Call us now:
الرأي الفقهي
ذهب الأستاذان حسين وعبد الرحيم عامر إلى ما يلي
تنتفي علاقة السببية إذا كان الضرر قد وقع بسبب أجنبي لا يد للمسؤول فيه. وقد يكون هذا السبب فعل المضرور أو القوة القاهرة أو فعل الغير.
1 – خطأ المضرور
ينظر إلى ما صدر عن المضرور فإذا كان هو السبب الوحيد دون غيره في وقوع الضرر به فكيفما كان هذا الفعل فإنه لا مسؤولية قبل المدعى عليه بغير البحث فيما إذا كان فعل المضرور خاطئاً أو غير خاطىء. إذ أن إعفاء المدعى عليه من المسؤولية مرده إلى أنه لم يصدر عنه ما يعتبر سبباً في وقوع الضرر.
أما إذا كان المضرور قد ساهم مع المسؤول في وقوع الضرر فإنه يجب أن يكون ما صدر عن المضرور فعلاً خاطئاً لامكان الإعفاء من المسؤولية (نظرية تكافؤ الأسباب).
وعلى المسؤول أن يثبت أن خطأ المضرور كان وحده السبب فيما حدث له من ضرر. أما إذا ساهم المضرور فيما حدث له من ضرر فإن المسؤولية تخف بقدر هذه المساهمة.
2 – شروط الأخذ بخطأ المضرور
ليس يكفي لانتفاء المسؤولية أن يكون خطأ المضرور غير متوقع بل يجب أن يكون في آن واحد غير ممكن تداركه أي أن يثبت أنه الخطأ الوحيد في وقوع الحادث وأنه لم يكن في المقدور توقعه ولا مفاداة نتائجه. وليس يعفي من المسؤولية ولا يخفف منها الفعل غير الخاطىء من جانب المضرور ولو كان هذا الفعل لم يكن متوقعاً أو لم تمكن مقاومته.
وإن خطأ المضرور يقاس في هذا النطاق بمعيار الانحراف عن المسلك المألوف للرجل المعتاد في نفس ظروف المضرور الخارجية (المسؤولية المدنية للأستاذين حسين عامر وعبد الرحيم عامر بحث خطأ المضرور ص354 وما بعد).
وقد قررت محكمة النقض المصري في دائرتها الجنائية أن خطأ المجني عليه يقطع رابطة السببية متى استغرق خطأ الجاني وكان كافياً بذاته لإحداث النتيجة (نقض جنائي مصري 25 أبريل 1966 مجموعة أحكام النقض الجنائي السنة 17 ص475 بند 90 و 14 يونيه 1966 مجموعة أحكام النقض السنة 17 ص806 بند 152).
وأما الأستاذ سليمان مرقس فيذهب في بحثه إلى أنه يشترط لتوافر ركن انتفاء الأسناد ثلاثة أمور هي
1 – ألا يكون للمدعى عليه بالذات أو بالواسطة شأن في حصول الحادث.
2 – أن يكون الحادث غير متوقع.
3 – أن يكون غير ممكن تلافيه أي غير ممكن تفادي حصوله وهي ما يمكن التعبير عنه بانتفاء عمل المدعى عليه وانتفاء التوقع وانتفاء الملاقاة.
والمقصود بانتفاء عمل المدعى عليه أن لا يكون لهذا أي دخل في حدوث الضرر الذي يتمسك بأنه راجع إلى سبب أجنبي. فلا يكون هو قد أسهم بخطئه في إحداثه مباشرة ولا قد ارتكب خطأ أدى إلى وقوع السبب الأجنبي أو ساعد على حدوث الضرر من هذا السبب أو على استفحاله.
وليس المقصود فقط بانتفاء التوقع أن يكون الحادث لم يدخل فعلاً في حساب المدعى عليه حيث أجمع الفقه والقضاء على أن الحادث لا يكفي فيه أنه لم يحصل توقعه بل لا بد أن يكون غير ممكن توقعه. على أنه يجب ألا يفهم من ذلك أن كل ما يمكن توقعه يتوافر في الإسناد المانع من اعتبار الحادث سبباً أجنبياً. فلا يسأل المرء إلا عما كان يجب عليه توقعه لا عن كل ما كان في إمكانه توقعه. ويقاس واجب التوقع كما يقاس الواجب الأصلي بالمعيار الموضوعي فينظر ما إذا كان يجب على الرجل العادي أن يتوقعه من حوادث يمكن أن تحول دون وفاء واجبه الأصلي في مثل الظروف الظاهرة للمدعى عليه (المسؤولية المدنية – القسم الأول – للدكتور سليمان مرقس – ص487 وما بعد).
3 – الحادث الفجائي أو القوة القاهرة
يشترط فيما يعتبر حادثاً فجائياً أو قوة قاهرة ما يشترط في كل سبب أجنبي
1 – من حيث أصله أن يكون غير ممكن توقعه ولا تلافيه.
2 – ومن حيث نتيجته أن يكون غير ممكن درء ما ينشأ عنه من ضرر.
وعلى من يتمسك باعتبار الحادث الفجائي أو القوة القاهرة أن يثبت توافر تلك الشروط فيها وله أن يستفيد في ذلك من قرائن الأحوال التي تسمح بافتراض تلك الشروط واعتبار الحادث فجائياً إلى أن يثبت خصمه عكس ذلك. وتقدير القوة القاهرة من مسائل الواقع التي لا يخضع فيها القاضي لرقابة محكمة النقض طالما أن حكمه بشأنها يستند إلى تسبيب سائغ (المسؤولية المدنية – القسم الأول – للدكتور سليمان مرقس – ص492 وما بعد).
ويذهب بعض الشراح إلى أنه يشترط لكي تعفي القوة القاهرة من المسؤولية أن يكون الحادث مما لا يمكن مقاومته ولا التغلب عليه. أي لا يكون في طاقة المدين دفع وقوعه ولا تلافيه فلا يستطيع المدين منع وقوع الحادث. ويدخل في هذا العداد عدم إمكان التغلب على نتائج الحادث عقب وقوعه فلا يستطيع المدين التخلص من تلك النتائج. فإذا أمكن التغلب على الحادث أو دفع نتائجه بأية وسيلة حتى ولو كان غير متوقع فإنه لا يعتبر قوة قاهرة (المسؤولية المدنية للأستاذين حسين وعبد الرحيم عامر ص394).
4 – تطبيقات للقوة القاهرة أو الحادث المفاجىء
1 – ما يصدر من إجراء تشريعي كالمصادرة والاستيلاء وإنما يجب أن يكون الأمر صادراً من جهة لها سلطان شرعي وتملك إصداره وتجب إطاعتها.
2 – لا تصلح الأوامر النقابية سبباً معفياً من المسؤولية بحال من الأحوال.
3 – لا تكون الريح قوة قاهرة إذا أمكن التغلب على نتائجها. وإنما تكون كذلك إذا ثبت أنها بلغت من الشدة ما جعلها عاصفة ولا يمكن تفادي أضرارها بأية وسيلة ملائمة. (ولا تعتبر العاصفة قوة قاهرة فيما يسقط من أسلاك مكهربة مما لا يعفي شركة الكهرباء من المسؤولية عما يحدث من أضرار وكذلك بالنسبة لسائق السيارة ولا لصاحب الشجرة التي تقتلعها العاصفة).
4 – لا يعتبر قوة قاهرة ما يحدث لسائق السيارة من ارتباك بسبب الأنوار العاكسة القوية المسلطة عليه من سيارة مواجهة ولا يعفى من المسؤولية عما يقع بسبب استمراره في السير.
5 – لا يعتبر قوة قاهرة خروج حيوان فجأة من بين القطيع السائر في الطريق العام ولا قفز حصان السباق عند شريط الابتداء وكذلك لا يعتبر قوة قاهرة ولا حادثاً مفاجئاً ذعر الحيوان من سير سيارة أو عدة سيارات بكيف عادي.
6 – إذا ارتدت رصاصة أطلقها صياد بعد اصطدامها بالهدف فأصابت صياداً آخر فإن ذلك يدخل في عداد القوة القاهرة ويخرج عن اعتبار الحادث قوة قاهرة إذا كان الصياد قد جانب الحيطة بنحو ما.
7 – لا يعتبر الإضراب في ذاته قوة قاهرة ولا حادثاً مفاجئاً مادام من الممكن توقعه ويعتبر كذلك لو حصل فجأة وبغير أن يكون للمدين دخل فيه وليس بلازم أن يكون عاماً أو بنحو يتعذر فيه على المدين استبدال المضربين.
8 – تغطية الطريق بطبقة من الثلج (بسبب تجمد الماء والضباب) لا يعتبر بصفة عامة قوة قاهرة إلا إذا ثبت أن حدوثها كان مباغتاً فبهذا ينتفي شرط التوقع.
9 – إن ما يصيب جهاز الفرامل من تلف أو ما يحدث من كسر لا يعتبر في ذاته قوة قاهرة إذ أن العيب يدخل ضمن ما يضطلع به الحارس من مسؤولية مخاطرة للغير وكذلك فيما يحدث من فرقعة في إطار العجلة وكذلك إطفاء مصابيح السيارة بسبب تعطل أحد الأجهزة فيها وكذلك نفاذ البنزين بالسيارة فيما يترتب عليه من تعطل محرك السيارة (الموتور).
10 – ولا يدخل في نطاق القوة القاهرة أو الحادث المفاجىء اصطدام طائر بالزجاج الأمامي للسيارة ولا ما يحدث من مفاجأة قائدها بحيوان هائج يصطدم بها ولا دخول زنبور أو نحلة بالسيارة ولسع قائدها (المسؤولية المدنية التقصيرية والعقدية للأستاذين حسين وعبد الرحيم عامر ص403 وما بعد).
وأما الأستاذ مرقس فيقول
5 – فعل الغير
إذا أثبت المدعى عليه أن الضرر الذي لحق بالمصاب راجع إلى خطأ شخص أجنبي عنه فإنه بذلك يكون قد أثبت السبب الأجنبي بركنيه ركن السببية بين خطأ الأجنبي والضرر وركن انتفاء التوقع. فإن كانت السببية بين الضرر وخطئه هو غير ثابتة على وجه التحقيق اعتبر خطأ الغير هو السبب الوحيد في حدوث الضرر. ولأنه سبب أجنبي عن المدعى عليه تنتفي به مسؤولية هذا الأخير ويصبح للمصاب أن يطالب ذلك الغير.
ويلاحظ أن فعل الغير لا يعتبر في ذاته سبباً أجنبياً إلا إذا كان ذلك الغير أجنبياً عن المدعى عليه وكان فعله خطأ ما لم يثبت المدعي أنه كان في وسع المدعى عليه أن يتوقع ذلك الخطأ من الغير أو أنه توقعه بالفعل وأنه كان يستطيع تفاديه أو درء نتائجه فتظل مسؤولية المدعى عليه قائمة. أما إذا كان فعل الغير ليس خطأ فلا يعتبر سبباً أجنبياً إلا إذا أثبت المدعى عليه أنه قد توافرت فيه شروط الحادث الفجائي والقوة القاهرة (المسؤولية المدنية في تقنينات البلاد العربية – للدكتور سليمان مرقس – القسم الأول ص502 وما بعد).