد بهذه العبارة أن تكون بديلاً عن عبارة «إلا إذا قضى الاتفاق بغير ذلك» الواردة في نص المشروع لأن «العبرة بالقصد الحقيقي لا بألفاظ الاتفاق». ولم تر اللجنة الأخذ بهذا الاقتراح لأن اصطلاح الاتفاق لم يصرف في النص إلى ألفاظ العقد، بل قصد به التصرف القانوني نفسه وقوامه إرادة المتعاقدين.
وافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها اللجنة.

مذكرة المشروع التمهيدي:
1 ـ تعرض نصوص هذه المواد 152 ـ 154 لأحكام العربون في جملتها. وينبغي التفريق في هذا الصدد بين فروض عدة.
فإذا اتفق المتعاقدان على خيار العدول، جاز لكل منهما أن يستقل بنقض العقد. فإن عدل من دفع العربون، وجب عليه تركه. وان عدل من قبضه، رد ضعفه. على أن خيار العدول هذا لا يفترض، بل يجب الاتفاق عليه صراحة. وقد جعلت التقنينات اللاتينية القديمة، ولا سيما التقنين الفرنسي، من العربون قرينة على ثبوت الخيار. ولكن المشروع آثر، على نقيض ذلك، أن يتبع مذهب التقنينات الجرمانية، وغيرها من التقنينات الحديثة.
أما إذا لم يتفق المتعاقدان على خيار، فلا يجوز لأيهما أن يستقل بالعدول عن العقد، ما لم يقض العرف بغير ذلك. ويجب رد العربون إذا اتفق الطرفان على الإلغاء، أو الاقالة، أو فسخ العقد بخطئهما، أو وقع الفسخ لاستحالة التنفيذ بسبب ظروف لا دخل لهما فيها. على أن لكل من المتعاقدين، في غير هذه الأحوال، أن يطلب تنفيذ العقد.
أ ـ وفي حالة التخلف الاختياري عن الوفاء، يكون للعاقد الآخر أن يختار بين التنفيذ الجبري وبين الفسخ مع اقتضاء العربون على سبيل التعويض؛ بأن يحتفظ بالعربون الذي قبضه، أو بأن يطالب بضعف العربون الذي دفعه، ولو لم يلحق به ضرر من جراء ذلك. ويكون لاشتراط العربون في هذه الحالة شأن الشرط الجزائي، ولكنه يفترق عنه من حيث عدم جواز التخفيض أو الإلغاء. فهو يستحق ولو انتفى الضرر على وجه الإطلاق. أما إذا كان الضرر الواقع يجاوز مقدار العربون، فتجوز المطالبة بتعويض أكبر وفقاً للمبادئ العامة.
ب) ـ وفي حالة تنفيذ الالتزام اختيارياً يخصم العربون من قيمة الالتزام، فإذا استحال الخصم وجب رده إلى من أداه.
2 ـ والظاهر أن القضاء المصري لا يشذ كثيراً عن اتباع القواعد التي تقدم بيانها. فقد ذهبت محكمة الاستئناف المختلطة إلى أن العربون يعتبر عند الشك مخصصاً لتعويض الضرر الذي ينشأ عن تخلف أحد المتعاقدين عن تنفيذ العقد، ولا يعتبر خياراً للعدول. بيد أن هذا الضرب من التعويض يعجل تحديد مقداره، فلا يجوز تخفيضه ولا الزيادة فيه على ما يظهر. وعلى هذا الأساس قضت محكمة الاستئناف بأن اشتراط «العربون» ليست دلالته إثبات خيار تحكمي للعدول يحتفظ به للعاقدين، بل إثبات حق الفسخ مع تعجيل تحديد التعويض الواجب عند التخلف عن الوفاء (17 ابريل سنة 1902 ب14 ص254). وقضت كذلك، فيما يتعلق بالتقدير الجزافي للعربون، بأن الشرط الذي يقضي بأن يكون العربون من حق البائع دون حاجة إلى إعذار، إذا تخلف المشتري عن تسلم البضاعة في الميعاد المتفق عليه، ينطوي على تقدير جزافي لما يستحق عند التخلف عن التنفيذ. وعلى هذا الأساس لا يجوز للبائع أن يطالب فوق ذلك بالفرق بين السعر الذي اتفق عليه، والسعر الجاري في التاريخ المحدد للتسليم (27 مارس سنة 1902 ب14 ص242). وإذا كانت محكمة الاسئناف المختلطة قد ذهبت في بعض أحكامها إلى أن العربون يثبت خيار العدول، فقد بني قضاؤها هذا على ما يستخلص من الرجوع لإرادة المتعاقدين. وقد جاء في أحد أحكامها أنه إذا نص، في اتفاق تمهيدي على البيع، على أن امتناع أحد المتعاقدين عن توقيع العقد النهائي يستتبع التزام البائع برد العربون الذي قبضه، إذا كان هو الممتنع، وسقوط حق المشتري فيه، ودفع مبلغ معادل له على سبيل التعويض، إذا وقع الامتناع منه؛ فمثل هذا الاتفاق لا يخول للمشتري حق الملك ولا حق المطالبة بتنفيذ البيع، بل يجوز له أن يطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة اتخاذ أي اجراء تحفظي على الأموال ذاتها (17 ديسمبر سنة 1919 ب22 ص74).
أما فيما يتعلق بخصم العربون، فقد حكمت محكمة الاسئناف المختلطة بأن المبلغ الذي يدفع بوصفه عربوناً في بيع باتّ لا يعتبر إلا جزءاً معجلاً من الثمن (20 أكتوبر سنة 1916 ب29 ص22، و 7 فبراير سنة 1917 ب29 ص204، و11 ابريل سنة 1917 ب29 ص352، و4 نوفمبر سنة 1925 ب38 ص11).
وقد حكم فيما يتعلق بترك العربون ورد ضعفه بأنه لا يكون للمشتري، إذا تخلف عن الوفاء في الميعاد، أن يطالب بالمبلغ الذي أداه كعربون بل يخصم من الثمن. كما أن البائع إذا تأخر، تعين عليه أن يرد المبلغ الذي قبضه ومبلغاً معادلاً له على سبيل التعويض (17 ابريل سنة 1900 ب 14 ص254). ولا يتطلب القضاء إثبات الضرر لترتيب حكم الالتزام بالترك أو الرد. فقد حكم بأن المشتري يفقد العربون بمجرد التخلف عن تنفيذ العقد دون أن يكون له حق في إقامة الدليل على أن البائع لم يصبه ضرر من جراء ذلك. على نقيض ما يجري بشأن الشروط الجزائية. (16 نوفمبر سنة 1915 ب28 ص22، و 1 فبراير سنة 1922 ب34 ص142).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *