Call us now:
الرأي الفقهي
1 – الأساس أن إطاعة القانون من أسباب الإباحة التي لا يعتبر الفعل فيها خطأ وبالتالي لا توجب مسؤولية جنائية أو مدنية. فإذا عهد القانون باختصاص معين لموظف فإن ما يصدر عنه في حدود ذلك الاختصاص يكون مباحاً أي أن العمل يعتبر مباحاً إذا كان مطابقاً للقانون. ويتوافر هذا بعمل الموظف في نطاق اختصاصه فإذا خرج عن دائرة اختصاصه لا تكون له سلطة ما وإنما يعتبر فرداً من الأفراد (محكمة النقض المصري في 25 ديسمبر سنة 1951 – مجموعة أحكام النقض السنة الثالثة ص338 رقم 310) وإذا كان الفعل تنفيذاً لأمر رئيس فإنه يجب أن يكون في حدود ما أذن به.
على أنه يجب أن يراد بالتصرف تحقيق مصلحة عامة فإذا انصرف غرض الموظف فيما يفعل أو فيما ينفذ من أمر إلى غير الصالح العام انعدمت الغاية المشروعة في الفعل ويصبح به الفعل غير مشروع وبالتالي يوجب المسؤولية.
2 – وإنما يشترط لانتفاء المسؤولية فيما يصدر من فعل قانوني أن يكون الموظف حسن النية معتقداً مشروعية الفعل وأن يثبت أنه لم يرتكب الفعل إلا بعد التثبت والتحري وأن اعتقاده بمشروعيته كان مبنياً على أسباب معقولة.
ويعتبر الموظف حسن النية إذا كان لا يعلم أن عمله فيه مخالفة للقانون في ناحية الوقائع أو عن حكم قانون آخر غير قانون العقوبات. إذ أن الجهل بما يقضي به قانون العقوبات لا ينهض عذراً ولا تنتفي به سوء النية.
وأما في حالة تنفيذ الأمر الصادر من رئيس فإن حسن النية يتحقق باعتقاد المرؤوس أن الأمر الصادر إليه تجب إطاعته لصدوره من رئيسه في حدود اختصاصه وإن لم يكن الرئيس المباشر وأنه يعتقد أن إطاعة هذا الرئيس واجبة.
وإن حسن النية ليس معنى باطنياً بقدر ما هو موقف أو حالة يوجد فيها الشخص نتيجة ظروف تشوه حكمه على الأمور برغم تقديره لها واعتماده في تصرفه بها على أسباب معقولة ويقع على كاهل الموظف عبء إثبات حسن النية والتثبت والتحري (المسؤولية المدنية التقصيرية والعقدية للأستاذين حسين وعبد الرحيم عامر ص171 وما بعد).
وأما الدكتور سليمان مرقس فيقول أن أداء الواجب كاستعمال الحق ينتفي معه الخطأ فإذا ترتب عليه ضرر للغير لم يستتبع ذلك مسؤولية فاعله سواء كان هذا الفاعل موظفاً عاماً أو فرداً عادياً مادام هو قد أدى واجبه دون تقصير فيه أو إهمال.
ويستوي في ذلك أن يكون الواجب ناشئاً من القانون مباشرة أو أن يكون ناشئاً عن أمر صادر من إحدى السلطات التي ناط بها القانون إصداره وإنما يشترط في انتفاء الخطأ عن هذه الأفعال أن يكون القيام بها تطبيقاً صحيحاً لأحكام القانون سواء من جانب من نفذوها أو من جانب من أمروا بها.
والموظف العام إذا كان ملزماً قانونياً بتنفيذ أمر صحيح صادر إليه من رئيسه في حدود اختصاصه وطبقاً للقانون ونفذ هذا الالتزام فلا خطأ في عمله ولا مسؤولية عليه وهذا الحكم يسري على الموظف العام وعلى كل مرؤوس غيره.
أما في حالة تنفيذ الأمر الذي لا تجب طاعته سواء لصدوره من رئيس غير مختص أو متجاوز حدود سلطته أو لكون موضوعه مخالفاً القانون أو غير مشروع فالأصل فيها اعتبار الموظف مخطئاً ومسؤولاً عما سببه للغير من ضرر ما لم يثبت أن الموظف العادي كان في مثل ظروفه يعتقد أن أمر الرئيس واجب الطاعة فحينئذ لا يكون الموظف مخطئاً.
وللموظف أن يدفع مسؤوليته
1 – بإثبات حسن نيته أي بأن يثبت أنه كان يعتقد أن ما نفذه من أمر الرئيس كان واجب الطاعة لدخوله من اختصاصه وفي حدود سلطته.
2 – عدم مخالفته للقانون.
3 – أنه لم يكن متسرعاً في تكوين هذا الاعتقاد بل تثبت وتحرى وبنى اعتقاده على أسباب معقولة.
وتقدير خطأ المرؤوس في اعتقاده وجوب إطاعة أمر الرئيس يتبع فيه المعيار المادي المجرد أما تقدير حسن النية الذي يلتمس فيه العذر للموظف المخطىء في اعتقاده وجوب الطاعة فيكون تقديراً واقعياً ذاتياً (المسؤولية المدنية في تقنينات البلاد العربية – القسم الأول – للدكتور سليمان مرقس ص294 وما بعد).
ومن التطبيقات القضائية التي أقرتها محكمة النقض المصرية – الدائرة الجنائية أن المادة 63 من قانون العقوبات العام في فقرتها الأولى لا تنطبق إلا إذا ثبت صدور أمر من رئيس وجبت طاعته ولا يغني اعتقاد الموظف بصدور الأمر عن حقيقة صدوره فعلاً والتثبت من صدور الأمر لا غنى عنه لتوافر حسن النية (28/1/1957 طعن 1412 سنة 26 قضائية – مجموعة أحكام النقض س 8 صاعدة 22 ص76).
– من المقرر أن طاعة الرئيس لا تمتد بأي حال إلى ارتكاب الجرائم وأنه ليس على مرؤوس أن يطيع الأمر الصادر له من رئيسه بارتكاب فعل يعلم هو أن القانون يعاقب عليه (29/5/1961 طعن رقم 360 السنة 31 قضائية – مجموعة أحكام النقض س12 قاعدة 120 ص628).
– من المقرر أن طاعة المرؤوس لرئيسه لا تكون في أمر من الأمور التي يحرمها القانون وقد جعل القانون أساساً في المادة 36 من قانون العقوبات لمنع مسؤولية الموظف جنائياً – أن يكون فيما قام به من حسن النية وأنه قام أيضاً بما ينبغي له من وسائل التثبت والتحري وأنه كان يعتقد مشروعية الفعل الذي قام به إطاعة الأمر رئيسه وأن اعتقاده كان مبنياً على أسباب معقولة (14/4/1964 طعن 2040 سنة 33 قضائية – مجموعة أحكام النقض س15 قاعدة 61 ص314).
– أورد الشارع المادة 63 من قانون العقوبات ليجعل في حكمها حصانة للموظفين العموميين حتى لا يتحرجوا في أداء واجباتهم أو يترددوا في مباشرتهم لهذه الواجبات خشية الوقوع في المسؤولية الجنائية وقد جعل الشارع أساساً لمنع تلك المسؤولية أن يكون الموظف فيما قام به حسن النية وأنه قام أيضاً بما ينبغي من وسائل التثبت والتحري. وأنه كان يعتقد مشروعية الفعل الذي قام به وأن اعتقاده كان مبنياً على أسباب معقولة. ومن ثم فإذا كان المتهم يعمل في ظروف تجعله يعتقد أنه وهو يقوم بخدمة الملك السابق في الوظيفة المخصصة له إنما كان يباشر عملاً له صفته الرسمية وارتكب فعلاً ينهى عنه القانون تنفيذاً لأمر صادر إليه من رئيسه الذي تجب عليه طاعته فإنه لا يكون مسؤولاً على أي حال (25/12/1956 طعن 1095 سنة 26 قضائية – مجموعة أحكام النقض س7 قاعدة 365 ص1331).