الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 148

الاعمال التحضيرية:
وردت هذه المادة في المشروع التمهيدي برقم 213 ونصها:
1ـ العقد شريعة المتعاقدين مادام قد انعقد صحيحاً. فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا بإتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون.
2ـ ومع ذلك، إذا طرأت حوادث استثنائية لا يمكن توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي، بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، إن اقتضت العدالة ذلك.

المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة 121 من المشروع. فناقشت اللجنة النص المقترح واقرته مع حذف عبارة «ما دام قد انعقد صحيحاً» لعدم الحاجة إليها. ومع إضافة كلمة «عامة» بعد عبارة «حوادث استثنائية». والمراد بإضافة هذا الوصف أن الحوادث الاستثنائية ينبغي ألا تكون خاصة بالمدين، بل يجب أن تكون عامة شاملة لطائفة من الناس، كفيضان عال غير منتظر يكون قد أغرق مساحة واسعة من الأرض، أو غارة غير منتظرة للجراد، أو انتشار وباء. ورأت اللجنة أيضاً خذف العبارة الأخيرة من المادة وهي «إن اقتصت العدالة ذلك» على أن يحل محلها عبارة «تبعاً للظروف» وتوضع بعد عبارة «جاز للقاضي».
واقترحت أخيراً أن يضاف في آخر الفقرة الثانية عبارة «ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك» فأصبحت المادة في نصها النهائي ما يأتي:
1ـ العقد شريعة المتعاقدين. فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون.
2ـ ومع ذلك، إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسار فادحة جاز للقاضي، تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.
ـ وأصبح رقم المادة 151 في المشروع النهائي.

المشروع في مجلس الشيوخ:
ـ محضر الجلسة الرابعة عشرة: بدأت اللجنة ببحث المادة 151 وهذا نصها:
1ـ العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون.
2ـ ومع ذلك، إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي، تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.
فوافقت اللجنة على الفقرة الأولى بدون تعديل ثم انتقلت إلى بحث الفقرة الثانية وهي الخاصة بنظرية الحوادث غير المتوقعة.
فتساءل حلمي عيسى باشا عن المقصود بعبارة «ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك» وعن مصدر هذه الفقرة.
فأجابه الدكتور بغدادي أن المقصود من هذه العبارة هو أن كل اتفاق على حرمان القاضي من حق تعديل الالتزام المرهق يقع باطلاً. وهذه الفقرة مأخوذة من مشروع التقنين الفرنسي الإيطالي والتقنين البولوني. وقد نادى الفقه بوجوب تطبيق هذه النظرية، وطبقتها لجنة قضايا الحكومة ووضعت لها قيوداً ومعياراً.
ثم تساءل علوبة باشا عما إذا كان حكم هذه المادة يسري على الحوادث الاستثنائية المحلية من عدمه، وهل يعني حوادث استثنائية عامة، أي تتناول المتعاقد وغيره، سواء عمت القطر أو البلد أو العالم.
فأجابه الدكتور بغدادي أن المادة لم تتعرض إلا للحوادث الاستثنائية العامة. وعبارة «حوادث استثنائية عامة» ليس لها المعنى الذي يشير إليه علوبة باشا، وإنما هي تنصرف إلى ما كان عاماً من الحوادث، كالفيضان والجراد، ولا تنصرف إلى الحوادث الفردية، كحريق المحصول مثلاً.
وقد أضاف عبده محرم بك إلى ذلك أن لهذه النظرية تطبيقاً في عقود المقاولة والمزارعة وقد أفرد لها المشروع مواد خاصة.
وتساءل الرئيس بدوره عما إذا كان انتشار الدودة، وخصوصاً في مناطق شمال الدلتا، يعتبر حادثاً استثنائياً عاماً من عدمه. فإذا افترضنا أن الشخص قد عمل كل ما في وسعه لدرء هذا الخطر ولم يهمل في ذلك، فما الحكم. إذ المشاهد أن الدودة تفتك بالزراعة فتكاً ذريعاً في تلك المناطق.
فأجابه عبده محرم بك بأن هذا الخطر لا يعتبر حادثاً استثنائياً عاماً، لأنه خطر مصدره الاهمال ويمكن دفعه، فضلاً عن أنه خطر متوقع وبذلك لا ينطبق عليه النص. ولكن غارة الجراد خطر غير متوقع وينطبق عليه النص.
وذكر علوبة باشا أن عبارة «جاز للقاضي أن ينقص الالتزام إلى الحد المعقول» قد يحمل معناها على أنه يجوز للقاضي إبطال العقد.
فأجاب الدكتور بغدادي أن أساس النظرية هو تضحية من الجانبين وليس إخلاء أيهما من التزامه، بل يتحمل كل منهما شيئاً من الخسارة، لا أن يتحملها أحدهم بإبطال العقد. وذكر أن المشروع قنع في تحديد الحادث غير المتوقع بوضع ضابط للتوجيه دون أن يورد أمثلة تطبيقية فقهية الصيغة، وبذلك غاير القانون البولوني الذي أخذ عنه نص المادة لأن التقنين قد أخطأ التوقيف في هذا الصدد إذ جمع بين الحرب والوباء وبين هلاك المحصول بأسره في بعض ما ساق من تطبيقات فخلط في ذلك بين العلة والمعلول.
وقد أبدى الرئيس أربع ملاحظات: الأولى أنه أغفل النص على حسن النية الواردة في الأصل البولوني. والثانية أنه يتبادر إلى الذهن أن الجواز في عبارة «جاز للقاضي…» معناه أن انقاص الالتزام المرهق خاضع لتقدير القاضي. والثالثة تنصب على عبارة «وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين» وهذه عبارة غير مفهومة لأن المقصود النظر إلى حالة المدين فقط. والرابعة تنصب على عبارة: «ينقض الالتزام المرهق إلى…» فهي لا تؤدي المعنى المطلوب لأن القاضي قد يرى الزيادة لا النقصان. كما إذا تعهد تاجر بأن يورد ألف اردب من الشعير بسعر ستين قرشاً للاردب فيرتفع السعر إلى أربعة جنيهات فيرفع القاضي السعر الوارد في العقد. وانتهى من ذلك إلى أنه يحسن الأخذ بالنص البولوني في هذا الصدد وينال: «تعديل تنفيذ الالتزام».
فأجاب الدكتور بغدادي على هذه الملاحظات قائلاً فيما يتعلق بالملاحظة الأولى أن المشروع أغفل النص على حسن النية الواردة في النص البولوني لأنه خاضع لتقدير القاضي للظروف.
وفيما يتعلق بالملاحظة الثانية أن كل النصوص المتعلقة بالجواز لا تعطي للقاضي سلطة تقديرية مطلقة، وإنما تعطيه رخصة بشرط تحقق ظروف معينة. بمعنى أنها تجيز للقاضي عمل شيء معين إذا ما تبينت له شروط معينة. واستعمال هذه الرخصة خاضع لمراقبة محكمة النقض من حيث توافر الشروط التي تبيح هذا الاستعمال.
وأما عن الملاحظة الثالثة فالموازنة بين مصلحة الطرفين منصوص عليها في المادة البولونية في التزام المدين سيصيب الدائن.
وأما عن الملاحظة الرابعة فالانقاص غير مقصود به الانقاص المادي. وإنما مقصود به التعديل، وينسب دائماً إلى عبء الالتزام ولا مانع إذا وافقت اللجنة على القول: «أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول» بدلاً من «أن ينقص…».

قرار اللجنة:
وافقت اللجنة بالإجماع على النص مع استبدال كلمة «يرد» بكلمة «ينقص» في عبارة «أن ينقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول» الواردة في الفقرة الثانية من المادة، فيصبح نص المادة 151 كالآتي:
1ـ العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون.
2ـ ومع ذلك، إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وإن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي، تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين، أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول. ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك.
ـ وأصبح رقم المادة 147.
ـ محضر الجلسة السابعة والستين: بدأت اللجنة بسماع باقي ملاحظات الدكتور حامد زكي بك على بعض مواد المشروع. فاعترض حضرته على المادة 147 وهي الخاصة بتطبيق نظرية الطوارىء على العقود قائلاً حيث لا يكون هناك توافق ارادتين يجب ألا يكملها القاضي إلا عن طريق تفسير نية المتعاقدين والا أعتبر أنه خرج عن حدود وظيفته. وقد أيده في ذلك الرئيس قائلاً أن هذا النص سيثير مشاكل ومنازعات مما قد يهدد انهيارها، لذلك يحسن عدم الأخذ بهذا النص وأن يترك تقدير ذلك للقاضي.
وقد وجه العشماوي باشا النظر إلى أن القاضي يحكم طبقاً لقواعد العدالة عندما لا يجد نصاً في العقد وهو في هذا يعمل في حدود وظيفته فكيف يقال أنه إذا أكمل العقد عن طريق تلك القواعد يخرج عن حدود وظيفته.

قرار اللجنة:
لم تر اللجنة الأخذ بهذه الملاحظة:
ـ وافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها اللجنة.

مذكرة المشروع التمهيدي:
1ـ العقد شريعة المتعاقدين، ولكنه شريعة اتفاقية. فهو يلزم عاقديه بما يرد الاتفاق بشأنه متى وقع صحيحاً. والأصل أنه لا يجوز لأحد طرفي التعاقد أن يستقل بنقضه أو تعديله، بل ولا يجوز ذلك للقاضي. لأنه لا يتولى إنشاء العقود عن عاقديها. وإنما يقتصر عمله على تفسير مضمونها بالرجوع إلى نية هؤلاء العاقدين. فلا يجوز إذن نقض العقد أو تعديله إلا بتراضي عاقديه، ويكون هذا التراضي بمثابة تعاقد جديد، أو لسبب من الأسباب المقررة في القانون، كما هو الشأن في أسباب الرجوع في الهبة.
2ـ وقد استحدث المشروع في الفقرة الثانية من المادة 213 حكماً بالغ الأهمية إذ استثنى من مبدأ الطوارىء غير المتوقعة من نطاق تطبيق القاعدة التي تحجز على القضاء تعديل العقود. وقد بادر القضاء الاداري في فرنسا إلى قبول هذا المبدأ، ومضى في هذا السبيل قدماً، مخالفاً في ذلك ما جرى عليه القضاء المدني. ولما طرح الأمر على محكمة النقض المصري اختارت مذهب القضاء المدني في فرنسا، فلم تر الأخذ بنظرية الطوارىء غير المتوقعة. وألغت في هذه الناسبة حكماً أصدرته محكمة الاستئناف على خلاف هذا الرأي. وقد احتذى المشروع مثال التقنين البولوني (المادة 169) فيما أورد من أحكام تشريعية في هذا الشأن، إلا أنه تقدم على التقنين من ناحيتين:
أ ـ فيراعي من ناحية أنه رسم في وضوح ما يفرق بين حالة الطوارىء غير المتوقعة وحالة القوة القاهرة ضمن حدود. ففي الحالة الأولى، يصبح تنفيذ الالتزام التعاقدي، على حد تعبير المشروع، مرهقاً يجاوز حدود السعة دون أن يكون مستحيلاً. ومؤدى ذلك أن الحالة الثانية هي التي تتحقق فيها هذه الاستحالة.
ب ـ ويراعي من ناحية أخرى أنه قنع في تحديد الحادث غير المتوقع بوضع ضابط، دون أن يورد أمثلة تطبيقية فقهية الصيغة، على نحو ما فعل التقنين البولندي. على أن هذا التقنين قد أخطأ التوفيق في هذا الصدد، إذ جمع بين الحرب والوباء، وبين هلاك المحصول بأسره، في بعض ما ساق من تطبيقات، فخلط بذلك بين العلة والمعلول.
3ـ وإذا كانت نظرية الطوارىء غير المتوقعة تستجيب لحاجة ملحة تقتضيها العدالة، فهي تستهدف للنقد باعتبارها مدخلاً لتحكم القاضي. بيد أن المشروع قد جهد في أن يكفل لها نصيباً من الاستقرار. فأضفى عليها صيغة مادية يتجلى أثرها في تحديد الطارىء غير المتوقع، وفي إعمال الجزاء الذي يترتب على قيامه. فلم يترك أمر هذا الطارىء للقضاء يقدره تقديراً ذاتياً أو شخصياً، كما فعل التقنين البولوني في نصه على إثبات خيار المحكمة في هذا الصدد إذا رأت ضرورة لذلك، بل اتخذ المشروع من عبارة «إن اقتضت العدالة ذلك» بديلاً من هذا النص، وهي عبارة تحمل في ثناياها معنى الإشارة إلى توجيه موضوعي النزعة. وفضلاً عن ذلك، فإذا تثبت القاضي من قيام الطارىء غير المتوقع، وعمد إلى إعامال الجزاء بإنقاص الالتزام الذي أصبح يجاوز السعة، فهو ينقص منه إلى «الحد المعقول»، وهذا قيد آخر مادي الصبغة لا نظير له في التقنين البولوني.
4ـ ولما كانت نظرية الطوارىء غير المتوقعة نظرية حديثة النشأة، أسفر التطور عن إقامتها إلى جانب النظرية التقليدية للقوة القاهرة دون أن تكون صورة منها. فمن الأهمية بمكان أن تستبين وجوه التفرقة بين النظريتين. فالطارىء غير المتوقع تنتظمه مع القوة القاهرة فكرة المفاجأة والحتم. ولكنه يفترق عنها في اثره في تنفيذ الالتزام. فهو لا يجعل هذا التنفيذ مستحيلاً، بل يجعله مرهقاً يجاوز حدود السعة، دون أن يبلغ حد الاستحالة. ويستتبع ذلك قيام فارق آخر يتصل بالجزاء. فالقوة القاهرة تقضي إلى انقضاء الالتزام، وعلى هذا النحو يتحمل الدائن تبعتها كاملة. أما الطارىء غير المتوقع فلا يترتب عليه إلا إنقضاء الالتزام إلى الحد المعقول. وبذلك يتقاسم الدائن والمدين تبعته. (ومن ذلك انظر المادة 269 من التقني البولوني وهي تخول في حالة الطارىء غير المتوقع حق تعيين طريقة التنفيذ أو مقدار الالتزام، بل والحكم بفسخ التعاقد).
5ـ بقيت بعد ذلك ملاحظات ثلاث:
أ ـ فيلاحظ أولاً أن نظرية الطوارىء غير المتوقعة ليست، على وجه الاجمال، إلا بسطه في نطاق نظرية الاستغلال. فالغبن إذا عاصر إنعقاد العقد «وهو الاستغلال» أو كان لاحقاً له «وهي حالة الحادث غير المتوقع» لا يعدم أثره فيما يكون للتعاقد من قوة الإلزام. فقد يكون سبباً في بطلانه أو في انتقاصه على الاقل.
ب ـ ويلاحظ من ناحية أخرى أن نظرية الطوارىء غير المتوقعة تقيم ضرباً من ضروب التوازن بين تنفيذ الالتزام التعاقدي تنفيذا عينياً، وبين طريقة التعويض، إذ تقضي الفقرة الثانية من المادة 299 بأن المدين لا يلتزم «إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد». ويجوز بفضل هذه النظرية أن يقتصر التنفيذ العيني إلى حد بعيد على ما كان في الوسع أن يتوقع عقلاً وقت انعقاد العقد.
ج ـ ويراعى أخيراً أن تطبيق نظرية الطوارىء غير المتوقعة ونظرية الاستغلال يخرج بالقاضي من حدود المألوف في رسالته. فهو لا يقتصر على تفسير التعاقد، بل يجاوز ذلك إلى تعديله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *