الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 170 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
1) لم يجعل القانون ترك الخصومة (في القانون السوري التنازل عن الدعوى) معلقا على محض إرادة المدعي وذلك ليتفادى ما قد يضار به المدعى عليه الذي قد تكون مصلحته معلقة بالفصل في الدعوى. وهذا الحكم مأخوذ فيه بما هو مقرر في القانون الفرنسي من عدم جواز ترك الخصومة إلا بقبول المدعى عليه وبما هو مقرر في حقه هذا القانون من عدم الاعتداد باعتراض المدعى عليه إذا لم تكن له من ذلك مصلحة معتبرة. وقد وضع القانون مناط هذه المصلحة على وفق ما هو متبع في فرنسا. فنص على ان الترك لا يتم بعد إبداء المدعى عليه طلباته في الدعوى إلا بقبوله اعتبارا بان مصلحته في الإصرار على حسم النزاع لا تظهر إلا بعد ان يتحدد موقفه فيه بإبداء الطلبات في موضوعه.
وإذا كان الملحوظ في تعليق الترك على قبول المدعى عليه هو ما قد يكون له من مصلحة في المضي في الدعوى وفضها بحكم فاصل في موضوعها كأنه كلما كانت هذه المصلحة منتفية لا يصح الالتفات إلى اعتراضه على الترك. كما إذا كان قد دفع بعدم اختصاص المحكمة أو بإحالة الدعوى إلى محكمة أخرى أو ببطلان صحيفة الدعوى أو ما أشبه ذلك مما يكون القصد منه منع المحكمة من المضي في سماع الدعوى. فإنه في هذه الصورة يكون ترك المدعي الخصومة هو في واقع الأمر تسليما منه بطلب المدعى عليه وتحقيقا من جهته للغرض الذي يرمي إليه وهو التخلص من الخصومة بدون حكم في موضوعها.
2) تنازل المدعى عليه عن الدعوى مشروط بقبول المدعي عليه طالما ان تنازل المدعى عليه عن دعواه لا يمنع من رفعها من جديد فقد يسبب هذا التنازل ضررا بالمدعى عليه. فقد تقضي مصلحة المدعى عليه ان يحل الخلاف القائم بينه وبين المدعي على وجه السرعة وإن لا يبقى مهددا به مدة طويلة من الزمن وقد يكون المدعى عليه قد تقدم بطلبات عارضة يريد الحصول على حكم بها فإذا تنازل المدعي عن دعواه تسقط حتماً هذه الطلبات فيضطر المدعى عليه لمراجعة القضاء بشأنها بدعوى مستقلة.
ولذلك استقر الرأي في الفقه والاجتهاد على ان التنازل عن الدعوى إذا حصل بعد تبادل اللوائح في موضوع النزاع لا يكون له اثر إلا إذا قبل المدعى عليه به.
على أنه إذا كان من حق المدعى عليه مبدئيا رفض التنازل عن الدعوى إذا سبق له وأجاب في موضوعها. فقد قيد الاجتهاد القضائي في فرنسا هذا الحق بأن لا يكون الرفض تعسفيا بل مستندا إلى سبب مشروع وقد حكم القضاء في فرنسا بأنه يمكن الحكم بإثبات التنازل رغم معارضة المدعى عليه إذا تبين ان مصلحته شرعية وانه لا يضار مطلقا بهذا الترك ففي هذه الحالة ليس هناك من داع لتعليق آثار الترك على قبوله. وقد قررت محكمة التمييز اللبنانية بأن موافقة المدعى عليه على التنازل لا تكون إلزامية إلا في حالة ربط النزاع أي عندما يجاوب المدعى عليه على الدعوى بدفوع ودفاعات.
وتكون الموافقة على التنازل ضرورية أيضاً فيمن هو في حكم المدعى عليه كالمعترض عليه أو المستأنف عليه مثلا سيما إذا كان قد قدم جواباً على الطعن الموجه ضد الحكم. فبعد ان يبلغ الاستحضار الاستئنافي إلى المستأنف عليه تتكون الخصومة ولا يبقى التنازل ممكنا بدون موافقة هذا الأخير. وقد ذهب رأي إلى ان موافقة المستأنف عليه ليست ضرورية متى أدى التنازل إلى صيرورة الحكم قطعيا إذ يعتبر في هذه الحالة بمنزلة الرضوخ لهذا الحكم.. أما إذا كان التنازل لا يفترض الرضوخ فتكون موافقة المستأنف عليه لازمة. وذهب رأي آخر إلى ان موافقة المستأنف عليه هي ضرورية في جميع الأحوال ولو حصل التنازل بعد انقضاء مهلة الاستئناف لان رفع الطعن ينشئ رابطة حقوقية لا يمكن فصمها إلا باتفاق الطرفين. كما ينشىء وضعا جديدا يتيح للمستأنف عليه تقديم استئناف طارىء في أي حال من أحوال الدعوى.
ويرى الدكتور أدوار عيد ان موافقة المستأنف عليه على التنازل الحاصل بعد انقضاء مهلة الاستئناف ليس ضرورية متى كان الحكم الذي اصبح قطعيا بعد التنازل قد رد جميع طلبات المستأنف أو أقر طلبات المستأنف عليه بكاملها بحيث لا يبقى ثمة مجال لاستئناف طارىء وإذا كان الاستئناف الطارىء غير ممكن لأي سبب كان أو إذا كان المستأنف عليه يرفض الموافقة بدون سبب مشروع.
ويلاحظ أنه في حال قبول المستأنف عليه التنازل يسقط الاستئناف الطارىء المرفوع منه تبعا لسقوط الاستئناف الأصلي إلا إذا كان مقدما ضمن المهلة. أما إذا كان المستأنف عليه لم يوافق على التنازل فلا يكون لهذا التنازل اثر لجاهه على الإطلاق. ويتوجب عندئذ النظر في الاستئنافين الأصلي والطارىء معا.
3) إذا علق المدعي تنازله على بعض الشروط فلا يكون لموافقة المدعى عليه اثر إلا بعد تنفيذ هذه الشروط. وإذا علقه على شرط قبوله في خلال مهلة معنية. فيجب ان يرد هذا القبول في خلال تلك المهلة. أما إذا وجه التنازل إلى عدة مدعى عليهم فيجب ان يقبله هؤلاء جميعا إذا اعتبره المدعي غير قابل للتجزئة. ولا يكفي عندئذ قبول بعضهم. وإن عدم تجزئة التنازل هو مفترض في هذه الحال إلا أنه يجوز إثبات عكسه.
4) وقد حكم بان نص المادة لا يقيد الخصم ولا يجوز الترك كلما تحققت للمدعي عليه مصلحة في السير في الخصومة. فإذا صدر حكم تمهيدي لصالح المدعى عليه. فلا يجوز للمدعي ان يتحايل على عدم تنفيذه ويطلب الترك. كذلك الحال إذا تدخل شخص تدخلا اختصامياً مطالبا بحق معين في مواجهة الخصوم لان التدخل في الدعوى ما هو إلا نوع من أنواع الطلبات العامة وحكم بأن ترك الخصومة بعد الحكم بتوجيه اليمين الحاسمة إلى المحال له تباعا على طلب المدعى عليه المدين يعتبر كيديا ويتعين رفضه.