الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 204 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
1) ويقصد بتسبيب الأحكام إيراد الحجج الواقعية والقانونية التي انبنى عليها الحكم والمنتجة له. وقد قصد المشرع بتحتيمه تسبيب الأحكام أن نضمن عدم تحيز القضاة وشدة عنايتهم نزيه أقوال الخصوم والأدلة التي يقدمونها ودراسة فقط النزاع درساً وافياً ليستخرجوا منها الحجج التي يرتبون عليها قرارهم وحتى لا يصدر الحكم عن رعونة وتحت تأثير عاطفة عارضة أو شعور وقتي. وحتى يكون القرار الذي يتخذه القضاة موضع احترام وطمأنينة لوقوع الأسباب التي أدت إلى صدوره ولتمكين الخصوم من دراسة أسباب الحكم عند التظلم منه للمحكمة العليا.
ويتحقق هذا الشرط بإيراد الأسباب التي بني عليها الحكم بصرف النظر عما إذا كانت صالحة أو خاسرة مطابقة للقانون أو معارضة لنصوصه.
ويجب ان يكون التسبب جديا تواجه فيه المحكمة فقط النزاع الواقعية والقانونية لا الجهل منها شيئاً أو تسبب رأيها فيه بما يشبه الأسباب في ظاهر الأمر ولا نضع فيه كالأسباب التقريرية التي يفيد فيها القاضي دعوى محلي النزاع. أو بأسباب لا تعلق لها أصلاً بالدعوى أو بأسباب مبهمة أو غامضة أو مجملة أو متخاذلة أو ناقصة أو متناقضة يمحو بعضها بعضا.
والشارع إذا أوجب ان تكون الأحكام مشتملة على الأسباب لم يكن قصده من ذلك أشكال الأحكام من حيث الشكل كورقة من اوراق الإجراءات فيلتقي فيها بمطلق أسباب ولو جاءت مبهمة تصح كل حكم أو غامضة أو مجملة لا تقنع المطلع عليها بعدالتها وموافقتها للقانون ثم أنه قد أوكد وجوب تسبيب الأحكام على هذا المعنى بإخضاعه إياها لمراقبة محكمة النقض في الحدود المبينة بالقانون تلك المرافعة التي لا تتحقق إلا إذا كانت الأحكام مسببة تسبيباً واضحا وكافيا إذ بعد ذلك يستطيع قاضي الموضوع ان يجهل طريق هذه المراقبة على محكمة النقض بان يكتفي بذكر أسباب مجملة أو ناقصة أو أسباب مخلوطة فيها بين ما يستقل هو بتحقيقه والحكم فيه من ناحية الموضوع وما تراقبه محكمة النقض من ناحية القانون. لذلك كان واجبا على القاضي ان يبين في حكمه موضوع الدعوى وطلبات الخصوم وسند كل منهم وإن يذكر ما استخلص ثبوته من الوقائع وطريق هذا الثبوت وما الذي طبقه من القواعد القانونية ويقصد بضمانة تسبيب الأحكام.
1 – التحقق من ان القاضي اطلع على كل وقائع القضية وجميع المستندات والأوراق المقدمة إليه واتصل على جميع ما أبداه الخصوم من طلبات ودفوع.
2 – التحقق من ان القاضي قد استخلص الوقائع الصحيحة في الدعوى من واقع إثبات يخبره المستشار ثم صحيحا في مواجهة أصحاب الشأن أو من واقع الأوراق المقدمة فيها والأدلة بحسب قوتها التي يمنحها إياها القانون الموضوعي.
3 – التحقق من ان القاضي قد فهم ما أحاط الدعوى من مسائل قانونية وانه قد كيفها التكيف الصحيح بعد التحقق من توافر شروطه وانه قد أرسى عليها الآثار القانونية الصحيحة.
والقضاء المسبب هو مظهر قيام القاضي بما عليه من واجب تدقيق البحث وإمعان النظر لتعرف الحقيقة التي تشف عنها أحكامه. وبه وحجه مسلم من فطنة التحكم والاستبداد ويرتفع عنه الشك والريب والشبهات والقضاء المتسبب يمكن محكمة الدرجة الثانية من مراقبة الأحكام وحتى تشرف على تطبيق القانون وتقرير القواعد القانونية الصحيحة فيما يختلف فيه من السائل وتثبيت القضاء بصددها.
ولكن القاضي ليس ملزما ان يذكر مواد القانون التي بنى عليها حكمه وقد قضى بان العبرة في صحة الحكم هو بصدوره موافقا للقانون دون ان تلزم المحكمة بذكر القاعدة القانونية التي تنبه عليها كما أنه ليس مكلفا ان يورد حجج الخصوم وإن يبقيها واحدة بعد الأخرى ويفندها وقد قضي بأنه بحسب المحكمة ان تقيم مضادها على أسباب تلغي لحمله وبان المحكمة غير ملزمة بان ترد على كل حجة من حجج الخصوم استقلالا حتى كانت الأدلة التي استندت إليها من شأنها ان تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها كما أنه ليس ملزما بان يأخذ بالحجج التي قدمها من كسب الدعوى بل هو حتى في ذكر الأسباب التي اعتمد عليها في الحكم وليس من الضروري ان تكون أسباب الحكم نفسها مسببة فإذا بنى القاضي حكمه بالتعويض على وقوع إهمال من الخضم فليس مكلفا ان يذكر الأسباب الكتابية لوجود هذا الإهمال.
ولكن يجب على القاضي أو يورد أسباباً لكل طلب يحكم به ويرفقه سواء أكان هذا الطلب اصليا أم فرعيا أم دفعا بعدم الحصول أو ببطلان صحيفة الدعوى أم بعدم اختصاص المحكمة بنظرها.
وقضاة المحكمة الاستئنافية ليسوا ملزمين بإيراد أسباب خاصة إذا ابدوا الحكم الابتدائي إذ لهم في هذه الحالة ان يستندوا في حكمهم إلى الأسباب التي ذكرها قضاة أول درجة بشرط ان يذكروا صراحة أخذهم بهذه الأسباب وكلف إذا عدلوا الحكم أو ألغوه وجب عليهم إيراد أسباب الإلغاء أو التعديل ومناقشة أسباب محكمة أول درجة وتفنيدها أو تصحيحها وقد قضي بأنه لا تلزم المحكمة في هذه الحالة إلا بذكر الأسباب التي اقتضت هذا التعديل وكل ما لا يتناوله التعديل يكون مؤيدا وتبقى أسباب الحكم قائمة بالنسبة له وانه إذا ألغت المحكمة الاستئنافية الحكم المستأنف فإنها لا تكون ملزمة بالرد على جميع ما ورد من ذلك الحكم من الأدلة مادامت الأسباب التي أقامت عليها حكمها كافية لتحقيق غرف القانون.
ويلاحظ أنه يتعين على محكمة الاستئناف إلا تكتفي بالآخذ بأسباب محكمة أول درجة إذا كانوا الخصوم قد استندوا إلى اوجه دفاع جديدة بل يجب عليها مناقشة هذه الأوجه ولو أبدت حكم محكمة أول درجة فإذا كانت الأوجه المقدمة للاستئناف لا تخرج عن جوهرها عن الأوجه المقدمة أمام محكمة أول درجة جاز الاكتفاء بالأسباب التي أوردتها هذه المحكمة.
ويجب في كل الأحوال ان تكون أسباب الحكم كافية وعلى هذا قضي بأنه إذا استعرضت المحكمة في حكمها مستندات الخصوم وتقرير خبير الدعوى وشهادات الشهود ورجحت في ذلك ما أمعنت إلى ترجيحه ثم قضت في الدعوى على حاصل فهم الواقع فيها فذلك كان لاعتبار حكمها محمولا على أسباب كافية نتيجة له وقد ذهبت المحاكم إلى اعتبار الحكم مشتملا على أسباب كافية إذا أشار للمستند الذي اعتمدت عليه المحكمة في إصداره ولو لم تذكر أسباباً للآخذ به.
وأخيرا لابد من ملاحظة ان قانون المرافعات المصري قد رتب البطلان جزء على عدم تسبيب الحكم في ان النص السوري الذي أخذ عن قانون المرافعات المصري قال تحت طائلة الطعن فيها أي ان المشرع السوري استبعد البطلان فاثر مباشر لعدم تسبيب الأحكام أو اعتبار الحكم باطلا وإنما أجاز الطعن فيه لهذا السبب.
ولكن يلاحظ في هذا المجال أنه بعد صدور قانون الأحوال قد جرت عليه عدة تعديلات ومنها أخيرا التعديل الوارد بالمرسوم التشريعي رقم / / وتاريخ / / 19 وقد اعتبرت بموجبه الكثير من الأحكام مبرمة في الدرجة الثانية (الاستئناف). وهنا لابد من التساؤل هل ان عدم التسبيب المشار إليه في المادة 204 يجيز الطعن بالأحكام ولو كانت مبرمة لصدورها من محكمة الاستئناف (إيجارات – عمل – الخ..) أم ان الإبرام يغطي البطلان في هذه الحالة على ما قررته محكمة النقض في العدد من أحكامها.
أننا نرى وجوب إعادة النظر بنص المادة 204 موضوع التعليق على هذه ما قرره المشرع من إبرام الأحكام في المرحلة الاستئنافية واثر هذا الإبرام على عدم التسبيب المنصوص عليه.
2) بقي ان نقول ان المشرع السوري الزم المحكمة بالرد على جميع الدفوع التي آثارها الخصوم خلافا للنص المصري الذي لم يأت على ذكر ذلك في نصه. وعلى هذا فإننا نرى ان الاجتهاد المصري القائل بان المحكمة غير ملزمة بان ترد على كل حجة من حجج الخصوم استقلالا متى كانت الأدلة التي استندت إليها من شأنها ان تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها يتفق مع النص السوري الذي يحتم على المحكمة الرد على جميع الدفوع التي آثارها الخصوم. فالقاضي حسب أحكام النص السوري ملزما بان يورد حجج ودفوع الخصوم في حكمه وإن يرد عليها في ذات الحكم تحت طائلة الطعن بهذا الحكم. وهذا شرط لسلامة الحكم حسب النص السوري وهو الباعث على الطمأنينة في الأحكام والثقة بها. ونعتقد ان النص السوري جاء شاملا وجامعا في بناء الأحكام وتقريرها أكثر من النص المصري.
وعلى هذا فإننا نعود لنقول ان الاجتهاد السوري يجب ان يكون منطلقا من النص السوري وموجباته وليس من الاجتهاد المصري لخلاف النص.
وإننا نرى أنه وخلافا للاجتهاد المصري الذي ينطبق على النص المصري دون النص السوري ان المحكمة مقيدة بقيدين اثنين وفي وقت معا
1 – تسبيب الحكم تسبيباً صحيحا من واقع الدعوى وبما له اصل من الأوراق.
2 – الرد على جميع الدفوع التي آثارها الخصوم ومهما كانت. حيث ان الرد على هذه الدفوع يضمن للخصوم مسألة دراسة القاضي في الدعوى دراسة صحيحة. وهذا ما قصده المشرع بوضعه هذا القيد.
وعلى هذا فإننا نرى ان الحكم وثق النص السوري لا يكون مسببا إلا إذا تضمن الرد على جميع الدفوع التي آثارها الخصوم ومناقشة هذه الدفوع. ومن ثم فإن الآخذ بالاجتهاد المصري في هذا المجال إنما هو أخذ في غير محله القانوني لاختلاف التوصيات في النصين.