Call us now:
الرأي الفقهي
الأصل أن تحدد الخصومة بالطلبات التي قدمها المدعي أول الأمر وضمنها صحيفة افتتاح دعواه. ولكن المشرع لاعتبارات قدرها جاز المدعي أن يعدل موضوع الخصومة بالزيادة أو النقض أو الإضافة. فالطلبات العارضة التي يقدمها المدعي هي الطلبات التي يعدل بها طلباته الأصلية التي تضمنتها صحيفة افتتاح الدعوى.
ويجوز للمدعي تقديم هذه الطلبات العارضة في أية حالة تكون عليها الدعوى. وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن للخصوم أن يعدلوا طلباتهم أثناء نظر الدعوى وكذلك أثناء حجزها للحكم في مذكراتهم حتى كانت المحكمة قد رفضت في تقديم مذكرات في أجل معين ولما ينته هذا الأجل وكان الخصم المقدمة ضده الطلبات قد اطلع عليها وعلم بها وقد جاء في المذكرة التفسيرية للمادة 151 من المرافعات المصري المقابلة للمادة 158 موضوع البحث ما يلي
لما كان القانون الجديد قد تشدد في أخذ المدعي بواجب أن يبين في صفيحة الدعوى موضوع دعواه وأسانيدها بيانا وافيا فإن علة هذا التشدد لا تبدو في كمالها الأعلى اعتبار أن هذا البيان يحدد دعوى المدعي تحديدا أن لم يكن نهائيا فهو تحديد ثابت لخطوط الدعوى الرئيسية ووجهتها العامة ليستطيع المدعى عليه أن يرتب في نطاقه الخطوط الرئيسية لدفاعه أمناً من أن يفاجأ بضرورة تغييره كلما حلا للمدعي أن يربكه بإدخال تعديل جوهري على دعواه. وليستطيع في ظله القاضي أن يصرف قدرته على التوجيه وهو مطمئن إلى إثبات معالم الدعوى ثباتا نسبيا لا يمنعها من الانكماش والاتساع والتطور حسب ما تمليه ظروف المتقاضين ومصلحة التقاضي ولا يسمح بأن تصبح الخصومة صراعا مائعا يطول أجله ولا يسهل فضه. على أن التسليم بنسبية هذا الثبات فيه تسليم بقدر من التغيير يجوز أن يلحق مقدمات الدعوى لضرورة أو لمنفعة وينبغي ألا يحرم المدعي من فرصة تصحيح طلباته بما يتفق مع مستنداته ووسائل إثباته أو تعديلها مما يتفق مع ما أسفر عنه التحقيق ومع ما آلت إليه العلاقة الثانوية التي تستند إليها الدعوى ومن تعديل موضوع الدعوى من جهة مقداره أو حدوده أو بدايته أو نهايته ومن أن ينزل به إلى طلب أقل يدخل ضمن الطلب الأصلي أو يعثر من عناصره. ومن أن يرتفع به إلى طلب اكبر يدخل ضمن الطلب الأصلي أو يعثر من عناصره حتى كان الطلبان مستندين إلى نفس السبب بين الخصوم أنفسهم فيتاح لمن رفع دعواه بثبوت ارتفاق على طريق خاص مستنداً إلى عقد شرائه أن يطلب ثبوت ملكيته للطريق ملكية مشتركة إذ أن هدفه من الطلبين لم يتغير في الواقع. ويكون لمن رفع دعواه بتنفيذ عقد أن يطلب فسخه أو العكس أو أن يطلب قيمة الغبن بعد أن كان قد طالب بملكيتها. كذلك ينبغي ألا يحرم المدعي من تكملة موضوع دعواه أن كان القانون يجيز رفع الدعوى بطلب أصلي غير معلوم النتيجة كتقديم حساب فتجوز المطالبة بتتمة الحساب بطلب عارض. كما يجوز أن يطلب به توابع الطلب الأصلي مثل الفوائد والريع والتسليم والإزالة.
كذلك يصح أن يأخذ حكم التوابع في هذا الصدد كل طلب أخر يربطه بالطلب الأصلي صلة لا تقبل الانفصام. ولما كان موضوع الدعوى هو ذات الادعاء المطلوب الحكم به من ملكية أو من ارتفاق أو وضع يد أو تسليم أو فسخ عقد أو تضمين أو إلزام بمال. وكان تأسيس الموضوع على سبب بعينه لا يمنع عند الفشل من إعادة الادعاء به مؤسساً على سبب آخر فقد يكون من الخير أن تحول دون تكرار الدعوى بنفس الموضوع من نفس الخصوم يتقرر حق المدعي في أن يعدل سبب دعواه لا سيما وإن التفريق بين ما هو سبب وما هو مجرد سند أو حجة من أسانيد الدعوى وحججها قد يدق وتختلف فيه الآراء.
وإذا كان المدعي يجوز له أن يجمع في صحيفة دعواه طلبات متعددة لا ترجع لسبب واحد اكتفاء بكونها مرتبطة بعضها ببعض. فإنه ينبغي ألا تتاح له إقامة أمثال هذه الطلبات أثناء سير الدعوى إلا بإذن المحكمة حتى لا يتخذ ذلك وسيلة لأعناق خصمه أو لتعطيل الحكم في الدعوى. وقد رأت محكمة النقض المصرية بأن إبداء الطلبات العارضة أثناء نظر الدعوى هو استئثار من الأجل العام في التشريع ومن ثم فإن الأحوال التي قررها المشرع للمدعي – أو للمدعى عليه – لإبداء طلبات عارضة وردت في التشريع على سبيل الحصر وليس ثمة ما يمنع المدعي من الإدلاء بهذه الطلبات في مواجهة مدع آخر أو من اختصم أثناء نظر الدعوى(2). ويستخلص مما ورد في المذكرة التفسيرية ما يلي
1) يجب أن تكون الطلبات العارضة التي يقدمها المدعي داخلة في اختصاص المحكمة التي تنظر الموضوع الأصلي اختصاصاً نوعيا. فإذا عرض على محكمة صلحية طلب عارض تتجاوز قيمته نصاب اختصاصها جاز لها أن تحكم في الدعوى الأصلية وحدها أما إذا كان الطلب العارض مقدما إلى محكمة البداية فإنها تختص بنظره مهما تكن قيمة الطلب.
2) ويجب أن يكون الطلب العارض الذي يتقدم به المدعي متعلقا بموضوع الدعوى الأصلي من حيث الأساس وإن يكون مستندا لذات الحق المتنازع عليه. فإذا لم تكن للطلب العارض علاقة بموضوع الطلب الأصلي فإنه يكون غير مقبول وذلك لأننا إذا سمحنا للمدعي أن يضيف إلى موضوع الخصومة الأصلية طلبات جديدة لا علاقة لها به كان في ذلك إخلال بحقوق الدفاع. أما إذا كانت الطلبات متفرعة عن الموضوع الأصلي أو لها ارتباط به أو مستندة إلى ذات الأساس الذي يستند إليه الطلب الأصلي فلا ضير على المدعى عليه إذا قدمها المدعي بصفة عارضة لان صحيفة افتتاح الدعوى قد تناولت أساس النزاع وأبانت للمدعى عليه وجه الخصومة واحتمالاتها وحدودها ومنحته الموعد الكافي للاستعداد لها.
3) ولكن لا يلزم أن يكون الطلب العارض مستند إلى ذات السبب الذي يستند إليه الطلب الأصلي. فليس هناك ما يمنع المدعي من أن يتقدم بطلب عارض يغاير فيه الطلب الأصلي من ناحية سببه وذلك لأن تأسيس موضوع الدعوى على سبب بعينه لا يمنع المدعي أن فشل فيه من أن يعود إلى الادعاء به مؤسساً طلبه على سبب آخر. ورغبة من المشرع في الحيلولة دون تكرار الدعاوي بنفس الموضوع من نفس الخصوم أن يثبت للمدعي الحق في أن يعدل سبب دعواه أو يستبدله أو يضيف إليه سبباً آخر أثناء الخصومة. كذلك ليس ما يمنع المدعي من التقدم بطلب عارض ولو تضمن ذلك تغييراً في موضوع الدعوى إذا كان هذا التغيير قد جاء نتيجة تصحيح الطلبات أو تعديلها بما يتفق مع مستندات المدعي ووسائل إثباته أو بما يتفق مع ما أسفر عنه التحقيق أو بما يتفق مع ما آلت إليه العلاقة التي تستند إليها الدعوى.
ومن ثم ينبني على أن المشرع قد حدد صور الطلبات العارضة التي يصح أن يقدمها المدعي. ينبني على ذلك أن قبول الطلبات العارضة أو عدم قبولها مسألة تتعلق بالنظام العام. ويكون للمحكمة أن لا تقبل من الطلبات العارضة ما ترى أنه معوق لسير الخصومة أو غير مرتبط بها أو أضر بدفاع المدعى عليه ضررا جديا ويكون الأمر متروكا لتعذر القاضي فهو مكلف بأن يراقب شروط قبول الطلب العارض.
والأن بعد ذلك كله نعود إلى بحث الحالات التي نص عليها المشرع والتي أجاز فيها للمدعي تقديم الطلبات العارضة.
أولا – ما يتضمن تصحيح الطلب الأصلي أو تعديل موضوعه لمواجهة ظروف طرأت أو تبينت بعد رفع الدعوى.
فإذا رفع المدعي الدعوى على شخص بصفته الشخصية طالباً إلزامه بأداء مبلغ من المال ثم تبين للمدعي بعد رفع الدعوى أن المدعى عليه إنما استقرض المبلغ لحساب شخص اعتباري يمثله فيحق للمدعي تصحيح طلبه الأصلي بتغيير الصفة التي طلب بمقتضاها الحكم على المدعى عليه. وكذلك يحق لمن يتقدم بطلب ملكية عين أن يبدل طلبه بطلب الحكم بقيمتها إذا تبين له أثناء السير في الدعوى أن تسليم العين أصبح مستحيلاً لهلاكها وكذلك يحق لمن طلب تنفيذ عقد أن يبدل في الطلب فيطلب الفسخ مع العطل والضرر إذا تبين له أن التنفيذ أصبح مستحيلا وكذلك يحق لمن يطلب وقف الأعمال الجديدة أن يطلب منع التعرض ولكن لا تجوز المطالبة بأصل الحق بدلا من طلب الحيازة.
ثانياً ما يكون مكملا للطب الأصلي أو مترتبا عليه أو متصلا به بصلة لا تقبل التجزئة.
وقد أوضح المشرع – في إيراده هذه الحالة الثانية التي يجوز معها قبول الطلبات العارضة من المدعي – الأسس التي يجب أن تتوافر في كل طلب عارض من أجل قبوله. ويعتبر الطلب العارض مكملاً للطلب الأصلي أو مترتبا عليه أو متصلا به عندما يكون متحدا مع الموضوع والسبب المبينتين في الطلب الأصلي نفسه.
فلو طلب شخص في دعواه الأصلية الحكم بمبلغ من المال مترتب في ذمة المدعى عليه وسها عن طلب الحكم بالفائدة القانونية حق له أن يطلب أثناء سير الدعوى الحكم بالفائدة لان هذا الطلب العارض جاء مكملاً للطلب الأصلي. وكذلك إذا طلب شخص استرداد حيازة عقار حق له بطلب عارض أن يطالب بثمار هذا العقار وكذلك إذا طلب شخص الحكم بفسخ العقد لامتناع المدعى عليه عن تنفيذه بدون مبرر قانوني يحق للمدعي المطالبة بالعطل والضرر الذي قد يلحقه نتيجة عدم التنفيذ. ويقبل أيضاً الطلب العارض بالرسوم والمصاريف إذا سها المدعي عن طلب الحكم بها في الطلب الأصلي.
ولكن إذا لم يكن الطلب العارض متصلا بالطلب الأصلي بصلة لا تقبل التجزئة فلا يجوز قبوله. مثال ذلك إذا كان الطلب الأصلي يهدف إلى فسخ عقد أجراه وسيط لحساب شخص وذلك لعلة التغرير فلا يجوز أن يقدم المدعي طلباً عارضاً بمحاسبة هذا الوسيط.
على أنه لا يكفي لقبول الطلب العارض أن يكون مكملاً للطلب الأصلي أو متصلا به بصلة لا تقبل التجزئة بل يجب أيضاً أن يدخل الطلب العارض في اختصاص المحكمة التي تنظر في الطلب الأصلي.
فإذا كان الطلب الأصلي من اختصاص محكمة ذات صفة استثنائية وكان الطلب العارض الذي قدمه المدعي من شأنه أن يخرج الدعوى من هذا الاختصاص فلا يقبل هذا الطلب.
ثالثاً – ما يتضمن إضافة أو تغييراً في سبب الدعوى مع بقاء موضوع الطلب الأصلي على حاله.
كأن يطلب المدعي ملكية عقار بالاستناد إلى عقد شراء ثم يستند في ملكيته إلى التقادم المكسب أو إلى الميراث أو الوصية. ومثال آخر أن يطلب المدعي بدل إيجار منقول أو عقار بالاستناد إلى العقد ثم يتبين بطلان العقد فيجوز للمدعي أن يطالب المدعى عليه بأجر المثل استناداً إلى المادة 530 من القانون المدني.
وقد أخذ المشرع السوري هذا المبدأ عن المشرع المصري (المادة 15 من قانون المرافعات) الذي استمده بدوره من المادة 464 من قانون أصول المحاكمات المدنية الفرنسي. وجاء في المذكرة التفسيرية للقانون المصري بالنسبة لهذا الموضوع ما نصه من الخير أن نحول دون تكرار الدعوى بنفس الموضوع من نفس الخصوم بتقرير حق للمدعي في أن يعدل سبب دعواه.
رابعاً – طلب إجراء تحفظي أو مؤقت.
يحق للمدعي أثناء سير الدعوى أن يتقدم بطلب عارض لإقرار التدابير التحفظية التي تضمن له حقه كأن يطلب مثلاً تعيين حارس قضائي على العين المنازع على ملكيتها أو يطلب تحديد نفقة مؤقتة حتى الفصل في النزاع أو بطلب الحجز الاحتياطي على أموال مدينه تأميناً لدينه. وتدخل التدابير المؤقتة والتحفظية عادة ضمن اختصاص قاضي الأمور المستعجلة ولكن إذا اقتضى اتخاذ التدبير التحفظي أو المؤقت أثناء السير في الدعوى فيحق للمدعي تقديم طلبه إلى المحكمة التي تنظر الدعوى عملاً بأحكام الفقرة الثالثة من المادة 78 من قانون أصول المحاكمات. ويقضي طبيعة الطلب العارض التحفظي أو المؤقت الفصل فيه على وجه السرعة قبل البت في أصل النزاع.
خامساً – ما تأذن المحكمة بتقديمه مما يكون مرتبطاً بالطلب الأصلي
يستفاد من هذا النص وجوب توفر شرطين لاعتبار الطلب العارض مقبولاً الأول أن يكون الطلب العارض مرتبطاً بالطلب الأصلي ارتباطاً وثيقاً. والثاني أن تأذن المحكمة بتقديمه وتستعمل المحكمة التي تنظر في الطلب الأصلي سلطتها التقديرية في السماح للمدعي بتقديم الطلب العارض أو عدم تقديمه. ورأينا أن حكم المحكمة في هذا الموضوع لا يدخل ضمن تمحيص محكمة النقض ومثال الطلب العارض المرتبط بالطلب الأصلي أن يطلب المؤجر فسخ عقد الإيجار إذا كان الطلب يهدف إلى المطالبة بالأجور المتأخرة.