Call us now:
الرأي الفقهي
أعذار الرجوع في الهبة
إن أعذار الرجوع في الهبة غير مذكورة على سبيل الحصر وإنما خصت بالذكر لأنها هي الأعذار الغالبة التي تبرر الرجوع في الهبة. وعلى ذلك لا يمنع من أن تقوم أعذار أخرى غير الأعذار المذكورة. فإذا تقدم الواهب بأي عذر يرى أنه يبرر الرجوع في الهبة وأقره القاضي على أن هذا العذر مقبول يبرر الرجوع فسخ القاضي الهبة لهذا العذر. والرجوع في الهبة لعذر مقبول ليس في الواقع من الأمر إلا فسخاً قضائياً للهبة يترك لتقدير القاضي شأن كل فسخ قضائي. ويخلص من ذلك أنه توجد في الأعذار المقبولة للرجوع في الهبة غير الأعذار التي ذكرها المشرع. ويكون للقاضي حق التقدير طبقاً للقواعد المقررة في الفسخ القضائي. وهذه الأعذار هي
1 – جحود الموهوب له
لما كانت الهبة تبرعاً من الواهب للموهوب له فإن الجزاء الذي ينتظره الأول من الثاني هو الاعتراف بالجميل فإذا جحد الموهوب له جميل الواهب لم يكن مستحقاً للهبة وكان الواهب معذوراً إذا هو أراد الرجوع فيها. وإساءة الموهوب له إلى الواهب التي تكون عذراً مقبولاً في الرجوع لا يشترط فيها أن تكون جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي. فأية إساءة بالغة تكفي لتكون جحوداً من الموهوب له يبرر الرجوع في الهبة.
وقاضي الموضوع هو الذي يبت فيما إذا كان العمل الذي صدر من الموهوب له يعد إساءة بالغة للواهب أو لأحد أقاربه ويقرر من هم الأقارب الذي إذا أساء إليهم الموهوب له ارتدت الإساءة إلى الواهب. فإذا استند في ذلك إلى أسباب مسوغة واعتبر العمل الصادر من الموهوب له جحوداً كبيراً جاز له الحكم بفسخ الهبة دون تعقيب على قضائه من محكمة النقض.
2 – عجز الواهب عن توفير أسباب المعيشة لنفسه أو عجزه عن النفقة على من تجب عليه نفقته
من الأعذار المقبولة للرجوع في الهبة أن يصبح الواهب بعد الهبة لأي سبب عاجزاً عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية. فقد تسوء حالة الواهب المالية بعد الهبة أمالسبب لا يتصل بالهبة وأمالأن الهبة ذاتها قد كانت على غير ما توقع الواهب سبباً في هذا الارتباك المالي وليس من الضروري أن يصبح الواهب فقيراً. ولا يمنع الرجوع أن يظهر الموهوب له استعداده لأن ينفق على الواهب أو أن يقدم له مساعدة مالية.
وقاضي الموضوع هو الذي يقدر ما إذا كان الضيق المالي الذي وقع فيه الواهب يكفي عذراً للرجوع في الهبة.
3 – أن يرزق الواهب ولداً
إذا رزق الواهب بعد الهبة ولداً أو تبين أن الولد الذي ظنه قد مات لا يزال حياً يكون هذا عذراً مقبولاً للرجوع في الهبة ذلك لأن الدافع على الهبة قد انعدم والولد الذي رزقه الواهب أو ظهر حياً أو بالمال الموهوب من الموهوب له متى تقدم الواهب إلى القاضي بهذا العذر يطلب الفسخ.
ولا يكفي أن يرزق الواهب ولداً بعد الهبة أو يظهر ولده بعد الهبة حياً بعد أن ظنه قد مات بل يجب أن يبقى هذا الولد حياً إلى وقت الرجوع في الهبة. وهذا العذر كغيره من الأعذار لا يجعل الهبة مفسوخة من تلقاء نفسها بل يجب رفع الأمر إلى القاضي ليحكم بفسخها وليس للقاضي هنا سلطة تقديرية. (الوسيط للسنهوري ج5 – الهبة والشركة ص199 وما بعد).
– وأما الدكتور محمد كامل مرسي فيقول بالنسبة لعجز الواهب عن الإنفاق
من الأعذار المقبولة أن يصبح الواهب عاجزاً عن أن يوفر لنفسه أسباب العيش بما يتفق مع مكانته الاجتماعية. فليس من الضروري أن يقع الواهب في فقر مدقع بل يكفي أن ينزل عن المستوى اللائق لمكانته.
– وفي موانع الرجوع في الهبة يقول الدكتور مرسي
إذا طلب الواهب الفسخ وقدم لذلك عذراً مقبولاً فإن القاضي بالرغم من ذلك لا يحكم بالفسخ إذا وجد مانعاً من موانع الرجوع في الهبة بخلاف الفسخ بالتراضي فلا يحول بالبداهة دونه مانع. (العقود المسماة ج2 ص184 وما بعد – للدكتور محمد كامل مرسي).
– وأما الدكتور زكي فيذهب في شرح الموانع في العذر المقبول للرجوع في الهبة وفي موضوع جحود الموهوب له إلى
أن المشرع يفترض وجود واجب على عاتق الموهوب له يعتبر الإخلال به عذراً مقبولاً في الرجوع بالهبة. وقد فوض المشرع للقاضي في كل حالة تقدير ما يعتبر منه إخلالا بهذا الواجب كما ترك له تحديد أقارب الواهب الذين يجب عليه لهم ما يجب منه نحو الواهب. وكل ما اشترطه القانون هو أن يكون الإخلال على درجة من الجسامة بحيث يعتبر جحوداً كبيراً.
ويرى الدكتور زكي أنه لا يكفي أن يكون عند الواهب عذر مقبول بل يجب ألا يوجد مانع يطرأ بعد الهبة فيمنع الرجوع فيها وهي الموانع المنصوص عنها في المادة 502 مدني (470 سوري). (مبادىء القانون المدني في العقود المسماة – للدكتور محمود جمال الدين زكي – ص166).