الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 458 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
كيف ينعقد الوعد بالهبة
الوعد بالهبة سواء كان وعداً بالإيهاب أو وعداً بالإتهاب ينعقد إذا عينت المسائل الجوهرية لعقد الهبة المراد إبرامه والمدة التي يجب إبرامه فيها. فالوعد بالهبة عقد كامل ليس مجرد إيجاب ولكنه عقد تمهيدي لا عقد نهائي. ولذلك وجب أن يشتمل الوعد على جميع المسائل الجوهرية في الهبة المراد إبرامها وهذه المسائل الجوهرية هي بيان المال الموعود بهبيته بياناً كافياً. ولا يشترط أن يكون هذا المال موجوداً وقت الوعد وإنما يشترط وجوده وقت ظهور رغبة الموعود له في إبرام الهبة وإلا كانت الهبة باطلة. كما لا يشترط أن يكون المال مملوكاً وقت الوعد للواعد في حال الوعد بالإيهاب أو للموعود له في حالة الوعد بالإتهاب وإنما يشترط أن يكون مملوكاً لكل منهما وقت ظهور الرغبة وإلا لم تنفذ الهبة في حق المالك الحقيقي وكانت قابلة للإبطال لمصلحة الموهوب له. كذلك يجب أن يبين في الوعد أن كانت الهبة المراد إبرامها مقترنة بعوض أو تكاليف أو التزامات وما هو هذا العوض أو هذه التكاليف والالتزامات. ويجب أخيراً تعيين المدة التي يجب في خلالها إبرام العقد ويقع هذا التعيين صراحة أو دلالة. وإذا اتفق الطرفان على أن تكون المدة هي المدة المعقولة وكانت هناك عناصر تنهض لتحديد هذه المدة جاز الوعد بالهبة لأن المدة هنا تكون قابلة للتحديد. وإذا اختلف الطرفان في تحديدها تكفل القاضي بذلك.
ويجب أن يكون الوعد بالهبة إيهاباً أو اتهاباً في ورقة رسمية وإلا لم ينعقد الوعد. ومن ثم يقع الوعد بالهبة غير المكتوب أصلاً أو الثابت في ورقة عرفية باطلاً. ولا يجوز إجبار الواعد على تنفيذ وعده تنفيذاً عينياً لأن هذا يقتضي تدخلاً شخصياً من الواعد لإتمام رسمية الهبة وإجباره على هذا التدخل الشخصي ممتنع. ولا يجوز كذلك أن يقوم الحكم على الواعد بالتنفيذ مقام الهبة لأن الوعد بالهبة باطل ولأنه لو جاز ذلك لأمكن بطريق ملتو أن يصل الشخص إلى إبرام هبة دون ورقة رسمية إذ يقتصر على وعد بالهبة غير رسمي يصل به إلى حكم يقوم مقام الهبة.
ولكن يجوز أن يعتبر الوعد بالهبة غير المكتوب في ورقة رسمية عقداً غير مسمى ثم بإيجاب وقبول ورتب التزاماً شخصياً في ذمة الواعد. ولما كان هذا الالتزام يتعذر تنفيذه عيناً فلا يبقى إلا التعويض يحكم به على الواعد وبخاصة في حالة الوعد بالإيهاب فإن الموعود له إذا لم يحصل على المال الموهوب بسبب عدم تنفيذ الواعد لوعده يصاب عادة بضرر يستحق من أجله التعويض.
ويذهب القضاء الفرنسي إلى أن الأمر بالإيهاب في غير ورقة رسمية باطل ولا يوجب تعويضاً لأن الوعد تبرع خلا مما يحمي إرادة المتبرع وهي الورقة الرسمية (انسيكلوبيدي داللوز 2 لفظ فقرة 245). (الوسيط للسنهوري ج5 ص39 فقرة 25).

– وأما الدكتور جمال زكي فيذهب إلى القول
يعتبر الحكم الوارد في المادة 490 مدني (458 سوري) تطبيقاً خاصاً للقاعدة العامة الواردة في المادة 101/2 (المادة 102 سوري). وعلة هذا واضحة لأن إغفال هذا الاحتياط يعين على الإفلات من قيود الشكل الذي يفرضه القانون ما دام أن الوعد قد يؤدي إلى إتمام التعاقد المراد عقده فيما إذا حكم القضاء بذلك. ويكفي لبلوغ هذه الغاية أن يعدل المتعاقدان عن إبرام العقد الذي يرغب في الإفلات من القيود الخاصة بشكله ويعمد إلى اتفاق تمهيدي أو وعد بإتمام هذا العقد لا يستوفي الشكل المفروض ثم يستصدر حكماً يقرر إتمام التعاقد بينهما. ولم يكن لهذا النص نظير في التقنين القديم ومع ذلك فقد أخذ به الفقه والقضاء بحكمه بدون نص. كما سلم به أكثر الفقهاء وطبقة القضاء في فرنسا مع خلو التقنين الفرنسي من القاعدة التي قررها. أن الرأي الذي ذهب إليه واضعو المذكرة الإيضاحية لم يقل به أحد حتى الذين يذهبون إلى أن الوعد في هذه الحالات يظل عقداً رضائياً. بل رتب عليه هؤلاء أثراً محدوداً إذا وقع الوعد على عقد شكلي فمجرد رغبة الموعود له في إتمام العقد النهائي لا يكفي في هذه الحالة لأن العقد النهائي لا يتم إلا بشكل مخصوص. فيدعى الواعد إلى إجراء التعاقد النهائي في الشكل المطلوب تنفيذاً لوعده فإذا أبى فالحكم الذي يصدر ضده لا يقوم مقام العقد (وذلك بخلاف عقد البيع بعد قانون التسجيل الحديث لأن البيع لم يصبح شكلياً) بل يقتصر القاضي على الحكم عليه بتعويضات لإخلاله بالوعد وذلك لأن التزامه الناشىء عن عقد الوعد لا يمكن تنفيذه عيناً دون تدخله الشخصي. (مبادىء القانون المدني في العقود المسماة – د. محمود جمال الدين زكي – ص92 فقرة 45).