Call us now:
الرأي الفقهي
وهنا نرى أن تصرف المؤرث لم يصدر في مرض الموت بل صدر وهو في صحته ولكن المؤرث لم يطلق التصرف بل قيده بأن احتفظ لنفسه بشيئين حيازة العين وحقه في الانتفاع بها مدى حياته. فالموصى له لا يحوز العين الموصى بها ولا ينتفع بها إلا عند موت المؤرث.
ومتى تبين أن البيع حقيقته وصية مستترة كان منعدماً بوصفه بيعاً فلا يكون لتسجيله أثر ولا يرد عليه التقادم. وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه متى كان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى أن التصرف لم يكن منجزاً وأنه يخفي وصية فلا يكون لتسجيل العقد حال حياة البائع أي أثر في تصحيح التصرف أو نقل الملكية لأن التسجيل لا يصحح عقداً باطلاً كما أنه لا يحول دون الطعن في العقد بأنه يخفي وصية. ولا يسري على هذا البطلان التقادم المنصوص عليه في المادة 140 مدني. ولا يقدح في ذلك القول بأن اعتبار البطلان مطلقاً يتنافى مع إمكان إجازة التصرف من الورثة ذلك لأنه ليس لورثة أن يجيزوا التصرف باعتباره بيعاً وإنما لهم أن يجيزوه على الاعتبار الصحيح بوصفه وصية وفي هذه الحالة تجري عليه أحكام الوصية التي يجيزها الورثة.
والأدق في رأينا كما يقول الدكتور السنهوري أن يقال ألا وجود للبيع أصلاً فهو منعدم لا أن البيع باطل بطلاناً مطلقاً. ذلك أن البيع الذي يستر وصية ليس إلا عقداً واحداً هو وصية مستترة تسري عليها أحكام الوصية. أما البيع الظاهر فهو صوري لا وجود له.
ويلاحظ أن المشروع (القانون المدني الجديد) قد حسم الخلاف الذي كان قائماً في عهد التقنين المدني القديم. فقرر أن مثل هذا التصرف يعتبر وصية وذلك إذا احتفظ المؤرث بحيازة العين وحق الانتفاع وما لم يقم دليل على خلاف ذلك. وترك الباب مفتوحاً لإثبات العكس في الحالات الأخرى النادرة.
وقد عرض النص هنا لتصرف المؤرث لأحد ورثته لأن التصرف للوارث كان هو الغالب عندما كانت الوصية غير جائزة له. ولكن ما القول إذا تصرف المؤرث لغير الوارث بأن باع مثلاً له داراً واحتفظ بحيازتها وبحق الانتفاع بها طول حياته ألا يجوز في هذا الغرض إعمال القرينة القانونية التي وردت في النص واعتبار التصرف وصية حتى يقوم الدليل على العكس
اننا نرى والقول هنا للدكتور السنهوري أن الاحتفاظ بحيازة العين وحق الانتفاع مدى الحياة في التصرف لغير وارث إذا لم يصلح قرينة قانونية في أن التصرف وصية مستترة مطاوعة لحرفية النص فلا أقل من اعتباره قرينة قضائية. وسواء اعتبر قرينة قانونية أو قرينة قضائية فهو في الحالتين يقبل إثبات العكس.
وقد جعل النص في احتفاظ المؤرث في تصرفه بحيازة العين بأية طريقة كانت وبحقه في الانتفاع بها مدى الحياة قرينة قانونية على أن التصرف وصية مستترة. وهذا لا يمنع من إثبات مطاعنه بكل طرق الإثبات بما في ذلك القرائن القضائية. وليس من الضروري قيام هذه القرينة القانونية. وقد قضت محكمة النقض بأنه إذا كان مدار النزاع أن المدعى عليهم في الطعن يطعنون على السند الذي تستمسك به الطاعنة بأنه تصرف انشائي من المؤرث أخرجه في صيغة مخرج تصرف اقراري بقصد انشاء وصية للطاعنة مع أنها من ورثته الذين لا يصح الايصاء لهم إلا بإجازة سائر الورثة وقدم خصوم الطاعنة وهم من الورثة أدلة تفيد ان السند المتنازع عليه وصية ولم يجزها سائر الورثة فأخذت بهذه الأدلة وأبطلت السند فلا تثريب عليها في ذلك (نقض مدني 27 فبراير سنة 1936 مجموعة المكتب الفني لأحكام النقض ج2 ص1208 رقم 33).
وقد قضت محكمة النقض المصرية بما يلي
1 – متى كان الحكم المطعون فيه قد استخلص من ظروف الدعوى ومن الادلة والقرائن التي أوردها والتي من شأنها أن تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها أن نية الطرفين قد انصرفت إلى الوصية لا إلى البيع المنجز. فإنه إذ قضى للمطعون ضدها بنصيبها الشرعي في العقارات موضوع النزاع لا يكون قد خالف القانون (نقض مدني 26 فبراير سنة 1952 مجموعة المكتب الفني ج2 ص1004 رقم 36).
2 – لما كان للوارث أن يثبت طعنه في العقد الذي قصد به الإضرار بحقه في الارث بأي طريق من طرق الإثبات المقبولة قانوناً. كان للحكم ان يستخلص عدم جدية الثمن الوارد في العقد من القرائن القائمة في الدعوى ولو ادى ذلك إلى اهدار اقرار المتصرف في العقد بأنه قبض الثمن بطريقة المقاصة وفاء لدين قال أنه في ذمة المشترين (نقض مدني 13 يناير 1949 مجموعة المكتب الفني ج2 ص1004 رقم 37 و 21 يونيه سنة 1962 مجموعة أحكام النقض ص824 و 25 ابريل سنة 1963 مجموعة أحكام النقض 14 ص84 و 15 يناير سنة 1964 مجموعة أحكام النقض 15 رقم 10 ص43).
والمؤرث يحتفظ بحيازة العين وبالانتفاع بها مدى الحياة بطرق مختلفة. والطريقة المألوفة هي أن يشترط لنفسه في عقد بيع يصدر عنه حق الانتفاع بالعين المبيعة مدى الحياة مع منع المشتري من التصرف في الرقبة. وبذلك يبقى حائزاً للعين باعتباره منتفعاً لا مالكاً ويبقى حائزاً لها مدى الحياة دون حاجة إلى تتبع حقه في الانتفاع في يد الغير بفضل شرط المنع من التصرف في الرقبة.
ويبدو أن احتفاظ المؤرث بحق الانتفاع طول حياته كاف وحده لقيام القرينة القانونية فهو يتضمن اشتراطه الانتفاع بالعين مدى الحياة واستبقاء الحيازة في يده بصفته منتفعاً. وقد يضيف إلى ذلك عدم تسجيله للبيع وتصرفه في العين تصرف الملاك فيكون بذلك قد قوى القرينة ودعمها. اما مجرد الانتفاع الفعلي الذي لا يستند إلى حق قانوني فلا يكفي لقيام القرينة القانونية إذ لا يكون زمام الانتفاع بالعين في هذه الحالة في يد المتصرف بل يكون موكولاً إلى مشيئة المتصرف إليه فيستطيع أن ينتزع الانتفاع من يد المتصرف متى أراد.
والاحتفاظ بحيازة العين بالانتفاع بها مدى الحياة وان قام قرينة قانونية على أن التصرف وصية مستترة ليس بالقرينة القاطعة بل يجوز لمن تصرف له المؤرث ان يدحض هذه القرينة بإثبات العكس ولو عن طريق تقديم قرائن قضائية مضادة.
واما إثبات الاحتفاظ والانتفاع فيقع عبء ذلك على الوارث أو الدائن فعليه أن يثبت ان المؤرث قد احتفظ بحيازة العين وبحقه في الانتفاع مدى الحياة فتقوم القرينة القانونية ويصح أن يطعن المؤرث نفسه في التصرف الصادر منه على أساس انه وصية وقد رجع فيها فيقع عليه هو أيضاً عبء إثبات قيام القرينة القانونية.
واذا دحض من تصرف له المؤرث القرينة القانونية بإثبات عكسها فإن التصرف لا يعتبر وصية مستترة ولا تسري عليه أحكام الوصية بل يعتبر بيعاً منجزاً أو هبة منجزة وتسري عليها أحكام البيع أو الهبة. واذا لم يستطع ذلك بقيت القرينة قائمة واعتبر التصرف وصية مستترة تسري عليها أحكام الوصية ومن ثم لا تنفذ في حق الورثة فيما يجاوز ثلث التركة إلا إذا أجازوها ولا تسري في حق دائني التركة أصلاً.
وحق الوارث في الطعن في تصرف المؤرث بأنه في حقيقته وصية لا بيع وبأنه قصد به التحايل على أحكام الارث سواء لأن التصرف قد صدر في مرض الموت أو لقيام قرائن قانونية أو قضائية على أنه وصية مستترة حق خاص مصدره القانون وليس حقاً يتلقاه عن مؤرثه وإن كان هذا الحق لا ينشأ إلا بعد وفاة المؤرث. ومن ثم لا يكون الحكم الصادر قبل المؤرث بصحة التصرف بالبيع حجة عليه إذ يعد الوارث في حكم الغير فيما يختص بتصرفات مؤرثه الضارة به والماسة بحقه في الارث.
– تصرفات كيفت بأنها وصايا مستترة لقيام قرائن قضائية تثبت ذلك
1 – القرائن هي عدم تسجيل العقد وعدم دفع الثمن وبقاء العقد في حوزة المتصرف حتى وفاته (16 نوفمبر 1939 مجموعة المكتب الفني جزء 2 ص 1205 رقم 16).
2 – العقار لم يخرج من حيازة المتصرف طول حياته ولم يدفع ثمن عن التصرف والعقد عرفي لم يسجل (14 مايو سنة 1942 نفس المجموعة جزء 2 ص 1204 رقم 10).
3 – ورقة ضد بنفس تاريخ السند تضمنت تعهد المشتري بعدم المساس بملكية الاطيان طول حياة والديه البائعين له. ثم بعد وفاتهما يكون لإخوانه نصيب معين في الاطيان عدم دفع شيء من الثمن سبب البيع هو استكمال الابن النصاب القانوني للعمودية (11 مارس سنة 1943 نفس المجموعة جزء 2 ص 1204 رقم 11).
4 – قصد المتصرف أن يختص بعض أولاده دون غيرهم بكل ما يترك من عقار ومنقول لم يسجل سند التصرف واحتفظ به المتصرف طول حياته التصرف بغير عوض سند مماثل لسند التصرف محرر في نفس اليوم ولكن لم يبين فيه الثمن (أول ابريل سنة 1943 نفس المجموعة جزء 2 ص 1204 رقم 5).
5 – بقاء العقد في حوزة المتصرف بغير تسجيل حتى الوفاة عدم تسجيله بعد ذلك لمدة تقارب من خمس سنوات بقاء المؤرث متمتعاً بكل مظاهر الملكية التأجير باسمه بوصفه مالكاً ودفع الديون العقارية فقر المتصرف إليه (16 ديسمبر سنة 1943 نفس المجموعة جزء 2 ص 1206 رقم 18).
6 – المتصرف له لم يدفع اثناء العقد وقد وجد العقد في خزانة المتصرف بعد وفاته وقبض أرباح السنوات التي استحقت بعد صدور العقد (9 نوفمبر سنة 1944 نفس المجموعة جزء 2 ص 1206 رقم 19).
7 – باعت الزوجة لزوجها ارضاً ولكنها تصرفت بعد موته في حصة أكبر مما ترثه من الزوج ثم تصرفت في حصة أخرى مما دل على أنها لم تعتد بالبيع الذي صدر منها لزوجها (أول يونية سنة 1950 نفس المجموعة جزء 2 ص 1206 رقم 21).
8 – زوجة باعت لزوجها كل ما تملكه لم تسجل العقود استمرت الزوجة واضعة يدها ظاهرة بمظهر المالك عدم دفع الثمن (7 ديسمبر سنة 1950 نفس المجموعة جزء 2 ص 1206 رقم 23).
9 – صدور العقد من أب إلى ابنه في مرضه الأخير بغير مقابل ايثاراً له على بناته احتفاظ الأب بحق الانتفاع طول حياته بخس الثمن (6 مارس سنة 1952 نفس المجموعة جزء 2 ص 2103 رقم 25).
10 – عدم دفع ثمن البيع منع المشترين من التصرف طوال حياة البائع وعدم إلزامهما بدفع الأموال (10 ابريل سنة 1952 نفس المجموعة جزء 2 ص 1206 رقم 22).
11 – المؤرث لم يكن في حاجة إلى بيع أملاكه ولم يقبض ثمنها. وظل واضعاً يده حتى الوفاة. احتفظ بعقد البيع دون تسجيل هذا ولا يكفي مجرد الطعن في التصرف لاهدار حجيته بل يجب على الطاعن أن يقيم الدليل بأي طريق من طرق الإثبات على أن التصرف حقيقته وصية (نقض مدني 24 يونيه 1965 مجموعة أحكام النقض 16 رقم 128 ص 808 – 9 ديسمبر 1965 مجموعة أحكام النقض 16 رقم 193 ص 1235).
2 – تصرفات لم تكيف بأنها وصية مستترة لعدم قيام قرائن قضائية كافية تثبت ذلك
1 – حررت والدة لابنها سنداً بدين يستحق الوفاء به وقت الطلب وسلمته إياه ووجد السند في منزل الابن عند حصر تركته (نقض مدني 28 يناير سنة 1943 مجموعة المكتب الفني لأحكام النقض في 25 عاماً جزء 2 ص 1208 رقم 35).
2 – بيع منجز وضع المشتري يده على المبيع ونص في العقد على أن له حق التصرف فيه التزام البائع بالضمان سجل العقد قبل وفاة البائع (أول فبراير سنة 1945 نفس المجموعة جزء أول ص 348 رقم 27).
3 – حرر المؤرث السند قبل الوفاة بنحوعشر سنوات وسلمه للصادر لها. ونص فيه على سريان الفوائد (11 مارس سنة 1948 نفس المجموعة جزء 2 ص 1204 رقم 8).
4 – بيع منجز من والد لأولاده. واشترط فيما بعد وجوب موافقة البائع على تصرف الأولاد في البيع وذلك على اثر رفع الأولاد على أبيهم دعوى بصحة التعاقد وكان ذلك تفادياً للاستمرار في التقاضي (29 ديسمبر سنة 1949 نفس المجموعة جزء أول ص 349 رقم 33).
5 – اتيح للوارث الإثبات بجميع الطرق فلم يستطع تقدير الدليل على أن التصرف وصية (25 ابريل سنة 1963 مجموعة أحكام النقض 14 رقم 84 ص 579). (الوسيط للسنهوري ج9 أسباب كسب الملكية ص225 وما بعد).