الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 246 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
1 – أحكام الصورية بالنسبة للمتعاقدين والخلف العام
أ – العقد الظاهر لا وجود له
يترتب على نص المادة 245 من التقنين المصري أن العقد الظاهر فيما بين المتعاقدين والخلف العام لا وجود له. فلا يعمل به وهذا ما يقتضيه مبدأ سلطان الإرادة. ذلك أن المتعاقدين إنما أرادا العقد المستتر لا العقد الظاهر فوجب أن يلتزما بما أراده لا بما يردياه. ذلك لأن المتعاقدين في الصورية لا يغش أحدهما الآخر حتى يجوز له أن يتمسك بغشه بل الاثنان معاً متواطئان على الصورية. ومن ثم فإن العبرة بالنسبة إلى الخلف العام بالعقد الحقيقي أيضاً لا بالعقد الصوري ويترتب على ذلك أيضاً أن لا يكون المشتري الصوري مالكاً للعين وكذلك وارثه لا تنتقل إليه ملكية العين بالميراث إذا مات المشتري الصوري ما لم يكن الوارث قد اشترى العين من مورثه قبل موته بعقد جدي وهو حسن النية فيصبح الوارث هنا من الغير وتنتقل إليه الملكية بالبيع لا بالميراث ولا يحتج عليه بالعقد المستتر ما دام لا يعلم به (استئناف مصر 9 مارس 1943 المجموعة الرسمية 44 ص13) وإذا طعن الوارث بالصورية في تصرف صدر من مؤرثه إضراراً بحقوقه في الإرث فإنه يصبح غيراً. ولكن في هذه الحالة أن يثبت الصورية بجميع الطرق لوجود تحايل على القانون.
2 – العبرة في العقد الحقيقي
فالذي يعتد به إذن فيما بين المتعاقدين والخف العام إنما هو العقد الحقيقي وقد اقتصر الفقه والقضاء في الصورية على منع تحقيق الأغراض غير المشروعة التي يراد الوصول إليها عن طريق الصورية واكتفى بذلك دون أن يجاوزه إلى إبطال العقد الحقيقي الذي قصد إليه المتعاقدان. وقد قضت محكمة استئناف مصر بأن الدعوى بصورية عقد لا تكفي للحكم ببطلانه وإنما يجب بيان العلة التي من أجلها حرر العقد الصوري لأن الصورية وحدها لا تقتضي بطلان العقد وإنما يبطل إذا كان الغرض من الصورية مخالفة القوانين (30 نوفمبر 1927 المحاماة 8 رقم 310 ص477) وقضت محكمة النقض بأن ورقة الضد غير المسجلة يجوز الاحتجاج بها على طرفيها ولو كانت في صيغة تفاسخ متى كان الثابت أنها ليست في حقيقتها تفاسخاً بل إقراراً بصورية عقد آخر أفرغ في صورة تفاسخ كما أنه يصح أن يواجه بها الغير ولو كانت غير مسجلة متى ثبت علمه بها (نقض مدني أول ديسمبر 1949 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 13 ص48).
3 – وجوب إثبات العقد الحقيقي والشروط الواجب توافرها في
أي من الطرفين يريد أن يتمسك بالعقد المستتر في مواجهة العقد الظاهري عليه هو أن يثبت وجود العقد المستتر الذي يريد التمسك به وفقاً لقواعد الإثبات. أما إذا لم يستطع أن يثبت أن هناك عقداً مستتراً فالعقد الظاهر هو الذي يعمل به ويعتبر عقداً جدياً لا صورياً. ويجب أن يكون العقد المستتر مباحاً. فإن كان غير مباح كان باطلاً حتى لو ستره عقد مباح فإذا ما ثبت وجود العقد المستتر وجب أن تتوافر في هذا العقد حتى يسري فيما بين المتعاقدين جميع الشروط الموضوعية التي يتطلبها القانون. أما من حيث الشكل فلا يشترط في العقد المستتر أن تتوافر فيه الشكلية التي قد يتطلبها القانون لو لم تكن هناك صورية.
وإذا أفرغ العقد الظاهر في ورقة رسمية فإنه يجوز مع ذلك أن يحتوي العقد المستتر سند عرفي (الوسيط للسنهوري ج1 طبعة 1956 ص1082 وما بعد).
والدكتور سامي عبد الله يقول يلاحظ أن نص المادة 345 من القانون المدني المصري لم يذكر إلا العاقدين وخلفهما العام. ولكن حكمه ينطبق على كل شخص آخر تكون له مصلحة في تطبيق القاعدة العامة وفي التمسك بإرادة العاقدين الحقيقية كالخلف الخاص الذي تلقى من البائع الصوري ملكية المال المبيع صورياً. سواء كان تلقيه هذه الملكية سابقاً أو لاحقاً لصدور البيع الصوري وكالدائن المرتهن لهذا المال من البائع الصوري والدائن العادي لهذا البائع إذا أراد أن يحجز على المال المبيع صورياً. كل هؤلاء لا ينفذ في العلاقة ما بينهم وبين المشتري الصوري أو ورثته إلا العقد الحقيقي ولا يحتج عليهم بالعقد الصوري ويكون ذلك تطبيقاً للقاعدة العامة التي توجب الاعتداد بالعقد الحقيقي دون العقد الصوري ودون حاجة إلى نص خاص (نظرية الصورية في القانون المدني للدكتور سامي عبد الله ص241 وشرح القانون المدني ج2 ص6887 وما يليها وأحكام الالتزام ص255 وما يليها للدكتور سليمان مرقس).
ثم يقول الدكتور سامي عبه الله في كتابه المشار إليه بند 343 إذا أجرى المتعاقدان بيعاً صورياً كلية لم يترتب على هذا البيع فيما بين الطرفين وخلفائهما العامين أي أثر حتى ولو نظم البيع بشكل سند رسمي أو سجل في السجل العقاري أو في سائر المؤسسات الرسمية. فيبقى البائع بالرغم من التسجيل مالكاً للمبيع يجوز له التصرف فيه بكافة التصرفات القانونية. وتكون هذه التصرفات صحيحة ومنتجة أثرها. بما في ذلك نقل الملكية إلى المتصرف إليه الحقيقي ولا يكسب المشتري الصوري أي حق في شرائه ولا يترتب بذمته أي التزام بالثمن أو بغيره إذ المعول عليه إرادة الطرفين الحقيقية هي اتجهت إلى عدم البيع وعدم إحداث أي أثر قانوني. فلا عبرة بالإرادة الصورية التي تظاهرت فقط بمظهر الإرادة المتجهة إلى البيع.
ومن هنا فإن الاجتهادات القائلة بأن صورية السبب المذكور في العقد لا تؤدي إلى إبطاله تشترط ألا يتضمن السبب الحقيقي أمراً غير مشروع أو مخالفاً للنظام العام أو لا يقره نص والقول بغير ذلك لا يعدو كونه مكافأة غير مبررة لمن يسلك سبيل الصورية (محكمة التمييز اللبنانية قرار رقم 152 تاريخ 28/10/1957 حاتم 38 ص74 ورقم 43 تاريخ 30/10/1961 حاتم 47 ص18).
4 – طرق الإثبات
إذا كانت الدعوى مرفوعة من أحد الطرفين أو ممثل له فيراد في هذه الحالة إثبات العقد المستتر فيما بين الطرفين والورثة فلا يثبت إلا بالكتابة أو بما يقوم مقامها ولا يجوز القول بأن الصورية غش فيجوز إثباته بجميع الطرق فهناك فرق بين الصورية والغش (استئناف أهلي 5 مايو 1897 الحقوق 12 ص216) وإن ذلك ما لم يكن هناك غش واحتيال على القانون فيجوز في هذه الحالة الإثبات بجميع الطرق.
وإذا تم التحايل على القانون لمصلحة أحد المتعاقدين ضد مصلحة الطرف الآخر جاز لهذا الأخير ولوارثه من بعده أن يثبت العقد المستتر بجميع الطرق. فيثبت بجميع الطرق أن حقيقة البيع هبة دفع إليها باعث غير مشروع (استئناف مصر 23 يناير 1932 المحاماة 13 رقم 24 ص69) ومن القرائن على الصورية إذا وضع الرهن في صورة بيع للتحايل على قانون خمسة أفدنه (استئناف مختلط 31 مارس 1931 مجلة المحاماة 43 ص314) أو أن المبلغ المذكور في السند يتضمن فوائد ربوية (نقض مدني 25 مايو 1944 مجموعة عمر ج4 ص390 رقم 142) -وان تاريخ العقد قد قدم ليكون سابقاً على تاريخ الحجز فيعصم العقد من الإبطال (نقض مدني 25 ديسمبر 1947 مجموعة عمر 5 رقم 248 ص507) أما إذا تم التحايل على القانون دون أن يكون هذا التحايل ضد مصلحة أحد المتعاقدين فلا يجوز لأي منهما أن يثبت العقد المستتر إلا وفقاً للقواعد العامة للإثبات إذ لا يوجد هنا ما يمنع المتعاقدين من كتابة ورقة ضد ما دام التحايل لم يوجه ضد مصلحة أحد منهما. فلا يجوز للمشتري أن يثبت إلا بالكتابة أن الثمن المكتوب في عقد البيع أكبر من الثمن الحقيقي بقصد منع الشفيع من الأخذ بالشفعة أما الشفيع نفسه فيستطيع إثبات الثمن الحقيقي بجميع الطرق (استئناف مختلط 22 يناير 1924 مجلة المحاماة 36 ص170).
ولا يجوز للمورث أن يثبت بغير الكتابة أن عقد البيع المكتوب الصادر عنه لأحد الورثة حقيقته وصية. أما الورثة الآخرون فيستطيعون إثبات ذلك بجميع الطرق مع أنهم ليسوا من الغير في الصورية لأن التصرف قد صدر إضراراً بحقوقهم الارثية فيكون تحايلاً على القانون (نقض مدني 11 مايو 1950 مجموعة أحكام النقض 1 رقم 124 ص494 – 18 يناير 1951 مجموعة أحكام النقض 2 رقم 49 ص249) إذ في التصرفات التي لا تضر بحقوقهم في الإرث فالورثة يحلون محل مؤرثهم ويتقيدون بطرق الإثبات التي يتقيد بها. (استئناف مصر 31 يناير 1928 المجموعة الرسمية 29 رقم 113) (الوسيط للسنهوري ج2 طبعة 1956 ص1108 وما بعد والهامش رقم 1 ص1109).
5 – في القانون السوري
نظم قانون البينات السوري طرق الإثبات فيما يجاوز الدليل الخطي وحدد الحالات التي يجوز فيها الإثبات بغير هذا الدليل وفقاً لما يلي
المادة 57 بينات
يجوز الإثبات بالشهادة في الالتزامات التعاقدية حتى لو كان المطلوب تزيد قيمته على خمسمائة ليرة سورية
أ – إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي. يعتبر مانعاً مادياً أن لا يوجد من يستطيع كتابة السند أو أن يكون طالب الإثبات شخصاً ثالثاً لم يكن طرفاً في العقد.
تعتبر مانعاً أدبياً القرابة بين الزوجين أو ما بين الأصول والفروع أو ما بين الحواشي إلى الدرجة الثالثة أو ما بين أحد الزوجين وأبوي الزوج الآخر.
ب – إذا فقد الدائن سنده المكتوب لسبب لا يد له فيه.
ج- – إذا طعن في العقد بأنه ممنوع بالقانون أو مخالف للنظام العام أو الآداب.
6 – تقدير المحكمة للمانع الأدبي
قررت محكمة النقض المصرية إن اعتبار علاقة الزوجية مانعاً أدبياً أم لا من الأمور الموضوعية التي تختلف في الدعاوي حسب ظروفها والقضاء فيما لا يخضع لرقابة محكمة النقض. وقررت أيضاً أن مسألة كون القرابة المدعاة مانعة من الحصول على دليل كتابي أو غير مانعة هي من المسائل الواقعية التي تملك محكمة الموضوع التقدير فيها بلا معقب عليها من محكمة النقض وإن قيام المانع الأدبي الذي يحول دون الحصول على كتابة عند لزومها في الإثبات يجيز الإثبات بالبينة وتقدير قيام هذا المانع يدخل في نطاق الوقائع ويفصل فيه قاضي الموضوع بلا رقابة عليه من محكمة النقض فإذا رأت المحكمة من ظروف الدعوى أن القرابة بين الخصمين هي التي منعت أحدهما من الحصول على سند الوديعة التي ائتمن الآخر عليها فأجازت له الإثبات بالبينة فلا تثريب عليها.
غير أنها قررت بأن درجة القرابة التي يصح أن تكون مانعة من الحصول على كتابة مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض قولاً غير سديد لأن النص لم يضم قيوداً بل جاء عاماً مطلقاً وإن الاستحالة المعنوية ترجع إلى ظروف نفسية وهي تقدر بعلاقات الخصوم وقت انعقاد التصرف ومرجع الأمر في تقدير هذه الاستحالة مع ما ينطوي في هذا التقدير من دقة هو القاضي ولكن عليه أن يسبب تقديره. وتختلف التطبيقات القضائية في هذا الشأن باختلاف ما يتواضع عليه الناس من الناحيتين الخلقية والاجتماعية في البلاد ولذلك كانت صلة الاستحالة المعنوية بالسنن الجارية والعرف والتقاليد جد وثيقة. فعرف البلد هو المعيار الذي يعتد به القاضي في تقديره. متى كان هذا العرف مستقراً مقطوعاً بوجوده وعلاقة القرابة تعتبر مانعاً أدبياً وتقدير ذلك من شأن قاضي الموضوع بشرط أن يبين الأسباب السائغة لذلك. (رسالة الإثبات الأستاذ أحمد نشأت ص644 وما بعد الجزء الأول طبعة 1972).
وهذا أيضاً ما انتهت إليه محكمة النقض السورية في حكمها رقم 888 لعام 1981 حيث قالت من حيث أنه إذا كان المانع الأدبي من المسائل التي يجوز فيها الإثبات بالشهود إلا أن المشترع لم يعرف المانع الأدبي الذي يستوجب ذلك. وترك بذلك حرية واسعة للقضاء في التقدير حسبما يرى من ظروف كل تعاقد فلا يصح التساهل في هذا التقدير لأن ذلك استثناء لا يجوز التوسع فيه. لما كان ذلك يكون ما استبانته محكمة الموضوع من الأدلة التي اطمأنت إليها بما مؤداه انتفاء المانع الأدبي بين المدعي والمدعى عليه على الوجه الذي بسطته في حكمها المطعون فيه وأوردت على نفيه أدلة سائغة مستمدة من أوراق الدعوى تؤدي إلى ما انتهت إليه لا تراقبه محكمة النقض لدخوله في سلطة قاضي الموضوع في تقدير ظروف كل تعاقد على ما هو عليه قضاء محكمة النقض في حكمها رقم 61 لعام 1974 ورقم 133 لعام 1969 (نقض سوري رقم 8888 أساس 522 تاريخ 9/5/1981 مجلة المحامون ص1169 لعام 1981).
7 – مبدأ الخلف العام ومن يعتبر غيراً من هذا الخلف
إن الفقه والاجتهاد يعتبران الورثة من الغير بالنسبة للتصرفات الضارة بهم والصادرة من المؤرث والمتعلقة بحقوق يتلقونها مباشرة من القانون كحقوقهم الارثية مثلاً وعلى ذلك فالوارث هو خلف عام للمؤرث تنتقل إليه حقوق مؤرثه. ولا يسعه إثبات صورية عقد البيع إلا بالوسائل ذاتها التي كانت لمؤرثه أما إذا كانت نية العاقد منصرفة إلى إخراج العقار من ملكيته إلى ملكية الموهوب له أو الموصي له تحت ستار البيع لحرمان الوارث من حقه في حصته المحفوظة فإنه يكون قد ارتكب احتيالاً على القانون ويصبح من حق الوارث الذي يكون قد أصبح من فئة الغير أن يثبت الاحتيال الجاري لهضم حقوقه بكافة طرق الإثبات ومنها البينة الشخصية (تمييز لبناني 143 تاريخ 16/6/1948 المجلة القضائية السنة 28 ص415 – ورقم 90 تاريخ 27/11/1957 باز 1975 ص207 – ورقم 50 تاريخ 22/5/1963 باز 1963 ص233) ولا يحول دون الطعن بتصرفات المؤرث الماسة بحق الورثة في الإرث صدور حكم حال حياة المؤرث بصحة التصرف أو أن يكون العقد ثابتاً بسند عادي أو رسمي.
وهذا يؤكد صحة ما سبق أن قلناه بأن حق هذه الفئة من الأشخاص بالتمسك بالعقد المستتر هو تطبيق للقاعدة العامة في الصورية التي توجب مبدئياً الأخذ بالحقيقة. وإنها لم تكن بحاجة للخيار الممنوح لها في التمسك بالعقد الظاهر أو بالعقد المستتر (نظرية الصورية في القانون المدني للدكتور سامي عبد الله ص355 وما بعد).
8 – الإثبات بين المتعاقدين بالشهادة والقرائن
يجوز إثبات الصورية بين المتعاقدين بشهادة الشهود والقرائن لمن وقع عليه الضرر منها إذا كان الغرض منها غش الشارع والهرب من أحكام القانون أو مخالفة النظام العام والآداب أو أي إخفاء غير مشروع وكذلك إذا وقع غش من أحد الطرفين على الآخر يجوز إثبات الصورية بالشهود والقرائن.
ومن المقرر أنه إذا كانت الصورية تدليسية يستوي فيها الغير مع من كان طرفاً في العقد في إمكان إثبات الصورية بجميع طرق الإثبات لأن الغاش لا يكتب صكاً ضد نفسه مقراً بالغش. وقد قررت محكمة النقض أن صورية البيع التدليسية تثبت بالقرائن في حق كل من مسه التدليس ولو كان طرفاً بالعقد. فإذا توافرت القرائن المثبتة للتدليس والاحتيال على استصدار هذا العقد صورياً واقتضت محكمة الموضوع مع ذلك ممن صدر منه العقد وجود مبدأ ثبوت بالكتابة كما تحقق الصورية التي يقول بها كان حكمها خاطئاً وجاز لمحكمة النقض أن تستخلص ثبوت الصورية التدليسية من الأوراق والتحقيقات التي كانت معروضة في محكمة الموضوع (رسالة الإثبات للأستاذ أحمد نشأت ج2 طبعة 1972 ص390 وما بعد).