Call us now:
الرأي الفقهي
يخلص من نص المادة 554 مدني (522 سوري) أن الأثر الكاشف للصلح مقصور على الحقوق المتنازع فيها دون غيرها. فإذا شمل الصلح حقوقاً غير متنازع فيها وهو ما يسمى بدل الصلح كان الأثر ناقلاً لا كاشفاً.
ومعنى أن للصلح أثراً كاشفاً بالنسبة إلى الحقوق المتنازع فيها أن الحق الذي يخلص للمتصالح بالصلح يستند إلى مصدره الأول لا إلى الصلح. فإذا اشترى شخصان داراً في الشيوع ثم تنازعا على نصيب كل منهما في الدار وتصالحا على أن يكون لكل منهما نصيب معين اعتبر كل منهما مالكاً هذا النصيب لا بعقد الصلح بل بعقد البيع الذي اشتريا به الدار في الشيوع. واستند بذلك حق كل منهما إلى مصدره الأول لا إلى الصلح.
وتذهب النظرية التقليدية في تعليل هذا الأثر الكاشف إلى أن الصلح هو إقرار من كل من المتصالحين لصاحبه. والإقرار إخبار لا إنشاء فهو يكشف عن الحق لا ينشئه.
وتذهب النظرية الحديثة في تفسير الأثر الكاشف إلى أن المتصالح في الواقع من الأمر لا يقر لصاحبه وإنما هو ينزل عن حق الدعوى في الجزء من الحق الذي سلم به. فهذا الجزء من الحق قد بقي على وضعه الأول دون أن يتغير وإنما الصلح قد حسم النزاع فيه فخلص لصاحبه. ومن ثم يكون للصلح أثران فهو قاض على النزاع من حيث خلوص الحق. وهو كاشف عن الحق من حيث بقاء الحق على وضعه الأول.
ويترتب على الأثر الكاشف للصلح النتائج التالية
1 – لا يعتبر المتصالح متلقياً الحق المتنازع فيه من المتصالح الآخر ولا يكون خلفاً له في هذا الحق. ومن ثم لا يستطيع في مواجهة الغير أن يستعين بمستندات الطرف الآخر. فإذا خلصت لأحد المتصالحين ملكية دار ثم نازعه أجنبي غير المتصالح معه في هذه الدار لم يستطع وهو يتمسك بالتقادم في مواجهة الأجنبي أن يضم مدة حيازة المتصالح الآخر إلى مدة حيازته.
2 – لا يلتزم المتصالح الآخر بضمان الحق المتنازع فيه الذي خلص إلى المتنازع الأول لأنه لم ينقل إليه هذا الحق. والالتزام بالضمان لا يكون إلا مكملاً للالتزام بنقل الحق.
3 – إذا صالح المدين بعقد الدين على أن ينزل عن جزء من الدين المتنازع فيه في نظير أن يدفع له المدين الباقي. فالدائن لا يزال في الباقي الذي خلص له دائناً بالعقد فلم يتجدد الدين بالصلح. ومن ثم تبقى التأمينات التي كانت للدين المتنازع فيه ضامنة للباقي من الدين الذي خلص للدائن بالصلح.
4 – إذا وقع الصلح على حق عيني عقاري لم يكن تسجيله واجباً فيما بين المتصالحين وإنما يجب التسجيل للاحتجاج به على الغير.
5 – إذا وقع الصلح على دين متنازع فيه في ذمة الغير وخلص هذا الدين بالصلح لأحد المتصالحين لم يعتبر هذا المتصالح متلقياً للدين من المتصالح الآخر. فلا تراعى هنا الإجراءات الواجبة في حوالة الحق.
6 – لما كان الصلح غير ناقل للحق فإنه لا يصلح سبباً صحيحاً لذلك بالتقادم القصير. فلو أن عقاراً متنازعاً فيه بين شخصين خلص لأحدهما بالصلح فوضع هذا يده على العقار بحسن نية خمس سنوات ثم ظهر مستحق لم يستطع واضع اليد أن يتمسك بالتقادم القصير لأن الصلح ليس سبباً صحيحاً إذ هو كاشف عن الحق لا ناقل له. ولكن يجوز لواضح اليد أن يتمسك بالتقادم الطويل إذا وضع يده خمس عشرة سنة.
7 – إذا خلص عقار لأحد المتنازعين فيه بالصلح فإن الصلح وهو كاشف عن الحق لا يفتح الباب للأخذ بالشفعة. فلا يجوز لجار أو شريك في الشيوع أن يطلب أخذ العقار بالشفعة. هذا إلى أن الشفعة لا تجوز إلا في البيع. فإذا أثبت الشفيع أن الصلح يخفي بيعاً جاز الأخذ بالشفعة.
وللصلح كسائر العقود أثر نسبي. فهو مقصور على المحل الذي وقع عليه وعلى الطرفين اللذين وقع بينهما وعلى السبب الذي وقع من أجله. وهو في هذا يشبه الحكم فإن الحكم لا يكون حجة إلا عند اتحاد المحل والخصوم والسبب. ولكن الأثر النسبي للصلح يرجع إلى إنه عقد لا إلى قياسه على الحكم.
ولا يغير الصلح من طبيعة الحق ولا يؤثر في صفاته. فإذا كان قابلاً للتحويل يبقى كذلك بعد الصلح وإذا كان قابلاً للتنفيذ لثبوته في ورقة رسمية أو لصدور حكم به يبقى كذلك بعد الصلح ويستطيع صاحبه أن ينفذ به إذا ما فسخ العقد لعدم قيام العاقد الآخر بتنفيذ الالتزامات المفروضة عليه بمقتضاه (استئناف مختلط 30 ديسمبر 1937 المحاماة 50 ص79). وإذا كان مؤجلاً أو معلقاً على شرط بقي كذلك إلا إذا ظهر أن المتصالحين قد عدلا من هذا الوصف (إنسيكلوبيدي داللوز 5 لفظ فقرة 140).
وقد يصالح الشخص عن نفسه وعن غيره مشترطاً لمصلحة هذا الغير أو متعهداً معه وعند ذلك تسري قواعد الاشتراط لمصلحة الغير والتعهد عن الغير. (الوسيط للسنهوري ج5 ص581 وما بعد والعقود المسماة للدكتور جمال الدين زكي ص49 وما بعد).