Call us now:
الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 121
الاعمال التحضيرية:
وردت هذه المادة في المشروع التمهيدي برقم 167 ونصها:
167 ـ إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري وقت إتمام العقد، فيجوز له أن يتمسك بالبطلان إن كان المتعاقد الآخر، ولو لم يرتكب خطأ، قد جره بموقفه إلى الوقوع في الغلط، أو كان واقعاً مثله فيه، أو كان يعلم بوقوع الغلط، أو كان من السهل عليه أن يتبين ذلك.
المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة 167 من المشروع في لجنة المراجعة واقترح حدف عبارة: «ولو لم يرتكب خطأ قد جره بموقفه إلى الوقوع في الغلط» لأن هذه العبارة تفترض حالة يندر وقوعها، وإذا وقعت أمكن أن تندرج تحت حالة من الحالات الأخرى.
واقترح كامل مرسي بك حذف عبارة «وقت إتمام العقد» لعدم ضرورتها. فوافقت اللجنة على ذلك وأصبحت المادة في صيغتها النهائية كما يأتي:
«إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد إن كان المتعاقد الآخر قد وقع مثله في الغلط، أو كان على علم به، أو كان من السهل عليه أن يتبينه».
ثم قدمت بعد استبدال عبارة «في هذا الغلط» بعبارة «في الغلط» وأصبح رقم المادة 124 في المشروع النهائي.
وافق مجلس النواب على المادة دون تعديل برقم 124.
المشروع في مجلس الشيوخ:
تليت المادة 124 وهذا نصها: «إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد إذا كان المتعاقد الآخر قد وقع مثله في هذا الغلط، أو كان على علم به، أو كان من السهل عليه أن يتبينه».
فذكر الدكتور بغدادي شرحاً لهذه المادة أن المشروع وضع قاعدة عامة هي أن الغلط الجوهري يجيز إبطال العقد بشرط أن يكون هذا الغلط فردياً يعلم الطرف الآخر به أو يفرض فيه العلم، أو مشتركاً بين المتعاقدين. أما الغلط الفردي الذي لا يعلم به الطرف الآخر وامتنع عليه العلم به، فلا يبطل العقد. وضرب حضرته لذلك مثلاً بشخص يبيع لآخر ساعة على أنها ذهب وهو لا يعرف أنها ساعة مطلية بالذهب. وقد وجه النظر إلى أن المشروع لم يخرج على ما قرره القانون الحالي، لأنه يستفاد من النص الفرنسي للمادة 134 مدني أهلي هذا الحكم. وقد حكمت المحاكم استناداً على هذا النص الفرنسي بأن الغلط الفردي لا يكفي لإبطال العقد لأنه لم يحصل في المحيط التعاقدي.
وإذا أريد، كما رغب بعض حضرات الأعضاء، استبدال كلمة «سواء» بكلمة «إن» الشرطية في عبارة «إن كان المتعاقد الآخر» الخ.. فإن هذه الكلمة لا تؤدي معنى الإبعاد، فقد تفيد الاستغراق ولكنها لا تفيد الحصر. أما إذا قيل «إن كان» فإنها تخرج صوراً كثيرة من نطاق تطبيق هذه المادة وهو المطلوب.
وقد أضاف عبده محرم بك على ذلك بأن هذا النص ما شرع إلا حماية لشخص الذي لم يقع في غلط، والقصد منه استقرار المعاملات.
وضرب أمثلة لبيان أحوال تطبيق هذه المادة. فبالنسبة للغلط المشترع بشخص يبيع ساعة على أنها من ذهب وهو لا يعرف، ولا المتعاقد معه يعرف، أنها مطلية بالذهب. وبالنسبة للغلط المعلوم عند أحد المتعاقدين، أو الغلط الذي يسهل على أحدهما أن يتبينه بتاجر يعرض تمثالاً للبيع بثلاثة جنيهات فيشتريه أحد الفنيين بهذه القيمة وهو يعلم أنه يساوي أكثر بكثير منها، لأنه مثلاً تمثال حقيقي لنابليون.
وضرب مثلاً بشخص يشتري طلمبة ري ويتفق مع التاجر على دفع 200 جنيه ثمناً لها يدخل فيه عملية التركيب وعين له المكان اللازم لتركيب هذه الطلمبة. وبعد ذلك تبين للتاجر عند تركيب الطلمبة أن الأمر يحتاج إلى كمية من المواسير أكثر من التي قدرها وترتب على ذلك أن زاد الثمن المتفق عليه.
وقد وجهت إلى هذه المادة عدة اعتراضات. فاعترض حلمي عيسى باشا على نظرية الغلط المشترك التي هي الحكم الأساسي فيها. وقال بأنه يجب ألا تعدل عن قواعد الغلط المعروفة في القانون الحالي، ويجب أن ينصب هذا الغلط على ماهية الشيء دون الأشخاص وبذلك يكون المعيار سليماً.
واعترض سعادة علوبة باشا على عبارة المادة بأنها معقدة وتحتاج إلى إيضاح. واقترح أن يقتصر النص على ما يأتي: «إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد».
فأجاب الدكتور بغدادي على اعتراض حلمي عيسى باشا بأن الكلام عن الغلط في ماهية الشيء منصوص عليه في القانون الفرنسي، ولكن عند التطبيق أخذت المحاكم بنظرية الغلط الجوهري. وأن المعيار مازال سليماً، لأنه إذا قيل أن العقد ينعقد بالإيجاب والقبول فالمقصود الإيجاب والقبول فيما يتعلق بالمسائل الداخلة في نطاق العقد، ولا يعقل أن يبطل العقد لمجرد الاعتقاد الخاطىء الذي لا يتصل بهذا النطاق. ثم رد على اعتراض علوبة باشا بما جاء في المذكرة الإيضاحية شرحاً لهذه المادة فقال: «كان من واجب المشروع أن يقطع برأي معين في مسألة المفاضلة بين اشتراط توافر الغلط المشترك، وهو ما يقوم بذهن العاقدين معاً،. والاجتنزاء بالغلط الجوهري».
ثم استمر في تلاوة المذكرة فقال: «وقد اكتفى المشروع بالغلط الفردي بوجه عام، بيد أنه اشترط لترتيب حكم الغلط… الخ..». وقد استعرضت النصوص التشريعية في البلاد الأخرى لمقارنتها بهذه المادة، ومنها القانون اللبناني الذي وضعه الفرنسيون، فتبين منه أنه يقضي بأن الغلط الفردي لا يوجب البطلان إلا في حالة واحدة.
وبعد مناقشة لم تنته اللجنة فيها إلى رأي، قرر الرئيس تأجيل المناقشة. وفي الجلسة التالية، ولم تكن اللجنة قد انتهت إلى قرار بخصوص المادة 124 ولكي يزيدها عبده محرم بك شرحاً وتفسيراً تلا حضرته ماجاء في كتاب السنهوري باشا في نظرية العقد خاصة بالغلط المشترك ص 378 ـ 379:
«كثيراً ما يتناقش الفقهاء فيما إذا كان الغلط، على فرض أنه إذا وقع في حالة من الأحوال التي يكون فيها سبباً في البطلان، يكفي أن يكون فردياً، أي قائماً في ذهن المتعاقد الذي وقع في الغلط وحده، أو يجب أن يكون مشتركاً، أي قائماً في ذهن المتعاقدين معاً. وقد انقسموا إلى فريق يأخذ بالرأي الأول وفريق يأخذ بالرأي الثاني. وقد تستغرب المناقشة في أمر كهذا، فإنه متى سلمنا بأن إرادة أحد المتعاقدين قد شابها غلط كان هو الدافع الرئيسي إلى التعاقد وجب القول ببطلان العقد، سواء كان المتعاقد الآخر قد اشترك معه في الغلط أو لم يشترك. ولكن الفقهاء الذين يقولون بالغلط إنما يقصدون من وراء هذا استقرار المعاملات وثباتها، لأن الغلط قد أصبح الآن معياره نفسياً يرجع فيه إلى نية المتعاقد. فإذا لم يكن مشتركاً وانفرد به أحد المتعاقدين، فاجأ المتعاقد الذي انفرد بالغلط المتعاقد الآخر بطلب بطلان العقد، والمتعاقد الآخر لا يعلم من أمر هذا الغلط شيئاً لأنه لم يشترك فيه، فتتزعزع المعاملات ولا يأمن أي متعاقد أن يرى العقد الذي اطمأن إليه قد انهار بدعوى الغلط التي يقدمها الطرف الآخر، وهو بعد لم يدخل في سريرة هذا الطرف فيعلم أن هذا كان قد صدر رضاؤه عن غلط. أما إذا كان قد اشترك معه في الغلط، ثم تبين بعد ذلك حقيقة الأمر، فمن العدل أن يقره على بطلان العقد لسبب هو نفسه قد اشترك فيه، ولا يعود هناك وجه للتذمر من تقلقل المعاملات وعدم استقرارها».
ثم علق على ذلك قائلاً أن العدالة تستوجب الاكتفاء بالغلط الفردي، ولكن استقرار المعاملات، وهو مايهدف إليه هذا المشروع، تقتضي وضع قيود أخرى.
فأبدى حلمي عيسى باشا عدم قبوله لهذه النظرية، خصوصاً وأن النظرية الفرنسية تفرق بين الغلط في ماهية الشيء، سواء سمي «غلطاً في محل العقد أو غلطاً في الأوصاف الأساسية للشيء»، غلط من نوعين (Erreur obstacle) يجيز إبطال العقد و (Erreur de’ unllite) ويقع العقد من أجله باطلاً. واستطرد قائلاً أن الأخذ بنظرية الغلط المشترط إهدار لنظرية الغلط نفسها، لأنها تستوجب أن يثبت المتعاقد أن المتعاقد الآخر وقع هو أيضاً في غلط، ولا يخفى ما يكتنف ذلك من صعوبة خصوصاً وأن الغلط مسألة نفسية.
وانتهى إلى أنه لكل هذه الاعتبارات يرى الأخذ بنظرية الغلط الفردي، ولا شك أنه ستكون هناك ضوابط ثابتة إذا ما وضعت ماهية الشيء محل اعتبار.
وإن الأخذ بنظرية الغلط الفردي لا تمنع الطرف الآخر الذي وقع في غلط من طلب إبطال العقد، وأنها في الوقت نفسه لا تمنع الطرف الآخر من طلب التعويضات لما لحقه من ضرر من جراء وقوع الطرف الأول في هذا الغلط.
وختم كلامه قائلاً أن الأخذ بنظرية الغلط المشترك بعيد عن العدل وعن المنطق. فقال سعادة الرئيس أنه يجب أن نفرق بين حالتين: أولاً ماهو الغلط الأساسي؟ ثانياً هل يجب الأخذ بنظرية الغلط المشترك أو الغلط الفردي؟
فأما عن النقطة الأولى، فإن القانون الفرنسي تكلم عن الغلط قائلاً أنه ما يقع على ذات الشيء. وفي تفسير ذلك ذهب الشراح ثلاثة مذاهب: اثنين منهما ماديين، المعيار فيهما ماهية الشيء أو طبيعة المعاملات. وآخر شخصي، المعيار فيه هو الغرض الذي من أجله عقد العقد. وهذا ما أخذت به المادة 124 من قانوننا الحالي. ثم لاحظ سعادته أن المادة 124 من المشروع تتكلم عن الغلط الجوهري ولكنها لم تعرفه وأنه كان لا بد أن يحدد فيها هذا الغلط الجوهري. ثم قال أن من رأيه أن يؤخذ بالمادة 124 لأنه لا يميل إلى الإشارة إلى ماهية الشيء حتى لاينقسم الرأي كما هو الحال في فرنسا، ولأن هناك أحوالاً لا تكون فيها ماهية الشيء محل اعتبار. وضرب سعادته لذلك مثلاً بمن يشتري شمعداناً لنابليون بمبلغ كبير، فسواء كان هذا الشمعدان مصنوعاً من الفضة أو مطلياتها، فقيمته ليست في مادته وإنما في كونه لنابليون.
ثم تكلم سعادته عن النقطة الثانية، فقال أنه كان يرى الأخذ بنظرية الغلط الفردي على إطلاقها، ولكنه أمام ما استقر عليه القضاء في المحاكم الفرنسية والمصرية من الأخذ بنظرية الغلط المشترك ونظرية العلم بالغلط قد اقتنع بهاتين الأخيرتين. وتأييداً لذلك تلا سعادته نبذة من كتاب دالتون في نظرية الالتزامات (ص 169 ـ 170). وضرب مثلاً آخر من أحكام المحاكم في فرنسا بشخص اشترى قطعة أرض ليبني عليها مدرسة، ولما شرع المشتري في بناء المدرسة تبين له أن مساحة الأرض لا تتفق مع التحديد الوارد بهذا القانون فرفع الأمر للقضاء طالباً إبطال العقد، فحكمت له المحكمة بذلك.
فقال علوبة باشا أن في رأيه أن المحكمة قد أخطأت الحكم، لأن المفروض أن يعلم كل إنسان بالقانون، وأنه لايمكن الاحتجاج بالجهل به لطلب إبطال العقد. فأجابه سعادة الرئيس أن الغلط في هذا المثل منصب على (La subsiance meme) لأنه لو علم بوجود هذا القانون لما عقد العقد.
وتكلم سعادة علوبة باشا عن نص المادة 124 قائلاً أنه جامد وكان الواجب أن يكون مرناً ليساير التطور، وأن المشرع كأنما أراد أن يمنع القاضي من التصرف في كل قضية حسب ظروفها. ثم قال أنه يظن أن الكل يتفق معه في أنه يجب ألا تكون في المادة قيود كثيرة كهذه.
فوافقه العشماوي باشا على ذلك، وأضاف إليه أنه يجب الحرص دائماً على التحقق من سلامة الرضا، وأن الغلط مفسد له دون أي إرتباط بالطرف الآخر. واقترح أن يقصر النص على مايأتي: «إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد» لأن النص كما ورد في المشروع يؤدي إلى عدم الانتفاع بالغلط إطلاقاً.
فقال الدكتور حسن بغدادي بأن هناك أمرين. الأمر الأول أن هناك قاعدة تقضي بأن الغلط موجب لفساد الرضا، والأمر الثاني هل أخذ القانون الحالي بهذه القاعدة أم لا. أما عن الأمر الأول، فلا شك في أن القول بأن كل إنسان يتعاقد بإرادته صحيح. ولكن أصح منه أن هذه الإرادة، التي تنصرف إلى إنشاء عقد من العقود، ليست إرادة منعزلة، وإنما هي إرادة تعاقدية، أي يجب أن ينظر إليها في نطاق العقد. وقد ساير التشريع الحالي هذه القاعدة المنطقية، فأوجب أن يكون الغلط واقعاً في محيط العقد. ولما فسر الشراح هذا النص قالوا أنه يجب أن يشترك الطرف الآخر في الغلط في أصل الموضوع المعبر في العقد. واستشهد بما جاء في كتاب بستوروس الجزء الثاني ص 342 تعليقاً على المادة 194 مختلط. ثم قال أنه في بادىء الأمر كان الفقه مؤيداً لنظرية الغلط الفردي، ولكن سرعان ما انضم الفقه إلى القضاء في تعديل هذه النظرية.
فاقترح حلمي عيسى باشا إبقاء القديم على قدمه.
فرد عليه الدكتور بغدادي بأن هذا الذي حدث بالفعل، ولكن على طريقة أخرى، لأنه يؤخذ على المادة 124 أنها تكلمت عن مادة الشيء، وقد أحدث هذا لبساً لأنه قد يكون سبب الإبطال هو الغلط في غير مادة الشيء محل العقد. فالمراد بالغلط الجوهري أن يرد على الاعتبار الأساسي الدافع على التعاقد. فأجاب سعادة الرئيس بأن هذا الغلط الجوهري، الذي يرد على الاعتبار الأساسي الدافع على التعاقد، يجب أن يكون متعلقاً بمحل العقد.
ثم أخذ الرأي عما إذا ينص على اشتراط علم المتعاقد الآخر أو إمكان علمه بالغلط، أو يطلق النص دون تخصيص.
قرار اللجنة:
قررت أغلبية اللجنة إطلاق النص دون قيد أو تخصيص. وكان من رأي سعادة الرئيس النص على اشتراط علم المتعاقد الآخر فقط. وبذلك أصبح نص المادة كما يأتي: «إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد».
ثم تليت المادة 125 وهذا نصها:
1ـ يكون الغلط جوهرياً إذا بلغ حداً من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع في هذا الغلط وقدر الأمور تقديراً معقولاً.
2ـ ويعتبر الغلط جوهرياً على الأخص:
أـ إذا وقع في صفة الشيء تكون جوهرية في اعتبار المتعاقدين أو يجب اعتبارها كذلك لما يلابس العقد من ظروف ولما ينبغي في التعامل من حسن النية.
بـ إذا وقع في ذات التعاقد أو في صفة من صفاته وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الوحيد أو السبب الرئيسي في التعاقد.
فاعترض سعادة الرئيس على هذه المادة لأن تعريف الغلط فيها تعريف غير دقيق، فهي تتكلم عن الكم لا عن الكيف، فتقول: «يكون الغلط جوهرياً إذا بلغ حداً من الجسامة»، فما هي هذه الجسامة؟ لم يعرفها النص، والواجب يقضي بتبيان ماهية هذا الغلط أولاً ومحل وقوعه ثانياً.
أما ماجاء في الفقرة الثانية فما هو إلا أمثلة لا ضوابط.
ثم اقترح حذف المادة وإضافة فقرة جديدة للمادة 124 هذا نصها: «ويعتبر الغلط جوهرياً متى كان واقعاً في أصل الموضوع المعتبر في العقد».
فقال عبده محرم بك أن هذا الاقتراح لا يفيد الأخذ لا بالمعيار الشخصي ولا بالمعيار المادي. فما هو أصل الموضوع المعتبر في العقد؟ قد يكون القيمة، كما أنه قد يكون الباعث. فالاقتراح لا يختلف عن الفقرة الأولى من المادة 125 بل يطابقها.
فقال العشماوي باشا: إن من رأيه ألا ينص على أي معيار شخصي، لأنه لا يمكن ضبطه، بل يجب أن تنص على معيار (Positif). ولذلك رأى حذف الفقرة الأولى لأن بقاءها سيثير إشكالات كثيرة.
فرد عليه الدكتور بغدادي قائلاً بأنه لا شك في أن للمتعاقدين مطلق الحرية في الارتفاع بأي اعتبار من الاعتبارات إلى مستوى الاعتبار الرئيسي الحافز للتعاقد.
ولكن العشماوي باشا عاد واقترح إلغاء المادة 125 وإضافة فقرة جديدة إلى المادة 124 هذا نصها: «ويكون الغلط جوهرياً إذا وقع في صفة الشيء تكون جوهرية، أو إذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الوحيد أو السبب الرئيسي في التعاقد».
فلاحظ عبده محرم بك أن هذا الاقتراح ينقلنا إلى القانون الفرنسي. وقد اطرد الفقه والقضاء على نقده. فرد عليه الرئيس قائلاً: يجب أن ينص على كل من العنصرين المادي والشخصي في الاقتراح.
فاقترح سعادة علوبة باشا إضافة فقرة ثانية إلى المادة 124 يستعاض بها عن المادة 125 تجمع بين العنصرين المادي والمعنوي هذا نصها: «يكون الغلط جوهرياً إذا وقع في ذات الشيء أو ذات المتعاقد أو في صفة من صفاتهما، وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيس للتعاقد».
فاعترض عبده محرم بك على هذا النص المقترح بأنه لا يشمل الغلط في غير الذات والصفة، أي في البواعث مثلاً، وأحكام المحاكم المختلطة مطردة في الحكم بهذا.
فسأله سعادة الرئيس عما إذا كان المشروع يرمي إلى حماية البواعث. فأجابه عبده محرم بك بالإيجاب.
ثم أخذ الرأي على إقتراح سعادة علوبة باشا.
وافقت اللجنة بالإجماع على اقتراح سعادة علوبة باشا، وترتب على ذلك حذف المادة 125، وأصبح نص المادة 124 كما يأتي:
«إذا وقع المتعاقد في غلط جوهري جاز له أن يطلب إبطال العقد.
ويكون الغلط جوهرياً إذا وقع في ذات الشيء، أو ذات المتعاقد، أو في صفة من صفاتهما، وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي للتعاقد».
ـ محضر الجلسة الخامسة والأربعين: سبق للجنة أن عدلت المادة 124 بالحذف والإضافة، وقد طلبت الحكومة إعادة المادة إلى أصلها وإرجاء البت في ذلك إلى جلسة قادمة.
ـ محضر الجلسة الثامنة والأربعين: تليت المادتان 124 و 125 وهما خاصتان بالغلط. فاعترض معالي السنهوري باشا أولاً على التعديل الذي أدخلته اللجنة على المادة 123 بحذف عبارة «إذا كان المتعاقد الآخر قد وقع مثله في هذا الغلط، أو كان على علم به، أو كان من السهل عليه أن يتبينه». وقال بعد شرح نظرية الغلط في القانون الفرنسي أن أحكام القضاء في فرنسا عدلت عن نظرية الغلط الفردي في إطلاقها. فوافقت اللجنة على المادة 124 كما أقرها مجلس النواب وأصبح رقمها 120.
ـ محضر الجلسة الثانية والستين: يقول حضرات مستشاري محكمة النقض أن المادة 120 تبين حكم الغلط وتقيد أثره بأن يكون مشتركاً. والأفضل عند حضراتهم عدم الأخذ بنظرية الغلط المشترك على الصورة التي ذهب إليها المشروع، وتقرير ما جرى به قضاء محكمة النقض والفقه الحديث.
وقد ذكر حضرة مندوب الحكومة أن فكرة الغلط الفردي على إطلاقها تخلّ بإستقرار المعاملات وتفسح المجال لضروب من الادعاءات والمفاجآت انعقد الاجتماع على وجوب توقيها.
واستطرد حضرته فقال أن نص المشروع في الغلط يتمشى مع النظرية التقليدية، ولا تزال هذه النظرية صالحة للعمل بها، فهي تؤدي إلى تحصيل نفس النتائج التي يصل إليها الفقه الآن عن طريق نظريات أخرى. هذا إلى أنها تمتاز بالوضوح. وهي بعد أن تستعرض فروضاً مختلفة في الغلط، إذا كانت تشترك جميعاً في أن الغلط فيها مبطل للعقد، فإنها تختلف في بقية الأحكام. فالغلط إذا كان مشتركاً بين البائع والمشتري، كان البائع حسن النية، ولا يتعرض إلا لإبطال العقد. أما إذا انفرد المشتري بالغلط، فالبائع إما أن يكون على علم بذلك ويكون سيىء النية، ويلزم فوق إبطال العقد بالتعويض، وهذه حالة أدنى ما تكون إلى التدليس. وإما أن يكون من السهل عليه أن يتبين غلط المشتري، وقد يكون في الظروف في هذه الحالة ما يجيز اعتباره مقصراً وإلزامه بالتعويض بسبب هذا التقصير.
وقد رأت اللجنة بعد هذا الشرح عدم الأخذ بالاقتراح.
وافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها اللجنة.
مذكرة المشروع التمهيدي:
1ـ كان من واجب المشروع أن يقطع برأي معين في مسألة المفاضلة بين اشتراط توافر الغلط المشترك، وهو ما يقوم بذهن العاقدين معاً، والاجتزاء بالغلط الفردي. وقد اكتفى المشروع بالغلط الفردي بشكل عام. بيد أنه اشترط لترتيب حكم الغلط عند عدم اشتراك طرفي التعاقد فيه، أن يكون أحدهما قد جر الآخر إليه بموقفه، أو أن يكون عالماً بوقوعه، أو أن يكون من السهل عليه أن يتبينه. ويلاحظ أن المتعاقد الآخر، في هذه الفروض الثلاثة، ينسب إليه أمر يرتب مسؤوليته، وهذا ما يبرر طلب البطلان. أما إذا بقي بمعزل عن ظروف الغلط، بأن وقف موقفاً لا يجر إلى الوقوع فيه، أو أمتنع عليه العلم به أو تبينه، فلا يجوز التسليم ببطلان العقد إلا إذا سلم بوجوب تعويض هذا المتعاقد، عملاً بنظرية الخطأ في تكوين العقد، وهذا هو ما اتبعه التقنين الألماني، (انظر المادة 122 منه وانظر أيضاً المادة 26 من التقنين السويسري والمادة 91 من التقنين الصيني). أما المشروع فقد ذهب إلى ما هو أيسر من ذلك. فبدلاً من أن تخول من وقع في الغلط حق التمسك بالبطلان ثم يلزم في ذات الوقت بتعويض ما يصيب العاقد الآخر من خسارة، جعل للعقد حكم الصحة وهيأ بذلك أجدى تعويض لهذا العاقد. وليس هذا إلا تطبيقاً تشريعياً خاصاً لنظرية الخطأ في تكوين العقد (انظر في هذا المعنى: المادة 137، من التقنين البولوني والمادة 178 من التقنين النمساوي، والمادتين 661 و 662 من التقنين البرتغالي، والمادة 207 من التقنين اللبناني).
هذا وينبغي التنويه بأمرين:
أولهما، أن الغلط الذي يبرر إبطال العقد، وهو ما يشترك فيه المتعاقدان، أو يتسبب فيه أحدهما، أو يعلم به، أو يكون في مقدوره أن يعلم به، قد يلقب اصطلاحاً «بالغلط المغتفر»، ويصبح الغلط «غير مغتفر»، ولا يؤدي بذلك إلى إبطال العقد، إذا وقع فيه أحد المتعاقدين دون أن يشاركه فيه المتعاقد الآخر، أو يجره إليه، أو يعلم به، أو يستطيع العلم به.
والثاني، أنه لا يقصد بعلم الطرف الآخر بالغلط تبينه واقعة الغلط فحسب، بل ووقوفه على أن هذا الغلط كان دافعاً إلى إبرام العقد.
2ـ وينبغي أن يكون الغلط المبطل للعقد جوهرياً. ولا يتحقق ذلك، إلا إذا دفع من وقع فيه إلى التعاقد. ويؤدي هذا أن يناط تقدير الغلط بمعيار شخصي. وقد انتهى القضاء المصري والقضاء الفرنسي في هذا الشأن إلى تطبيقات ثلاثة تقررت في نصوص المشروع.
أ ـ أولهما يتعلق بالغلط الذي يقع في صفة للشيء تكون جوهرية في اعتبار المتعاقدين، أو بالنسبة لما يلابس العقد من ظروف، ولما ينبغي أن يسود التعامل من حسن نية. وفي هذا الفرض يرتبط تقدير الغلط الجوهري بعامل شخصي هو حسن النية، وبعامل فردي، قوامه الظروف التي لابست تكوين العقد.
ب ـ والثاني يتصل بالغلط الواقع في ذات الشخص المتعاقد، أو في صفة من صفاته، إذا كانت هذه الذات أو تلك الصفة السبب الوحيد، أو السبب الرئيسي في التعاقد. والمعيار في هذا الفرض شخصي بحت.
ج ـ والثالث خاص بالغلط الواقع في أمور يعتبرها من يتمسك به من المتعاقدين، عناصر ضرورية للتعاقد، طبقاً لما تقضي به النزاهة في التعامل. وقد تنطوي صورة الغلط في الباعث في هذا التطبيق الثالث. بيد أنه يتعين الرجوع عند الإثبات إلى عنصر موضوعي أو مادي بحت، هو عنصر نزاهة التعامل. ويتضح من ذلك أن تقدير الغلط، وإن كان قد نيط بمعيار شخصي بحت، إلا أن تيسير الإثبات قد اقتضى الاعتداد بعناصر مختلفة فيها الشخصي والمادي.