الأعمال التحضيرية للقانون المدني المتعلقة بالمادة 175

الأعمال التحضيرية:
وردت هذه المادة في المشروع التمهيدي تحت رقم 242 ونصها التالي:
1 ـ يكون المتبوع مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع أثناء تأدية الوظيفة التي عهد بها إليه. ويكون مسؤولاً كذلك إذا كانت الوظيفة قد هيأت الفرصة للتابع في ارتكاب العمل غير المشروع، حتى لو لم يكن هذا العمل من بين أعمال تلك الوظيفة.
2 ـ تقوم علاقة التبعية حتى لو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعه، ما دامت له سلطة فعلية في الرقابة عليه وفي توجيهه، وما دام يملك فصله.
3 ـ ولا يستطيع المتبوع أن يخلص من هذه المسؤولية إلا إذا أثبت أنه كان يستحيل عليه أن يمنع العمل غير المشروع الذي سبب الضرر.

المشروع في لجنة المراجعة:
تليت المادة 292 من المشروع، وبعد المناقشة أدخلت تعديلات عليها وأصبح النص النهائي ما يأتي:
1 ـ يكون المتبوع مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، إذا كان هذا العمل داخلاً في أعمال الوظيفة التي عهد بها إليه. ويكون مسؤولاً كذلك إذا كانت الوظيفة هي التي هيأت للتابع الفرصة لارتكاب العمل غير المشروع. ولو لم يكن هذا العمل من بين أعمال تلك الوظيفة.
2 ـ وتقوم رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعه متى كانت له عليه سلطة فعلية في رقابته وفي توجيهه وكان يملك أمر فصله.
3 ـ ويستطيع المتبوع أن يخلص من هذه المسؤولية إذا أثبت أنه لم يكن في مقدوره أن يمنع العمل غير المشروع الذي سبب الضرر.
وهنا أثار أحد الأعضاء مسألة مسؤولية المتبوع إذا كان غير مميز. فأجيب بأنه ما دامت المسؤولية هنا مبنية على خطأ مفترض فلا يتصور افتراض الخطأ في جانب غير المميز.
ـ وأصبح رقم المادة 178 في المشروع النهائي.
ـ وافق مجلس النواب على المادة دون تعديل.

المشروع في مجلس الشيوخ:
ـ محضر الجلسة التاسعة عشرة: تليت المادة 178 وبدأ البحث في الفقرة الأولى، فلاحظ الرئيس أن صياغتها غير دقيقة لأنها تنسب العمل غير المشروع إلى عمل الوظيفة مع أن الواجب أن يكون العمل غير المشروع ارتكب أثناء تأدية الوظيفة وبسببها ولذلك يجب أن يكون صدر الفقرة كما يأتي:
«يكون المتبوع مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع أثناء تأدية وظيفته» على أن يكون مفهوماً أن علاقة السببية بين الفعل الضار والوظيفة يجب أن يتحقق دائماً.
وقد وافق الحاضرون على ذلك وانتقلوا إلى بحث حكم آخر تتضمنه الفقرة الأولى وهو مسؤولية المتبوع إذا كانت الوظيفة هي التي هيأت للتابع الفرصة لارتكاب العمل غير المشروع.
فرأت اللجنة عدم الموافقة على هذا الحكم ولو أن أحكام محكمة النقض المصرية مطردة في تقرير المسؤولية إذا كانت الوظيفة هي التي هيأت للتابع ارتكاب العمل غير المشروع لأن تقنين مثل هذا الحكم المقتبس من أحكام المحاكم عمل تشريعي غير سليم ومن المستحسن الاستمرار على الوضع الحالي وترك الأمر لتقدير القضاء.
وبناء على ذلك قرر الحاضرون أن تكون الفقرة الأولى كما يأتي:
«ويكون المتبوع مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع أثناء تأدية وظيفته» وحذف الباقي منها.
ثم رأت اللجنة استمرار المناقشة للجلسة التالية:
ـ محضر الجلسة العشرين: بدأ سعادة الرئيس في عرض الفقرة الأولى من المادة 178 وما اتخذ في شأنها في الإجتماع السابق فقال العشماوي باشا أنه يوافق على بقاء الفقرة الأولى من غير تعديل للأسباب التي أبدتها الحكومة والتي أيدتها بقضاء محكمة النقض في هذا الخصوص. واستطرد إلى القول بأننا إذا قصرنا مسؤولية المتبوع عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع على «أثناء تأدية الوظيفة» نكون قد ضيقنا كثيرا من تلك المسؤولية، ونكون قد خالفنا ما استقر عليه قضاء النقض فيها لأن التابع يستغل وظيفته للإضرار بالناس ولا يغرب عن البال أن مسؤولية المتبوع هنا مسؤولية تحكمية أساسها سوء اختياره لتابعه. وهذا الأساس تحكمي أيضاً. ولم يقرر الفقه والقضاء هذه المسؤولية إلا لمصلحة المضرور حتى يمكنه الرجوع على ضامن مليء وهو المتبوع عند وقوع الضرر من تابعه.
فرد على ذلك الرئيس بأنه أمكن للقضاء في ظل التشريع الحالي ومع قصوره أن يصل إلى القواعد التي يقررها نص المشروع بالتطبيق لقواعد العدل والإنصاف. وإذا كان الأمر كذلك فلسنا في حاجة إلى تقنين تلك القواعد حتى لا نسد باب الاجتهاد في وجه القضاء، وخير لنا أن نضع قاعدة عامة وهي التي قررناها في الجلسة السابقة من أن نتوسع فيها خشية أن تتفرع عنها حالات أخرى ما كان القضاء يعرفها.
فذكر العشماوي باشا بأنه لم يخطر ببال أحد أن يضيق ما ذهب إليه القضاء. فإذا قصرنا مسؤولية المتبوع على أعمال تابعه غير المشروعة إذا وقعت منه أثناء تأدية الوظيفة فقط كان من شأن هذا منع القاضي من تخريج هذه القاعدة بحسب الأحوال، وأصبح لزاماً عليه أن يحكم بمسؤولية المتبوع إذا وقع العمل غير المشروع من تابعه أثناء تأدية الوظيفة مهما كانت ظروف الحال. ونوه بأنه مع اتفاق النص الحالي مع نص المشروع الذي تقرر في الجلسة السابقة فقد كان الخلاف على أشده بين المحاكم في تفسيره إذ ذهبت فيه مذاهب شتى. ولذلك إذا قيل: «إذا وقع هذا العمل أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها» كان هذا خير لنا وللقضاء.
وقد أضاف الدكتور بغدادي تأييداً لما قاله العشماوي باشا أن قضاء محكمة النقض الأخير قد استقر على مسؤولية المتبوع عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها. وقد أخذت أحدث التشريعات (القانون الأسباني والقانوني اللبناني) بهذه القاعدة.

قرار اللجنة:
أخذ الرأي على اقتراح العشماوي باشا فوافقت عليه أغلبية اللجنة ولم يوافق عليه الرئيس لأنه يرى عدم التوسع حتى لا يشمل النص أحوالاً بعيدة الاتصال عن الوظيفة. وبذلك أصبح نص الفقرة الأولى من المادة 178 كما يأتي:
«يكون المتبوع مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع إذا وقع هذا العمل أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها».
وانتقلت بعد ذلك إلى الفقرة الثانية من المادة المذكورة وهي التي تقرر رابطة التبعية. ولو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعه متى كانت له عليه سلطة فعلية في رقابته وفي توجيهه وكان يملك أمر فصله.
فتساءل الرئيس عن الحكمة من إيراد هذه الفقرة.
فأجاب الدكتور بغدادي على هذا التساؤل بأن مسؤولية المتبوع كانت مؤسسة على سوء اختياره لتابعه فأراد المشروع بهذا النص أن يزيل من الأذهان هذا الأساس الخاطىء، وأن يرجع مسؤولية المتبوع إلى الخطأ المفترض في رقابته وفي توجيهه لتابعه، ولو لم يكن المتبوع حراً في اختياره إياه. وقد حرص المشروع أيضاً على إيراد هذا الحكم لما شوهد من جنوح القضاء إلى التوسع في تطبيق قواعد هذه المسؤولية عن طريق التقريب بينها وبين المسؤولية عن تبعة المخاطر الحادثة.

قرار اللجنة:
لم توافق اللجنة على وجهة نظر المشروع ورأت مبدئياً حذف الفقرة الثانية من المادة 178.
ثم انتقلت إلى بحث الفقرة الثالثة من المادة المذكورة وقررت بالإجماع حذفها لأنها تتضمن حكماً مستفاداً من القواعد العامة.
ـ محضر الجلسة التاسعة والأربعين: أعادت اللجنة المناقشة في المادة 178 ورأت التوفيق بين نص المشروع وبين وجهة نظرها أن يكون نص الفقرة الأولى من المادة 178 كما يأتي:
«يكون المتبوع مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع إذا وقع هذا العمل أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها».
ولكن اللجنة رأت أن ترجىء البت في هذه المادة كلها إلى جلسة مقبلة.
ـ محضر الجلسة الحادية والخمسين: أعيدت تلاوة المادة 178 وتناقشت اللجنة طويلاً في مسؤولية المتبوع عن الضرر الذي يحدثه تابعه ولم تخرج المناقشة عما سبق أن قيل في الجلسات السابقة التي نوقشت فيها هذه المادة وانتهت المناقشة إلى تعديل الفقرة الأولى على الوجه الآتي:
«يكون المتبوع مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه في حال تأدية وظيفته أو بسببها».
وعلة هذا التعديل أن اللجنة رأت أن تنسج على منوال التقنين الحالي ووضع المسؤولية في الحدود التي جرى عليها القضاء لتتيح بذلك الفرصة للاجتهاد في مواجهة المسائل المتصلة بالمسؤولية.
واعترض الرئيس على ما جاء في الفقرة الثانية من قيام رابطة التبعية ولو لم يكن المتبوع حراً في اختيار تابعه.
فرد عليه معالي السنهوري باشا قائلاً إن المقصود بذلك عدم تمكين المتبوع من التخلص من المسؤولية بحجة أنه لم يكن حراً في اختيار تابعه كما هو الحال بالنسبة لعساكر الجيش، فإن وزارة الدفاع غير حرة في اختيارهم لأن تجنيدهم يتم بالاقتراع العام، ومع ذلك يجب أن تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يحدثونه بعملهم غير المشروع حتى تستقر أحكام المحاكم. وختم معاليه كلامه بأن عدم وجود هذه العبارة قد يمكن المسؤول من التخلص من المسؤولية.
وقد أخذت اللجنة بالاعتراض القائل أنه يحدث أن يكون التابع لا يملك أمر فصل تابعه ولكنه يكون بالرغم من ذلك مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه بعمله غير المشروع، كما هو الشأن فيمن يخصص لخدمة شخص قبل هيأة من الهيئات. وحذفت عبارة «وكان يملك أمر فصله» من الفقرة الثانية.
وانتهى رأي اللجنة إلى حذف الفقرة الثالثة لأنها تفتح الباب لمنازعات كثيرة تقوم على أساس عدم قدرة السيد على منع الحادث، وبذلك يفتح الباب للتنصل من المسؤولية، ولأن خطأ الخادم مفروض فيه أن يرجع لسوء اختياره من قبل السيد. فالخطأ مفروض فرضاً غير قابل لإثبات العكس وهذا هو ما أجمع عليه القضاء.

تقرير اللجنة:
عدلت اللجنة الفقرة الأولى على الوجه الآتي:
«يكون المتبوع مسؤولاً عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع متى كان واقعاً منه في حال تأدية وظيفته أو بسببها».
وقد آثرت اللجنة أن تنسج على منوال التقنين الحالي في التعبير إبقاء على ما انتهى إليه القضاء من نتائج في تفسير نص المادة 152 من القانون الحالي. وحذفت من الفقرة الثانية عبارة: «وكان يملك أمر فصله» لأن مسألة الفصل لا تعتبر عنصراً لازماً من عناصر رابطة التبعية. فأحياناً لا يكون أمر الفصل راجعاً إلى المتبوع، ومع ذلك تثبت المسؤولية. كما هو الشأن في المجندين تجنيداً إجبارياً، أو فيمن يخصص لخدمة شخص معين من قبل هيأة من الهيئات.
وحذفت اللجنة الفقرة الثالثة من هذه المادة لأن حكمها يفضي إلى جعل قرينة المسؤولية من قبيل القرائن البسيطة في هذه الحالة ولا محل للعدول عما قرره القانون الحالي من جعل هذه القرينة قاطعة لا تسقط بإثبات العكس.
ـ محضر الجلسة السابعة والستين: اعترض الدكتور حامد زكي على التعديل الذي أدخلته اللجنة في آخر المادة. وقد رد الرئيس على هذا الاعتراض بقوله لقد أثار هذا النص مناقشات طويلة وانتهى بنا الرأي إلى هذا التعديل لأن وضع خصائص للمسؤولية فيه توسيع لها. وقد قصدت اللجنة بهذا التعديل أن نضع حداً للتوسع في تلك المسؤولية، مسؤولية التابع والمتبوع.

قرار اللجنة:
لم تر اللجنة الأخذ بهذه الملاحظة.
ـ وافق مجلس الشيوخ على المادة كما عدلتها اللجنة.

مذكرة المشروع التمهيدي:
يفضل هذا النص ما يتضمن التقنين الحالي من نصوص بشأن مسؤولية المتبوع والتابع من وجوه ثلاثة:
أ ـ فيراعي أن المشروع حدد علاقة التبعية تحديداً بيناً، فليس في طبيعة الأشياء ما يحتم قيام هذه العلاقة على حرية المتبوع على اختيار تابعه. فقوامها ولاية «الرقابة والتوجيه» وما تستتبع عند الاقتضاء من أعمال حق الفصل.
ب ـ ويراعى من ناحية أخرى أن المشروع وقف موقفاً صريحاً من أدق ما يعرض من المسائل بصدد هذه المسؤولية. فجعل المتبوع مسؤولاً عن تعويض ما ينجم من الضرر عما يقع من تابعه من الأفعال غير المشروعة. ولم يقصر هذه المسؤولية على ما يقع من هذه الأفعال أثناء تأدية الوظيفة، بل بسط نطاقها على ما تكون هذه الوظيفة قد هيأت فرصة ارتكابه. وبهذا أقر المشروع مذهب القضاء المصري في نزوعه إلى التوسع في مسؤولية المتبوع، إقتداء بالقضاء الفرنسي (أنظر على الأخص حكم محكمة النقض المصرية الصادر في 2 فبراير سنة 1925 ـ المحاماة 5 ص737 رقم 609)
ج ـ ثم إن المشروع جعل من الخطأ المفترض أساساً لهذه المسؤولية. وقد جرى المذهب اللاتيني، خلافاً للمذهب الجرماني على اعتبار قرينة الخطأ قاطعة، لا يقبل في شأنها الدليل العكسي. فليس للمتبوع تفريعاً على ذلك أن يقيم الدليل على انتفاء الخطأ من ناحيته. وقصارى ما يستطيع في هذا الصدد، نفي علاقة السببية بإثبات السبب الأجنبي. أما المشروع فلم يتتبع لأي من المذهبين، واكتفى بالنص على أن المتبوع لا يستطيع أن يدفع المسؤولية عن نفسه إلا إذا أثبت أنه كان يستحيل عليه أن يحول دون وقوع العمل غير المشروع الذي نجم عنه الضرر. والواقع أن هذه الاستحالة تستتبع سقوط المسؤولية أو ارتفاعها من الناحية العملية، باعتبار أنها تنقض قرينة الخطأ في «الرقابة والتوجيه» أو باعتبار أنها تنفي علاقة السببية. ولم يعبأ المشروع في إقرار هذا الحكم العادل برعاية المأثور لدى أصحاب الفقه، ولا استشعر الحرج بإزائه. وعلى هذا النحو، أتيح المشروع كذلك أن يخفف مما لابس بعض أحكام القضاء من أسباب التشدد والتضييق. إذ بلغ من أمرها أن رتبت مسؤولية مالك السيارة، إذا تسلل بها السائق في أثناء عطلته باستعمال مفتاح مسروق، ووقع منه حادث في خلال ذلك. ففي هذه الحالة، يسهل على المتبوع وفقاً لنص المشروع أن يقيم الدليل على أنه كان يستحيل عليه أن يحول دون وقوع العمل غير المشروع الذي نجم عنه الضرر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *