Call us now:
الرأي الفقهي
تبين من هذا النص أنه يقرر مبدأ عاماً جوهرياً هو أن تسري على الوصية أحكام الشريعة الإسلامية والقوانين الصادرة في شأنها ويستوي في ذلك وصية المسلم ووصية غير المسلم. والوصية استثناء من الحكم القاضي ببطلان التعامل في التركة المستقبلة إذ هي تعامل من الموصي في تركته المستقبلة بإرادته المنفردة وقد أجيزت استثناء بموجب أحكام الشريعة الإسلامية. فقد نصت الماة 207 من قانون الأحوال الشخصية على أن الوصية تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد الموت.
وهناك شروط لصحة الوصية بعضها في الموصي وبعضها في الموصى له وبعضها الآخر في الموصى به.
فيشترط في الموصي أن يكون أهلاً للتبرع. على أنه إذا كان محجوراً عليه لسفه أو غفلة أو بلغ من العمر ثماني عشرة سنة جازت وصيته بإذن المحكمة. ويشترط في الموصى له أن يكون معلوماً وأن يكون موجوداً عند الوصية إن كان معيناً. فإن لم يكن معيناً كالوصية لأولاد فلان فلا يشترط أن يكون موجوداً عند الوصية ولا وقت موت الموصي. وتصح الوصية لأماكن العبادة والمؤسسات الخيرية وغيرها من جهات البر وللمؤسسات العلمية والمصالح العامة. وتصرف على عماراتها ومصالحها وفقرائها وغير ذلك من شؤونها ما لم يتعين المصرف بعرف أو دلالة. وتصح الوصية لله تعالى ولأعمال البر بدون تعيين جهة البر وتصرف في وجوه الخير (م 213 أحوال شخصية) وتصح الوصية مع اختلاف الدين والملة (المادة 215 أحوال شخصية).
ويشترط في الموصى به أن يكون مما يجري في الارث أو أن يكون محلاً للتعاقد حال حياة الموصي وأن يكون متقوماً عند الموصي إن كان مالاً وأن يكون موجوداً عند الوصية في ملك الموصي إن كان معيناً بالذات. وتصح الوصية بقسمة أعيان التركة على ورثة الموصي بحيث يعين لكل وارث أو لبعض الورثة قدر نصيبه فتكون لازمة بوفاة الموصي (مادة 219 أحوال شخصية). فإذا زادت قيمة ما عين لأحدهم عن استحقاقه في التركة كانت الزيادة وصية (مادة 219 / 2 أحوال شخصية).
وتبطل الوصية بجنون الموصي جنوناً مطلقاً إذا اتصل بالموت. فقد كان يمكن للموصي الرجوع عن الوصية لولا الجنون المطبق المتصل فمراعاة لحقه أبطلت الوصية. وتبطل بموت الموصى له قبل موت الموصي. وبهلاك الموصى به إذا كان معيناً وهلك قبل قبول الموصى له. ولا تبطل بالحجر على الموصي للسفه أو الغفلة.
ويمنع من استحقاق الوصية الاختيارية أو الوصية الواجبة قتل الموصي أو المؤرث عمداً سواء أكان القاتل فاعلاً أصلياً أم شريكاً أم كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالاعدام على الموصي وتنفيذه وذلك إذا كان القتل بلا حق ولا عذر وكان القاتل عاقلاً بالغاً من العمر خمس عشرة سنة. ويعد من الأعذار تجاوز حق الدفاع الشرعي (المادة 223 أحوال شخصية).
ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية كلها أو بعضها صراحة أو دلالة. ويعتبر رجوعاً عن الوصية كل فعل أو تصرف يدل بقرينة أو عرف على الرجوع عنها. ومن الرجوع دلالة كل تصرف يزيل ملك الموصي عن الموصى له…
ويعتبر تصرف الموصي في الموصى به رجوعاً عن الوصية حتى لو كان هذا التصرف قابلاً للفسخ وفسخ أو قابلاً للابطال أو كان باطلاً.
ولا يعتبر رجوعاً عن الوصية جحدها (انكارها) ولا إزالة بناء العين الموصى به ولا الفعل الذي يزيل اسم الموصى به أو يغير معظم صفاته ولا الفعل الذي يوجب فيه زيادة لا يمكن تسليمه إلا بها. كل ذلك إلا إذا دلت قرينة على أن الموصي يقصد به الرجوع عن الوصية.
ولا تلزم الوصية إلا بقبولها من الموصى له صراحة أو دلالة بعد وفاة الموصي. فإذا كان الموصي له جنيناً أو قاصراً أو محجوراً عليه يكون قبول الوصية أو ردها ممن له الولاية على ماله بعد إذن المحكمة. واذا قبل الموصى له بعض الوصية ورد البعض الآخر لزمت الوصية فيما قبل وبطلت فيما رد. واذا قبلها بعض الموصى لهم وردها الباقون لزمت بالنسبة إلى من قبلوا وبطلت بالنسبة إلى من ردوا. واذا قبل الموصى له الوصية استحق الموصى به من وقت الموت وتكون زوائد الموصى به بعد وفاة الموصي من وقت وفاة الموصي إلى وقت قبول الوصية ملكاً للموصى له لأنها نماء ملكه فلا تعتبر و صية ولا تدخل في حساب خروج الوصية من الثلث. وعلى الموصى له نفقة الموصى به في تلك البلدة.
ولا يشترط في القبول ولا في الرد أن يكون فور موت الموصي. ومع ذلك تبطل الوصية إذا بلغ الوارث أو من له تنفيذ الوصية الموصي له بإعلان رسمي مشتمل على بيان كاف عن الوصية وطلب منه قبولها أو ردها ومضى على علمه بذلك ثلاثون يوماً كاملة خلاف مواعيد المسافة القانونية ولم يجب القبول أو الرد كتابة دون أن يكون له عذر مقبول. واذا مات الموصى له قبل قبول الوصية أو ردها قام ورثته مقامه في ذلك (مادة 227 أحوال شخصية).
وتصح الوصية بالثلث للوارث وغيره. ولا يعامل في حساب الثلث المصروفات التي يحكم بها على التركة لمصلحة الموصى له إذا نوزع في حصة الوصية ولا فوائد التأخير عن مبلغ الوصية من وقت المطالبة القضائية بهذا المبلغ (نقض مصري 21 يونيه سنة 1962 مجموعة أحكام النقض 13 رقم 124 ص837).
وتنفذ الوصية بالثلث من غير إجازة الورثة وتصح بما زاد على الثلث ولا تنفذ في الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد موت الموصي وكانوا من أهل التبرع عالمين بما يجيزونه.
ولا تصح الاجازة حال حياة الموصي ولا يعتد بها إلا إذا صدرت بعد موته تطبيقاً للشريعة الاسلايمة. وإذا زادت الوصايات على ثلث التركة وأجازها الورثة وكانت التركة لا تفي بالوصايا أو لم يجيزوها وكان الثلث لا يفي بها قسمت التركة أو الثلث بحسب الأحوال بين الوصايا بالمحاصة وذلك مع مراعاة ألا يستوفي الموصى له بعين نصيبه إلا من هذه العين.
وتنفذ وصية من لا دين عليه ولا وارث له بكل ماله أو بعضه من غير توقف على إجازة الخزانة العامة لأنها لا تعتبر وارثاً. وتصح وصية الدين المستغرق ماله بالدين ولا تنفذ إلا ببراءة ذمته منه وذلك في ثلث التركة. فإذا برئت ذمته من بعضه أو كان الدين غير مستغرق نفذت الوصية في ثلث الباقي بعد وفاء الدين. واذا كان الدين غير مستغرق واستوفى كله أو بعضه من الموصى به كان للموصى له أن يرجع بقدر الدين الذي استوفى في ثلث التركة بعد وفاء الدين.
وفي حساب خروج الوصية من الثلث لا يدخل نماء الموصى به الحادث بعد موت الموصي فهذا النماء ملك خالص للموصى له. ويملك الموصى له النماء بمجرد موت الموصي حتى قبل تسجيل الوصية حين يكون الموصى به لا يزال مالكاً للورثة إذ الوصية غير المسجلة ترتب التزاماً في ذمة الورثة بتسليم العقار الموصى به بمجرد موت الموصي. والوصية غير المسجلة في ذلك كالبيع غير المسجل. ففي البيع يكون للمشتري ثمن المبيع ونماؤه من وقت تمام البيع وعليه تكاليف البيع من هذا الوقت أيضاً.
وتصح الوصية بسهم شائع في التركة كربع التركة أو ثلثها وذلك في حدود الثلث. ويعتبر الموصى له في هذه الحالة خلفاً عاماً للموصي شأنه في ذلك شأن الورثة. ويلاحظ أن الموصى له بسهم شائع في التركة لا يستحق هذا السهم إلا بعد سداد ديون التركة فيكون مسؤولاً عن هذه الديون بنسبة سهمه الشائع. وتنص المادة 242 من قانون الأحوال الشخصية على أنه إذا كانت الوصية بسهم شائع في التركة وكان فيها دين أو مال غائب استوفى الموصى له سهمه في الحاضر. وكلما حضر شيء استوفى سهمه فيه.
وتصح الوصية بمثل بمنفعة العين بالمرتبات من رأس المال لمدة معينة. ويوقف من مال الموصي ما يضمن تنفيذ الوصية على وجه لا يضر بالورثة. فإذا زاد ما أوقف لضمان تنفيذ الوصية على ثلث التركة ولم تجز الورثة الزيادة يوقف منه بقدر الثلث وتنفذ الوصية فيه وفي غلته إلى أن يستوفي الموصى له قيمة ثلث التركة حين الوفاة أو إلى أن تنتهي المدة أو إلى أن يموت الموصى له.
ولا يمنح الأجنبي حق الوراثة العقارية بوصية أو بغير وصية إلا إذا كانت قوانين بلاده تمنح مثل ذلك للسوريين. فالفقرة الثانية من المادة 836 نصت على أنه لا يمنح الأجنبي حق الارث في العقارات إلا إذا كانت قوانين بلاده تمنح مثل ذلك للسوريين و الفقرة الثانية من المادة 876 مدني نصت على أنه لا يمنح الأجنبي حق الاستفادة من الوصية العقارية الا إذا كانت قوانين بلاده تمنح مثل ذلك للسوريين. (الوسيط للسنهوري ج9 أسباب كسب الملكية ص203 وما بعد).
فتوريث الأجنبي من تركات في سورية بني اذن على قاعدة المعاملة بالمثل. فإن كانت قوانين بلاده تقضي بتوريث السوريين منح الأجنبي حق الوراثة في سورية والعكس صحيح.
وتركة الأجنبي بالارث أو بالوصية تخضع لأحكام قوانين بلاده. فالفقرة الأولى من المادة 18 من القانون المدني نصت على أنه يسري على الميراث والوصية وسائر التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت قانون المؤرث أو الموصي وتمشياً مع هذه القاعدة قرر القضاء في لبنان تطبيق القانون المدني التركي على توزيع تركة التركي العقارية.
ومن الجدير بالذكر أن واضع القرار 3339 ومن بعده المشرع في القانون المدني أقر قاعدة اخضاع تركة الأجنبي العقارية إلى قوانين بلاده وقد خالف اجتهاد القضاء الفرنسي الذي يقضي بتطبيق القوانين الفرنسية على تركة الأجنبي العقارية.
والقاعدة التي أقرها المشرع السوري هي السائدة في القوانين الحديثة كالقانون المدني الإيطالي (م 18) والقانون المدني الإسباني المادة 10 والقانون المدني الألماني المادة 24 وما يليها والقانون البرازيلي المادة 14). (القانون المدني – الحقوق العينية للدكتور مأمون الكزبري).