Call us now:
الرأي الفقهي
بطلان المقامرة والرهان
عقد المقامرة أو الرهان عقد باطل بطلاناً مطلقاً لمخالفته للآداب والنظام العام. هو مخالف للآداب لأن المقامر أو المتراهن يقوى في نفسه الإثراء لا عن طريق العمل والكد بل عن طريق المصادفة. ثم إن عقد المقاهرة أو الرهان مخالف للنظام العام فإن الثروات التي يتداولها المقامرون والمتراهنون وكثيراً ما ينجم عنها خراب بيوت عامرة والعصف بأسر آمنة تلقى فيالحضيض في وهدة الفقر. فالمقامر أو المراهن لا يعمل ولا ينتج بل يختطف مالاً لم يبذل جهداً مشروعاً في كسبه. والمقامر ينصرف عن العمل المنتج وتتأصل في نفسه كالمرابين غريزة الجشع.
على أن القانون إذ آنس خيراً في بعض ضروب المقامرة أو الرهان أحلها. كما فعل عندما أباح المباراة في الآلعاب الرياضية وأجاز للفائز الكسب المادي تشجيعاً لهذه الألعاب النافعة ولكي يكون هناك حافز للتفوق فيها.
ما يترتب على البطلان الجزاء المدني
يترتب على بطلان عقد المقامرة أو الرهان جزاؤه المدني وهو ألا ينتج العقد أثراً. وهذا من ناحيتين
1 – الناحية الأولى
هي أن من خسر في مقامة أو رهان لا يلتزم بشيء فلا يجبر على دفع الخسارة لمن فاز. وإذا رفع هذا الأخير عليه دعوى يطالبه بالوفاء كان له أن يدفع هذه الدعوى ببطلان العقد وهذا ما يسمى بدفع المقامرة.
2 – الناحية الثانية
هي أن من خسر لو أنه دفع خسارته طوعاً عن بينة واختيار كان له مع ذلك أن يسترد ما دفعه إذ أن عقد الرهان والمقامرة باطل لا يلزمه بشيء فيكون قد دفع ما هو غير مستحق في ذمته فيسترده بدعوى استرداد ما دفع بغير حق وهي ليست إلا تقريراً للقواعد العامة في العقود الباطلة وفي استرداد ما دفع دون حق.
ومن هنا سمي دين المقامرة بدين الشرف إذ لا يلتزم المدين فيه بالدفع إلا بإملاء من ضميره. (الوسيط للسنهوري ج7 مجلد 2 ص992 فقرةر 489).
القرض للمقامرة أو الرهان
يقع كثيراً أن يقترض المقامر أو المراهن حتى يتمكن من المقامرة أو الرهان. ولما كانت المقامرة أو الرهان مخالفين للآداب والنظام العام فإن الفرض في هذه الحالة يكون سببه غير مشروع ومن ثم يكون باطلاً هو أيضاً كالمقامرة والرهان.
ولكن يجب لبطلان القرض أن يكون المقرض عالماً على الأقل بسبب القرض وهو تمكين المقترض من المقاهرة أو الرهان. فإذا لم يكن عالماً بذلك كان القرض صحيحاً إذ ان السبب غير المشروع لا يبطل العقد إلا إذا كان معلوماً أو ينبغي أن يكون معلوماً من كل من المتعاقدين.
أما إذا كان المقرض عالماً بسبب القرض وأن المقترض إنما اقترض ليتمكن من المقامرة أو الرهان فإن القرض يكون باطلاً لعدم مشروعية السبب. وليس من الضروري لبطلان القرض الذهاب إلى أبعد من ذلك واشتراط أن يكون المقرض قد قصد أن يمكن المقترض من المقامرة أو الرهان. ومن باب أولى لا يشترط أن يكون المقرض هو الذي يقامر مع المقترض.
وإذا كان القرض تالياً للمقاهرة أو الرهان وقصد المقترض من الاقتراض أن يسدد خسارته فإنه يجوز للمقامر أن يسترد ما دفع ولكن ليس هذا معناه فيما نرى أن دفع الخسارة أمر غير مشروع بل معناه أن هذا الدفع يكون غير قائم على حق ملزم ومن ثم جاز الاسترداد. لهذا نرى أنه إذا جاز القول أن الاقتراض للمقامرة باطل لأن سبب الاقتراض هو المقامرة وهي امر غير مشروع فإن القول بأن الاقتراض لسداد الخسارة في المقامرة باطل لا يستند إلى أساس. فليس سداد هذه الخسارة أمراً غير مشروع. والمقترض إذا سدد بمبلغ القرض خسارته ثم أراد استرداد ما دفعه كان له ذلك. وهذا في العلاقة فيما بين المقترض ومن كسب في المقامرة ولا شأن لذلك في العلاقة فيما بين المقترض والمقرض فهذه العلاقة يحكمها عقد القرض وهذا العقد لم يشبه بطلان فينعقد صحيحاً.
دعوى البطلان والدفع بالبطلان
لما كان عقد المقامرة أو الرهان باطلاً فإن من خسر لا يلتزم بالخسارة ولا يجبرعلى دفعها إذ العقد الباطل لا يولد التزاماً ولا يترتب عليه أثر. ويستطيع من خسر أن يرفع دعوى ببطلان العقد أو يدفع الدعوى بما يسمى بدفع المقامرة. ويتمسك في هذا الدفع بأن الدين دين مقامرة أو رهان ومن ثم لا يلتزم بدفعه لبطلان العقد.
وسواء رفع دعوى البطلان أو تمسك في دعوى المطالبة بدفع المقامرة فإن له أن يثبت دعواه أو دفعه وأن الدين دين مقامرة أو رهان بجميع طرق الإثبات ومنها البينة والقرائن لأن العقد غير مشروع لمخالفته للآداب والنظام العام.
ولما كان دفع المقامرة معتبراً من النظام العام فإنه يمكن التمسكبه في أية حالة كانت عليهاالدعوى. ويمكن التمسك به لأول مرة أمام محكمة الاستئناف أو أمام محكمة النقض. ويجوز أن تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها.
ويجوز أن يتمسك بالبطلان وبدفع المقامرة كل من له مصلحة في ذلك.
وبطلان المقامرة أو الرهان من النظام العام فلا يجوز النزول عنه ولا الاتفاق على ما يخالفه. كذلك لا يلحق العقد الإجازة لأن الإجازة لا تلحق العقد الباطل.
جواز الاسترداد من النظام العام
كما أن بطلان عقد المقامرة أو الرهان مقرر للنظام العام كذلك جواز استرداد الخاسر ما دفعه من خسارة مقرر للنظام العام. ويترتب على ذلك أنه لا يجوز الاتفاق على ما يخالف قاعدة جواز الاسترداد ويبقى للخاس حق استرداد ما دفع حتى لو كان هناك اتفاق بينه وبين من كسب على انه لا يجوز له أن يسترد ما دفع. ويعتبر هذا الاتفاق باطلاً لمخالفته للنظام العام. (الوسيط للسنهوري ج7 مجلد 2 ص998 وما بعد).