الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 456 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
1 – مبررات الشكلية في عقد الهبة
الهبة في الأصل عقد شكلي. ويبرر الشكلية في الهبة أنها عقد خطير لا يقع إلا نادراً ولدوافع قوية يتجرد الواهب بها عن ماله دون مقابل. فالواهب في أشد الحاجة إلى التأمل والتدبر والشكلية تعينه على ذلك.
والورقة الرسمية بما تتضمنه من إجراءات معقدة وما تستتبعه من جهر وعلانية وما تستلزمه من وقت وجهد نافعة كل النفع لحماية الواهب ولحماية أسرته بل ولحماية الموهوب له نفسه. فهي نافعة للواهب إذ هو في الوقت الذي يتجرد فيه عن ماله دون مقابل في حاجة إلى التدبر ليأمن من شر الاندفاع وراء انفعالات عارضة. وهي نافعة لأسرة الواهب إذ الواهب وهو يتجرد من ماله دون مقابل يسلب ورثته بعض حقهم في تركته. وقد يكون في إجراءات الورقة الرسمية وعلانيتها سبيل للورثة لإحاطة بما يقدم عليه مؤرثهم فيبصرونه بمغبة عمله. والورثة الرسمية نافعة للموهوب له نفسه فإن الهبة عقد يسهل الطعن فيه فخير للموهوب له أن يتسلح بهذه الرسمية للدفاع عن حقه.
وإذا كان القانون قد استغنى في المنقول عن الورقة الرسمية بالقبض فلأن القبض أكثر ملاءمة لطبيعة المنقول وهو عمل مادي كفيل أن ينبه الواهب إلى خطر أقدم عليه إذ يتجرد عن حيازة الشيء الموهوب.

2 – وجوب أن تتضمن الورثة الرسمية جميع شروط الهبة
إذا جاز أن يكون القبول المنفصل للهبة في غير ورقة رسمية فإن الإيجاب المكتوب في ورقة رسمية يجب أن يشتمل على جميع عناصر الهبة من مال موهوب وواهب وموهوب له. وجميع الشروط التي قد يحتويها هذا العقد من عوض والتزامات مفروضة على الموهوب له. ولا يجوز أن تستكمل هذه الورقة الرسمية في عنصر من عناصر الهبة أو في التزام فيها بورقة عرفية وإلا كانت الشكلية ناقصة وكانت الهبة باطلة. وإنما يجوز تفسير عقد الهبة فيما اشتمل عليه من عناصر والتزامات وشروط بأوراق عرفية أو بمراسلات أو بدلائل مادية أو بينة أو بقرائن أو بغير ذلك بما يستعاد به عادة في تفسير العقود فإن عقد الهبة يفسر بالطرق ذاتها التي تفسر بها سائر العقود.

3 – جزاء اختلال الشكل هو البطلان المطلق
إذا اختل شكل الهبة فإن الهبة تكون باطلة بطلاناً مطلقاً ولا تنتج أثراً فيبقى المال الموهوب ملكاً للواهب يستطيع أن يتصرف فيه كما يريد. ولا ينتقل الملك إلى الموهوب له فلا يستطيع هذا أن يطالب بتسليمه المال ولا يستطيع أن يتصرف فيه ولكن يجوز أن تتضمن الهبة الباطلة تصرفات أخرى لا يشترط فيها شكل معين كما لو تضمنت إلغاء لوصية سابقة فيبقى إلغاء الوصية قائماً بالرغم من بطلان الهبة. كذلك قد تتحول الهبة الباطلة إلى وصية صحيحة طبقاً للقواعد المقررة في تحول التصرفات (انسيكلوبيدي داللوز 2 لفظ .
ويجوز للواهب أن يرفع دعوى البطلان وأن يتمسك بالبطلان دفعاً في دعوى يرفعها عليه الموهوب له. كما يجوز لأي ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان فيتمسك به الورثة والخلف الخاص.
وإذا كان الواهب قد سلم الشيء الموهوب للموهوب له وانقضت دعوى البطلان بالتقادم (تتقادم بخمسة عشرة سنة من وقت عقد الهبة) جاز للواهب أن يرفع دعوى استحقاق يسترد بها العقار ولا يستطيع الموهوب له أن يدفع هذه الدعوى بالتقادم فإن الدفوع لا تتقادم.
والبطلان في الأصل لا تلحقه الإجازة. ولما كان بطلان الهبة لعيب في الشكل هو بطلان مطلق فإن الهبة الباطلة على هذا النحو لا تصححها الإجازة لا من الواهب ولا من ورثته ما لم ينفذ الواهب أو ورثته الهبة اختياراً فتصح الهبة. وكل ما يستطيع المتعاقدان عمله هو أن يعيد إبرام العقد من جديد فيستوفيا الشكل المطلوب وعند ذلك تتم الهبة ولكنها هبة جديدة غير الهبة الأولى الباطلة تاريخها من وقت استيفاء الشكل من وقت الهبة القديمة. ويشترط توافر الأهلية في المتعاقدين عند عمل الهبة الجديدة ولا يكفي توافرها وقت إبرام الهبة. (الوسيط للسنهوري ج5 – عقد الهبة والشركة ص45 فقرة 28 و ص51 فقرة 33 و ص69 فقرة 42 و ص70 فقرة 43).

– وأما الدكتور محمد كامل مرسي فقد ذهب إلى القول
أن الهبة من العقود الرسمية أو الشكلية التي لا يكفي لتكوينها الإيجاب والقبول بل يشترط لانعقادها شكلاً خاصاً. فقد جعل القانون من شروطها أن تكون محررة بورقة رسمية وذلك لغرضين
1 – لحماية الواهب بتوجيه نظره إلى جسامة العمل الذي يقدم عليه وهو تجرده من بعض أمواله بدون مقابل.
2 – لضمان عدم الرجوع في الهبة إذ يجب ألا يعود الواهب في هبته بإعدام السند المثبت لها.
والمحرر الرسمي واجب في الهبة سواء أكان موضوعها عقاراً أم منقولاً وإلا كانت باطلة. ولكن القانون لا يشترط الرسمية في القبول إذا حصل بورقة لاحقة للإيجاب.
وإذا لم تكن الهبة بورقة رسمية وقعت باطلة بطلاناً مطلقاً. وعلى ذلك يجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بالبطلان بل يجوز للمحكمة أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها وللواهب أن يتمسك بالبطلان. والهبة الباطلة شكلاً لعدم استيفائها شرط الرسمية لا يمكن تصحيحها بإجازة الواهب لها بل لا بد لتصحيحها من عمل محرر آخر بها يكون رسمياً وهذا حتى في الحالة التي يقوم بها الواهب بتنفيذ العقد من جهته. ويعتبر باطلاً كل تصرف من الموهوب له متى كان عقد الهبة الباطل أساساً له وتكون صحيحة التصرفات التي أجراها الواهب. (العقود المسماة ج2 ص76 فقرة 59 وص80 فقرة 63 للدكتور محمد كامل مرسي).

الهبات اليدوية
في الأصل يشترط في هبات المنقول أن تكون بمحرر رسمي كهباء العقار وإلا كانت باطلة. ولا يستثنى من ذلك إلا الحالة التي يحصل فيها تسليم المنقول بالفعل إلى الموهوب له ولذلك عرفت هذه الهبات بالهبات اليدوية. ولا يشترط في الهبات اليدوية أي إجراء. فلا يشترط أن تكون بالكتابة. ولكن شرطها الأساسي هو أن يحصل التناول أي التسليم من يد ليد أو القبض بالفعل. وهذا الشرط هو الذي يقوم مقام المحرر الرسمي في الهبات الأخرى. فإذا لم يحصل التسليم والتسلم بالفعل فلا بد فيها من تحرير ورقة رسمية.
والهبة اليدوية معفاة فقط من شرط الرسمية في العقد ولكن يجب أن تتوافر فيها كل الشروط الأخرى الخاصة بالهبة مثل شرط الأهلية ونية التبرع والخ… وبما أن الحيازة في المنقول سند للملكية فإن ادعى شخص أن الشيء الذي في يد غيره موهوب له فعليه أن يثبت ذلك. كذلك إذا حاز شخص منقولاً أعطي له بصفة هبة يدوية فعلى من ينازعه في ذلك أن يثبت دعواه ولكن يجب أن تتوافر في الحيازة شروطها بأن تكون هادئة ظاهرة الخ… (المرجع السابق ص103 وما بعد).
– ويجوز أن تكون الهبة في شكل عقار إيجار كان يؤجر شخص عقاراً أو منزلاً مقابل أجرة لا يطالب بها (استئناف مختلط 17 يونية 1915 و 25 فبراير 1920). ويجوز أن يستر عقد الهبة عقد شركة (نقض فرنسي 6 يوليه 1869 داللوز 69 – 1 – 479) أو عقد عارية (نقض فرنسي 25 فبراير 1826 سيري 26 – 1 – 603) أو عقد صلح (نقض فرنسي 11 مارس 1815 داللوز 53 – 2 – 62) أو عقد ترتيب إيراد مدى الحياة (نقض فرنسي 11 يوليه 1888 داللوز 89 – 1 – 479).
كما حكم بأن الهبة التي يسترها إقرار عرفي بالدين تكون صحيحة ما دام العقد العرفي يكفي لصحة الإقرار بالدين. فالهبة التي تتخذ شكل سند تحت الإذن صحيحة (استئناف مختلط 29 يناير 1930 و 4 ديسمبر 1935). كما قضي بأن الإقرار بالدين يكون صحيحاً ولو ستر تبرعاً متى كان منجزاً وصادراً في حال الصحة سواء أكان لوارث أو لغير وارث (استئناف 19 مارس 1929 المحاماة 9 رقم 395 ص631). (المرجع السابق هامش 1 ص92).
كما قضي بأن الشركة التي يعطي فيها الشريك اسمها دون أن يدفع حصة في رأس المال تخفي هبة مستترة لهذا الشريك والتوكيل بتسليم شيء مودع لحساب الموكل قد يخفي هبة هذا الشيء للوكيل.
وقد تستر الهبة في صورة تخارج (نقض مدني 15 يناير سنة 1942 – مجموعة عمر 3 رقم 136 ص408) أو في صورة إقرار بالملك (استئناف وطني 24 مارس سنة 1915) أو في صورة سند تحت الإذن (استئناف مصر 23 يونيه سنة 1936 المحاماة 17 رقم 147 ص304 واستئناف مختلط 4 ديسمبر سنة 1935 المحاماة 17 رقم186 – 357).
وليس من الضروري أن يكون العقد الساتر ناقلاً للملكية. فيصح أن يكون من العقود الكاشفة كالصلح. ولكن هبة الوالد أمواله لولديه وتسمية الهبة بأنها قسمة ليست إلا هبة مكشوفة فتكون باطلة إذا لم تكن في ورقة رسمية (استئناف مختلط 9 مايو سنة 1906 المحاماة 18 ص236). (الهامس رقم 1 ص88 من الوسيط للسنهوري ج5).