Call us now:
الرأي الفقهي
1 – قوانين التنظيم القضائي أو الاختصاص أو المرافعات لا شأن لها بجوهر الحقوق الموضوعية. وهي لا تؤثر على العلاقات القانونية بين المتقاضين. ومن ثم فإن القوانين الجديدة منها تطبق فوراً على الدعاوي القائمة أمام المحاكم ولو كانت مرفوعة قبل العمل بالقوانين الجديدة. فهذه القوانين تطبق فور نفاذها أعمالاً لمبدأ سيادة القانون ولا يكتسب الخصوم حقاً في وجوب أعمال القوانين الاجرائية التي كانت نافذة وقت نشوء علاقاتهم القانونية أو نشوء حقوقهم الموضوعية. وهذا النظر كله مستمد من قاعدة أن الخصوم لا يعنيهم أن تنظر دعواهم محكمة معينة دون أخرى أو محكمة مشكلة تشكيلاً معيناً دون تشكيل آخر. كما لا يعنيهم أن يتخذوا شكلاً معيناً دون شكل آخر.
2 – من المبادىء المقررة أن قوانين الأصول الجديدة تسري على جميع الدعاوي سواء المرفوعة قبل صدورها أو التي نشأت عن وقائع سابقة لتاريخ صدورها. ويقول بعض الفقهاء تبريراً لهذا المبدأ أن قاعدة عدم رجعية القوانين لا تطبق على قوانين الأصول وقوانين الاختصاص أي أن لهذه القوانين مفعولاً رجعياً ولو خلت من نص صريح يفضي بذلك ويرجع السبب في شذوذ قوانين الأصول وقوانين الاختصاص عن القاعدة العامة بحسب رأي الفقهاء إلى أن هذه القوانين إنما تتعلق بتأمين حسن سير العدالة ولذا فكل قانون جديد يتعلق بالأصول والاختصاص يجب أن يكون له أثر رجعي حتى بالنسبة للوقائع السابقة لتاريخ صدوره. والحقيقة أن قوانين الأصول تتمتع بالأثر الفوري فهي تطبق من يوم صدورها على الدعاوي القائمة.
غير أنه يتبين من نص المادة الأولى من قانون الأصول أن المشرع بعد أن أخذ بمبدأ الأثر الفوري لقوانين الأصول بالنسبة للدعاوى التي لم يكن قد فصل بها أو للإجراءات التي لم تكن قد تمت حتى تاريخ العمل بها. وضع لهذا المبدأ بعد الاستثناءات حرصاً منه على الحقوق المكتسبة.
1 – الاستثناء الأول القوانين المعدلة للاختصاص متى كان تاريخ العمل بها بعد اقفال باب المرافعة في الدعوى
استثنى من قاعدة سريان قوانين المرافعات القوانين المعدلة للاختصاص وذلك بالنسبة للدعاوى التي تمت فيها المرافعة وحجزت للحكم قبل تاريخ العمل بالقانون الجديد. والمراد بالقوانين المعدلة للاختصاص تلك القوانين التي تغير الاختصاص النوعي أو المحلي دون أن تلغي محكمة أو تزيل جهة قضاء وفي تبرير ذلك يقال أنه أقرب إلى السداد والقصد أن لا تنزع الدعاوي التي حجزت للحكم من المحكمة التي أثبت تحقيقها وسمعت المرافعة فيها. مقدرة بأن الدعوى بعد أن تبلغ هذا المبلغ من الاستقراء للحكم تصبح مصلحة الخصوم في عدم انتزاعها في مرتبة الحق الذي لا يصح المساس به إلا بنص خاص.
والمقصود باقفال باب المرافعة في الدعوى اقفاله بالنسبة للدعوى برمتها. فإذا حجزت الدعوى للفصل في طلب الاحالة إلى التحقيق مثلاً أو طلب ندب خبير أو غير ذلك من الطلبات المتعلقة بالإثبات أو بسير الإجراءات أو المؤدية إلى اصدار حكم قبل الفصل في الموضوع. أو أبدى الطرفان طلباتهما وحجزت المحكمة القضية للحكم على اعتبار أنها صالحة للفصل فيها برمتها. ثم استبان لها أنها غير صالحة للفصل فيها وأن الأمر يحتاج إلى احالتها إلى التحقيق مثلاً أو إلى ندب خبير أو ما إلى ذلك. ثم صدر قانون معدل للاختصاص فلا يجوز للمحكمة القائمة أمامها الدعوى أن تستمر في الفصل فيها بل عليها أن تطبق القانون الجديد المعدل للاختصاص ذلك لأن المشرع قصد بعدم سريان القوانين المعدلة للاختصاص على ما قفل باب المرافعة فيه من دعاوى توفير الجهد والوقت بعد أن استوت الدعوى للفصل فيها برمتها. أما إذا لم يتم ذلك فلا محل لبقاء الدعوى أمام محكمة أصبحت غير مختصة بنظرها.
2 – الاستثناء الثاني القوانين المعدلة للمواعيد متى بان الميعاد قد بدأ قبل تاريخ العمل بها
ويقصد بعبارة المواعيد جميع المدد والآجال التي نص عليها القانون سواء أكانت مواعيد طعن بالأحكام الصادرة أم مواعيد سقوط كسقوط الخصومة أو سقوط إجراءات التنفيذ فقد رأى المشرع أن القانون الجديد لا يطبق على الدعاوي القائمة إذا كان الميعاد قد بدأ قبل تاريخ العمل به.
وتقول المذكرة التفسيرية للمادة الأولى من قانون المرافعات المصري … وقد رأت اللجنة أنه متى بدأ الميعاد في ظل قانون معين فمن المعدل وحسن النظر أن ينتهي طبقاً لهذا القانون نفسه كي لا ينقضي الميعاد أو يضرب حساب بدايته ونهايته ومداه. والمراد ببداية الميعاد هنا الإجراء الذي يبدأ منه حساب الميعاد كما حدده القانون الذي بدأ في ظله أياً كان هذا الإجراء اعلاناً أو ايداعاً أو غير ذلك. والمراد بالميعاد الأهم لهذا اللفظ فيشمل المواعيد المدد والآجال سواء كانت مواعيد طعن أم آجال سقوط يجب أن تتخلل الإجراءات.
وفيما يلي بعض التطبيقات العامة لهذه الفقرة من المادة الأولى
1 – العبرة في تحديد الميعاد بالقانون الساري وقت بدئه. فإذا صدر حكم في ظل القانون القديم الذي ينص على أن ميعاد الطعن بالحكم يبدأ من تاريخ صدوره فإن الميعاد يحدد وفق هذا القانون ولو صدر في أثناء سريان الميعاد قانون جديد يعدل الميعاد بالزيادة أو بالنقص أو يجعل سريان الميعاد من تاريخ اعلان الحكم وليس من تاريخ صدوره.
وإذا صدر حكم في ظل القانون القديم الذي ينص على أن ميعاد الطعن فيه يبدأ من تاريخ اعلانه. وأعلن الحكم في ظل القانون الجديد فإن ميعاد الطعن فيه يحسب وفقاً لأحكام هذا القانون ولو عدل الميعاد بالزيادة أو بالنقص.
2 – لا يعمل بالفقرة المتقدمة إلا بالنسبة للقوانين التي تعدل المواعيد القائمة بالزيادة أو بالنقص. أما المواعيد التي تلغي المواعيد القائمة فلا يمتد بها متى انقضى الميعاد في ظل القانون القديم أياً كان نوع هذا الميعاد. وتترتب عندئذ الآثار التي حددها هذا القانون.
ويرى بعض الشراح أن الاستثناء يجب أن يطبق أيضاً متى قضى القانون الجديد بالغاء المدد لأن كلمة تعديل الواردة في النص تشمل الزيادة والنقصان كما تشمل الالغاء. فلو أن القانون القديم نص على سقوط الدعوى إذا انقضت مدة معينة من تاريخ آخر إجراء تم بها دون مراجعة أحد الخصوم وألغى القانوني الجديد هذا النص. وكانت مدة السقوط قد بدأت في ظل القانون القديم فهذا القانون يبقى نافذاً على الدعوى.
3 – لا تسري الفقرة موضوع البحث إلا بالنسبة للقوانين التي تعدل مواعيد المرافعات أو مواعيد أو مدد السقوط التي تتخلل الإجراءات والتي يوجب القانون احترامها. أما مدد التقادم التي يحددها القانون المدني فلا يطبق بصددها قانون المرافعات وإنما القانون المدني وأن ما يسري في تقادم الحقوق من قواعد لا ينطبق بالنسبة لمواعيد المرافعات اياً كان الميعاد.
3 – الاستثناء الثالث القوانين المنظمة لطرق الطعن بالنسبة لما صدر من الأحكام قبل تاريخ العمل بها متى كانت ملغية أو منشئة لطريق من تلك الطرق.
جاء في المذكرة التفسيرية لقانون 1949 عن هذه الفقرة مايلي كذلك استثنت القوانين المنظمة لطرق الطعن بالنسبة لما صدر من الأحكام قبل العمل بها إذا كانت هذه القوانين قد ألغت طريق طعن كان موجوداً وقت صدور الحكم وأصبح للمحكوم عليه بصدوره الحق في سلوكه أو أوجدت طريق طعن لم يكن موجوداً قبل صدور الحكم الذي حصل عليه المحكوم له غير قابل لهذا النوع من الطعن. والأحكام التي يشير إليها النص هي الأحكام التي يجعلها القانون الجديد قابلة لطريق طعن جديد يفتحه أو يحرمها من طريق موجود يسده. فصدور حكم من المحكمة الجزئية قبل العمل بهذا المشروع لا يمنع من جواز الطعن بالنقض في الحكم الذي يصدر في استئناف هذا الحكم بعد تاريخ العمل به. علماً بأن المشروع يجيز الطعن بالنقض في مثل هذا الحكم.
ويعمل بالقاعدة المتقدمة سواء بالنسبة إلى طرق الطعن العادية أو غير العادية. كما يعمل بها أيضاً بالنسبة لأي تظلم وذلك على سبيل القياس. كما يعمل بها سواء أكان ميعاد الطعن في الحكم يبدأ من تاريخ صدوره أو من تاريخ اعلانه أو في وقت لاحق للصدور أو الاعلان كما يعمل بها سواء أكان الطعن مرفوعاً بصورة أصلية أو عارضة وسواء أكان يرفع بورقة من أوراق التكليف بالحضور أم بعريضة تودع قلم كتاب المحكمة.
ولا شأن للفقرة الثالثة بإجراءات رفع طعن إذ تتبع في رفع الطعن الإجراءات التي استحدثها القانون الجديد ولو صدر الحكم المطعون فيه في ظل القانون القديم أو أعلن في ظله مادام الطعن مرفوعاً في ظل القانون الجديد. ويكون للطاعن استعمال الرخص التي يخولها له القانون الجديد. ويكون أيضاً للمطعون ضده استعمال الضمانات التي استحدثها له القانون الجديد في هذا الصدد.
ولا بد أن نشير أخيراً إلى أن الاستثناءات المتقدمة قد وردت في المادة الأولى على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال. وحكمة النص أن قوانين المرافعات قلما تمس الحقوق المكتسبة. وهي إن مستها فكثيراً ما تفضل عليها لاعتبارات النظام العام التي تبرر النصوص الجديدة والتي لايقصد منها في الواقع الا تحقيق حسن سير العدالة.