Call us now:
الرأي الفقهي
بعد ختام المحاكمة وقبل الموعد المعين لإصدار الحكم يجتمع القضاة الذين تتألف منهم هيئة المحكمة لدرس الدعوى وتمحيص الأوراق والأدلة المقدمة فيها واستخلاص الحل الملائم للنزاع بالاستناد إلى الوقائع الثابتة وإلى القواعد القانونية التي تنطبق عليها. ويجب ان يكون القضاة الذين يشتركون في المداولة قد حضروا جميع جلسات المحاكمة والتحقيق أو على الأقل عند حصول تبديل في الهيئة ان يكونوا قد حضروا الجلسة التي جرت فيها المرافعة وكرر الخصوم أو وكلائهم اللوائح والمطاليب المقدمة في الدعوى وتجري المداولة بصورة سرية إذا كانت هيئة المحكمة من قضاة عديدين وإن القصد من المداولة السرية هو ضمان حرية القضاة واستقلالهم في إبداء الرأي ودعم هيبة القضاة وتعزيز احترامه لدى الناس ولاسيما المتقاضين. وتجري المداولة بين القضاة الذين تتألف منهم هيئة المحكمة فقط دون حضور النيابة العامة في الحالات التي تمثل فيها لدى المحكمة – إذ أنها لا تعتبر من قضاة الهيئة الحاكمة بل هي خصم في الدعوى ولا يجوز كذلك حضور الكاتب أثناء المداولة. ويجب ان يشترك في المداولة جميع قضاة المحكمة ولا يكفي ان يتداول بعضهم ولو ألفوا غالبية الأصوات لان الغاية من المداولة هي الوصول إلى حكم ناتج عن تبادل وجهات النظر والآراء مجتمعة وليس الوصول إلى غالبية الأصوات.
ويتفرع عن ان المداولة يجب ان تتم سراً بين القضاة مجتمعين
1 – أنه يجب ان تتم سرا. فإذا تمت علنا بالجلسة كان الحكم باطلا. وذلك لان اشتراط سرية المداولة مسألة تتعلق بالنظام العام لتعلقها بأسس النظام القضائي واعتبارات حسن سير العدالة وكفالة الطمأنينة للخصوم وعلى ذلك يترتب البطلان على مخالفتها دون نص عملا بالقواعد العامة.
2 – أنه لا يجوز ان يشترك في المداولة غير القضاة الذين سمعوا المرافعة وإلا كان الحكم باطلا سواء أكان هذا الغير من قضاة المحكمة أو غيرهم من أفراد الناس أو أعضاء النيابة.
3 – أنه ينبغي اشتراك كل القضاة في المداولة فلا يكفي ان يتداول بعضهم ولو كونوا أغلبية الأصوات لان المقصود بالمداولة ليس الوصول إلى الأغلبية وإنما المقصود تحقيق غرض الشارع من تعدد القضاة والوصول إلى حكم هو وليد تبادل وجهات النظر مجتمعة. وإنما اكتفى المشرع بالأغلبية إذا تعذر الإجماع لداعي الحاجة إلى إصدار الأحكام واستقرار أوضاع الناس.
وليس من القانون ما يحتم ان تتم المداولة في غرفة المشورة. ولذلك يصح الحكم ولو تمت المداولة بين القضاة في الجلسة مادامت قد أحيطت بالسرية الكاملة.
وتعتبر المداولة قد تمت سرا ما لم يثبت الخصم صاحب المصلحة غير ذلك. وقد قضي في فرنسا بأنه لا يكفي لاعتبار ان المداولة قد تمت على الوجه الذي أراده القانون ان يثبت في الحكم أنه قد صدر بعد المداولة.
وما يشترطه القانون لصحة الحكم هو ان تتم المداولة سرا بين القضاة وعلى ذلك إذا تمت المداولة سرا ثم أفشاها أحد القضاة فلا يترتب على هذا الإفشاء بطلان الحكم لان الإفشاء لا ينفي ان المداولة قد تمت سرا وإن كانت لم تعد سرا بعد ذلك. على ان هذا الإفشاء لا يعفي القاضي من المسؤولية التأديبية في هذه الحالة والقاعدة هي ان الحكم ينسب إلى المحكمة بكامل هيئتها سواء صدر بإجماع الآراء أو بالأغلبية. فالسرية تكفل للقضاة حرية إبداء الرأي والاستقلال فيه وهي من أهم مزايا نظام تعدد قضاة المحكمة الواحدة.