الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 877 من القانون المدني السوري

الرأي الفقهي
التصرف الصادر من المؤرث في مرض الموت يكون مقصوداً به التبرع ويعتبره القانون وصية مستترة وتسري عليه أحكام الوصية. وبذلك تحمي الورثة إذ أن هذا التصرف لا ينفذ في حقهم فيما زاد على ثلث التركة إلا إذا أجازوه. وهذا هو حكم الوصية. وحتى تسري أحكام الوصية يجب كما هو ظاهر من النص أن يتوافر في التصرف شرطان

1 – الشرط الأول – التصرف صادر في مرض الموت
إن النص هنا عام. وهو يشمل كل تصرف صدر في مرض الموت أياً كانت التسمية التي أعطيت لهذا التصرف. ومن ثم يدخل إلى جانب البيع الهبة والاقرار والابراء وغير ذلك من التصرفات. فلا تنفذ الهبة ولا الاقرار بالدين ولا الابراء من الدين إلا في ثلث التركة ما لم تجز الورثة ما تجاوز الثلث في كل ذلك.
وعبء إثبات أن التصرف صدر في مرض الموت يقع على الورثة ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق ويدخل في ذلك البينة والقرائن لأنهم إنما يثبتون واقعة مادية فيستطيعون إثبات مرض الموت بتقارير الاطباء وبشهادة الشهود وبالقرائن المستخلصة من ظروف المرض وغير ذلك من الادلة.
ومتى أثبت الورثة أن التصرف قد صدر في مرض الموت وأصبحوا من الغير في هذا التصرف فلا يسري في حقهم فيما يزيد على ثلث التركة إلا إذا أجازوه. أما إذا كان التصرف صورياً صورية مطلقة وطعن فيه الورثة بالصورية لا بأنه وصية مستترة فإن الورثة في هذه الحالة لا يعتبرون من الغير وإنما يستمدون حقهم من مؤرثهم مباشرة فلا يجوز لهم إثبات الصورية إلا بما كان يجوز لمؤرثهم أن يثبتها به من طرق الإثبات.
أما المؤرث نفسه إذا تصرف و هو يعتقد أنه في مرض الموت ثم شفي. فله أن يطعن في التصرف إما بالصورية وبأن حقيقته وصية وقد عدل عنها أو في القليل بالغلط إذا كان البيع جدياً منجزاً وذلك على أساس انه وقع في غلط في الباعث إذا كان الدافع له على التصرف اعتقاده انه كان في مرض الموت.
ومن القرائن على صدور التصرف في مرض الموت أن يكون البيع محرراً بخط المشتري ولم يسجل إلا قبل وفاة البائع بيومين (استئناف وطني أول فبراير سنة 1910 المجموعة الرسمية 11 رقم 108 ص 296) ومنها تسجيل العقد تسجيل تاريخ مثل الوفاة بمدة قليلة ثم تسجيله بعد الوفاة تسجيلاً تاماً (استئناف وطني 24 ديسمبر سنة 1913 الشرائع 1 رقم 204 ص 95) ومن أن يكون العقد قد حرر قبل الوفاة بأيام قليلة ما لم يكن البائع قد مات فجأة (استئناف وطني 25 نوفمبر سنة 1914 الشرائع 2 رقم 118 ص 116) ولا مانع من الطعن بالتصرف انه صادر في مرض الموت بعد الطعن فيه بالتزوير (محكمة مصر الوطنية 29 مايو سنة 1927 المحاماة 9 رقم 539 ص 993).
وتقول العبارة الأخيرة من الفقرة الثانية من المادة 916 مدني (المادة 877 سوري) ولايحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً والمقصود بالسند هنا هو سند التصرف الصادر من المؤرث. فإذا حمل تاريخاً عرفياً من شأنه ان يجعل التصرف صادراً في وقت سابق على مرض الموت كان هذا التاريخ حجة على الورثة ولكن لهم أن يثبتوا أن التاريخ قد قدم عمداً وان التاريخ الحقيقي لصدور السند يقع في وقت كان المؤرث فيه مريضاً مرض الموت فقدم التاريخ ليخفي هذه الحقيقة. ويكون للورثة إثبات ذلك بجميع الطرق وتدخل فيها البينة والقرائن بالرغم من أنه يثبتون عكس ما هو مكتوب لأن تقديم التاريخ غش والغش يجوز إثباته بجميع الطرق. ومن المسلم به أن كل شخص يكون التاريخ العرفي حجة عليه ولو كان هو المتعاقد نفسه يستطيع أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ.

2 – الشرط الثاني – التصرف مقصود به التبرع
ويجب أن يكون التصرف الصادر من المورث في مرض الموت قد قصد به التبرع وذلك أنه من المحتمل وإن كان هذا نادراً أن يكون المؤرث قد تصرف في مرض موته معاوضة لا تبرعاً. وأكثر ما يقع ذلك في عقد البيع. فإن كان الثمن لا محاباة فيه فإن البيع ينفذ في حق الورثة وتسري عليه أحكام البيع لا أحكام الوصية. أما إذا كان في الثمن محاباة فهذه المحاباة وحدها هي التي تسري عليها أحكام الوصية. وهذا ما نصت عليه المادة 477 مدني.
وعبء إثبات أن التصرف الصادر من المؤرث في مرض الموت قد قصد به التبرع لا يقع على الورثة كما يقع العبء عليهم في إثبات أن التصرف صدر في مرض الموت وإنما يقع هنا على من صدر له التصرف. ذلك أنه متى أثبت الورثة أن التصرف صدر في مرض الموت فقد أقام القانون قرينة قانونية على أن هذا التصرف إنما قصد به التبرع. على أن هذه القرينة القانونية قابلة لإثبات العكس. فيجوز لمن صدر له التصرف أن يدفعها بأن يثبت أنه دفع عوضاً للمؤرث. فاذا أثبت ذلك وكان في التصرف مع ذلك محاباة له فإن هذه المحاباة هي التي تسري عليها أحكام الوصية. (الوسيط للسنهوري ج9 أسباب كسب الملكية ص220).