الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 454 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
يستنتج من نص المادة 486 مدني (454 سوري) أن للهبة مقومات أربعة
1 – الهبة عقد تأمين ما بين الأحياء.
2 – بموجبه يتصرف الواهب في ماله.
3 – دون عوض.
4 – بنية التبرع.
وعقد الهبة يتكون من عنصرين
1 – عنصر مادي وهو تصرف الواهب في ماله دون عوض.
2 – عنصر معنوي وهي نية التبرع.
فالهبة عقد لا بد فيه من إيجاب وقبول متطابقين. ولا تنعقد الهبة بإرادة الواهب المنفردة. وهي تختلف عن الوصية في أنها عقد لا يجوز الرجوع فيه إلا في أحوال معينة وفي أن أثرها لا يتراخى حتماً إلى موت الواهب.
والواهب يتصرف في مال له ذلك أن الهبة تدخل في عموم عقود التبرع وتخصص الهبة في أن الواهب يلتزم بإعطاء شيء. فالواهب إذن يتصرف في ماله دون عوض. ومعنى ذلك أنه في الأصل يلتزم بنقل حق عيني إلى الموهوب له ويتحقق هذا التصرف مباشرة في المال. ويجوز أن تتحقق الهبة لا عن طريق الالتزام بنقل حق عيني بل بطريق الالتزام بحق شخصي. ولما كانت الهبة تصرفاً في المال فقد خرجت الكفالة العينية عن أن تكون هبة.
وليس من الضروري أن يكون التصرف باتاً. فيصح أن تكون الهبة معلقة على شرط فاسخ أو على شرط واقف. كذلك يصح أن يكون تسليم الموهوب له مقترناً بأجل وقد يكون هذا الأجل هو موت الواهب.
والهبة المقصودة في هذا الباب هي الهبة المباشرة وهي التي لا تستحق إلا بأن يلتزم الواهب بنقل حق عيني إلى الموهوب له أو أن يلتزم له بحق شخصي بالإعطاء. وهذه الهبة المباشرة هي التي تسري عليها أحكام الهبة فتشترط فيها الشكلية وتستوجب أهلية التبرع ويتحقق فيها من ضمان الاستحقاق وضمان العيب ويجوز الرجوع فيها إلا في أحوال معينة. والشكلية حكم تنفرد به الهبة المباشرة.
والتزام الواهب يجب ألا يقابله أي عوض. إذ الهبة تصرف في المال دون عوض كما ورد في النص. فهي افتقار في جانب الواهب وإثراء في جانب الموهوب له فلا يستطيع الواهب أن يسترد الهبة إلا في الأحوال التي يجوز فيها الرجوع. وليس يمنع أن تكون الهبة دون عوض من الهبات المتبادلة.
وتقرر الفقرة الثانية من المادة 486 مدني (454 سوري) بأنه يجوز للواهب أن يفرض على الموهوب له القيام بالتزام معين ولا يمنع ذلك من أن يكون العقد هبة. فيصح أن يفرض الواهب على الموهوب له التزاماً لمصلحة الموهوب له نفسه على أنه يجوز أن يكون الالتزام مفروضاً لمصلحة الواهب له.
ولا يكفي لتحقق الهبة أن يتصرف الواهب في مال له دون عوض بل يجب إلى جانب ذلك قيام العنصر المعنوي في الهبة وهو نية التبرع. فقد يتصرف الشخص في ماله دون عوض ولا تكون عنده نية التبرع. ونية التبرع مسألة نفسية والعبرة فيها بما يقوم بنفس المتبرع وقت التبرع هل قصد تضحية من جانبه دون أن يقصد منفعة فتوافر نية المتبرع حتى لو جنى فيما بعد منفعة لم تدخل في حسابه أو قصد من وراء تبرعه منفعة تعود عليه فتنتفي نية المتبرع حتى لو تخلفت هذه المنفعة. وما عسى أن يقصده المتبرع من منفعة من وراء تبرعه لا يدخل بطبيعة الحال في نطاق العقد وإلا كانت المسألة تتعلق بعوض الهبة لا بنية التبرع.
وتنتفي نية التبرع في عطايا المكافأة وفي المكافآت السنوية التي تعطيها الشركات لمستخدميها وعمالها. وقد يعطي الشخص مالا ولكنه لا يقصد به التبرع المحض بل يقصد جني منفعة مادية أو أدبية فتنتفي في هذه الحالة نية التبرع ولا يعتبر التصرف هبة.
فيجب إذن في الهبة أن تتمخض نية الواهب للتبرع دون أن يقصد وفاء بالتزام طبيعي ودون أن يهدف إلى الإثابة على صنيع أو إلى جني منفعة مادية أو أدبية.
وعناصر الهبة تتفاوت في أرجحيتها تبعاً للقواعد المراد تطبيقها. فإذا أريد تطبيق قواعد الهبة المتعلقة بحماية الواهب كوجوب الشكلية وجواز الرجوع واشتراط أهلية خاصة رجح العنصر المعنوي للهبة وهو نية التبرع. ويجب أن تقوم هذه النية متمخضة حتى تسري هذه القواعد. وإذا أريد تطبيق قواعد الهبة المتعلقة بحماية ورثة الواهب رجح العنصر المادي وبخاصة ما يرجع منه إلى افتقار الواهب دون مقابل يأخذه. وإذا أريد تطبيق قواعد الهبة المتعلقة بحماية دائني الواهب رجح هنا أيضاً العنصر المادي وبخاصة منه ما يرجع إلى إثراء الموهوب له دون مقابل يعطيه. فالنسبية إذن تسود الهبة ويرجح عنصر أو آخر من عناصرها تبعاً للقواعد المراد تطبيقها وبالنسبة إلى هذه القواعد دون غيرها. (الوسيط للسنهوري ج5 – الهبة والتركة ص5 وما بعد).

وأما الدكتور محمد كامل مرسي فيقول
أن نية التبرع شرط لازم في الهبة. فإذا كانت الهبة بعوض فهي عقد آخر كالبيع والمقايضة. والمقصود بذلك هو ألا يدفع الموهوب له قيمة الهبة. ولكن يجوز أن يقوم الموهوب له بدفع عوض إذا كان لا يساوي قيمة الموهوب أي إذا كان أقل من قيمته.
وهذا العوض أماأن يكون مالا أو التزاماً بعمل أو امتناعاً عن عمل كما إذا اشترط الواهب أن يباشر الموهوب له إدارة أعماله. وأماأن يكون العوض لمصلحة الواهب أو لمصلحة أجنبي أو للمصلحة العامة. وتظل الهبة رغم العوض معتبرة من التصرفات التي تعمل بطريق التبرع. ولكن إذا كان التكليف المقرر على الموهوب له يساوي المنفعة التي يجنيها من الهبة فإنه لا يوجد تبرع في هذه الحالة ويكون العقد ولو أنه وصف بأنه هبة وحرر في ورقة رسمية اتفاقاً بمقابل ومن غير أن يفرق بين كون التكاليف المقررة لمصلحة الواهب أو لمصلحة غيره. وللمحاكم أن تقدر قيمة التكاليف أو الخدمات التي يلتزم بها الموهوب له لمعرفة ما إذا كانت الهبة عقداً بمقابل. (العقود المسماة – ج2 ص73 فقرة 57 د. محمد كامل مرسي).