الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 485 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
متى قبل الدائن بالايداع تنتقل ملكية المال المودع إليه وتبرأ ذمة المدين نهائياً بنتيجة الايفاء الحاصل على هذا الوجه. كما تبرأ ذمة الكفلاء وتسقط جميع التأمينات التي كانت ملازمة للمدين ويرجع هذا الأثر إلى تاريخ الايداع ولو ألقي حجز على المال المودع بين تاريخ الايداع وقبول الدائن به إذ أن صحة هذا الحجز تتوقف على عدم قانونية العرض والايداع وبالتالي على عدم نقل ملكية المال المودع إلى الدائن بتاريخ حصوله.
وإن الأثر المذكور ينتج أيضاً عن صدور حكم للمدين يقضي بصحة العرض والايداع أو يقضي برد دعوى ابطال العرض والايداع المقامة من الدائن وبعد صدور هذا الحكم لا يبقى للمدين حق استرداد المبلغ أو الشيء المودع منه نظراً لقوة القضية المحكمة الناتجة عن ذلك الحكم والتي لا تسقط إلا بفسخه أو الرجوع عنه بطرق الطعن التي يرفعها الدائن بشأنه.
دعوى مخاصمة القضاة
يعود مصدر هذه الدعوى إلى القانون الفرنسي القديم وعلى الأخص إلى التشريع الصادر في عام 1540 ثم في عامي 1579 و 1667. فقبل صدور هذا التشريع كان الطعن في الحكم يوجه إلى القاضي نفسه الذي كان ملزماً بالمثول أمام محكمة الاستئناف للدفاع عن حكمه. أما التشريع المذكور فقد فرق بين طرق الطعن التي تسلك ضد الأحكام نفسها وطريق مخاصمة القضاة التي يسلكها الطاعن ضد القاضي الذي أصدر الحكم وذلك في حالات عينها على سبيل الحصر. وهي حالات الخداع والغش والرشوة والخطأ الأكيد. ثم جاء قانون أصول المحاكمات الفرنسي الذي حدد الحالات التي تجوز فيها المخاصمة بحالات التمنع عن الحكم والخداع والغش والرشوة والحالات التي ورد بشأنها نص صريح أو التي اعتبر فيها القانون القضاة مسؤولين تحت طائلة العطل والضرر. وأخيراً صدر قانون 7 شباط 1933 الذي أضاف إلى الحالات المتقدمة حالة الخطأ المهني الجسيم واعتبر الدولة مسؤولة مدنياً عن التعويض المحكوم به على القاضي.
وقبل صدور قانون المرافعات المصري الذي نقل عنه قانون أصول المحاكمات المدنية السورية أحكامه جرت مناقشة في لجنة وزراء العدل حول تكييف دعوى المخاصمة قال فيها الأستاذ حسين ادريس أن موضع المخاصمة قانون المرافعات إذ لا يقصد بها في الواقع إلا تقرير حالة لها أثرها في بطلان الحكم ولو أن لها جانب تأديبي. ومن الخير أن نجعل زمام الأمر فيها بيد الخصم يلجأ بها إلى القضاء دون انتظار رأي من له حق في توجيه الدعوى التأديبية. ولكنه لا يميل إلى اعتبارها دعوى تعويضية خشية أن يستغلها ذوو المطامع لارضاء مطامعهم فيسيئون بذلك إلى سمعة القضاة.
وقال الأستاذ محمد عبد الله أنه وإن كان يميل إلى اعتبار هذه الدعوى من الأمور التنظيمية ولو ترتب عليها البطلان إذ أن الكثير من الأمور التنظيمية قد يترتب عليه البطلان إلا أنه في مسايرته لمن يرون اعتبارها من المسائل الاجرائية يرى لزاماً أن تعتبر دعوى تعويض إذ هي – حتى وإن كانت دعوى على القاضي – وجب أن يوجه فيها الطلب إلى القاضي وألا يقتصر فيها على طلب تقرير بطلان الحكم لأن البطلان ليس طلباً على القاضي وإنما هو طلب على الخصم الذي صدر الحكم لمصلحته. وعليه فلا مفر من طلب الحكم على القاضي بتعويضه. وهي في القانون القائم دعوى تعويض وإن كان النص في ذلك غير صريح.
ورد الأستاذ حسين ادريس مؤيداً رأيه السابق مشيراً إلى أن دعوى المخاصمة – وإن كانت دعوى على القاضي – إلا أنها دعوى ضد مدعى عليه له حرمة خاصة وأثرها بعيد المدى لا وزن معه للمال إذ أنه إذا صدر فيها حكم ضد القاضي فنتيجته الحتمية اعتزاله القضاء. وهذا يكفي في عقابه. والخصم يكفيه ابطال الحكم الذي تأذى منه وعودة الحال إلى ما كانت عليه قبل قيام سبب دعوى المخاصمة.
وقال الأستاذ محمد العشماوي أنه إذا ردت المسألة محل المناقشة إلى القواعد العامة التي يعرفها قانون المرافعات فإن المخاصمة – إذا كان موضوعها هو دفع القاضي بالغش أو بالتدليس أو بالضرر أو ما أشبه ذلك تعتبر خارجة عن نطاق قانون المرافعات وداخلة في نطاق التأديب. ولكن الواقع أن المخاصمة وضعت في قانون المرافعات على اعتبار أنها من نوع الخصومات التي يعرضها لها موضوع هو طلب التعويض ولهذا الطلب سبب هو عبث القاضي على نحو ما هو وارد في أسباب المخاصمة. وليس موضوعها طلب بطلان الحكم لتعلق البطلان بمصلحة خصم آخر وإنما البطلان يأتي نتيجة حتمية لها لتعود الخصومة به إلى ما كانت عليه قبل قيام سبب المخاصمة.
وقد وافقت اللجنة على أن تبقى دعوى المخاصمة كما هي دعوى تعويض وأن يستظهر ذلك بالنص صراحة عليه. وعلى أن يكون الحكم بقبول المخاصمة قاضياً أيضاً ببطلان الحكم أو العمل الذي باشره القاضي أو عضو النيابة في مواجهة الخصم عند الاقتضاء.
وعلى هذا وباعتبار أن دعوى المخاصمة دعوى تعويضية كما فهم من مناقشات اللجنة بقيت هذه الدعوى من دعاوي التعويض في القانون المصري ولو أنه لم يصدر بذلك نص صريح في القانون كما أوجب تقرير اللجنة.
أما في لبنان فإن المشرع اللبناني فقد أورد هذه الدعوى في عداد طرق الطعن في الأحكام لأنها وإن كانت ترمي إلى مطالبة القاضي بالتعويض عن الضرر الذي لحق بمدلي المخاصمة فإنها في الوقت نفسه ترمي إلى ابطال الحكم أو التصرف موضوع المخاصمة.
وأما في فرنسا فإن القانون الفرنسي اعتبر هذه الدعوى متصلة بطرق الطعن في الأحكام لذلك أوردها في قانون المرافعات الفرنسي عقب طريق الطعن بالالتماس وباعتبار أنه يترتب عليها وعلى الحكم بصحة المخاصمة بطلان الحكم. لذلك فهي طريق طعن غير مباشر في الأحكام.
وأما في سورية وبالرغم من أن الأحكام الناظمة لدعوى المخاصمة قد رتبت ابطال الحكم في حال قبول دعوى المخاصمة إلا أن اجتهاد محكمة النقض قد قطع كل جدل حول ماهية هذه الدعوى عندما اعتبرها دعوى تعويض ناشئة عن عمل غير مشروع وبالتالي اخضعها للتقادم الثلاثي الذي يخضع له أحكام المسؤولية التقصيرية.
ولكننا وبالرغم من ذلك نرى أن هذه الدعوى تبقى من طرق الطعن غير المباشر ضد الأحكام كما هو الرأي في لبنان وفرنسا طالما أنه يترتب على قبول الدعوى وكنتيجة حتمية ابطال الحكم موضوع المخاصمة. فهي إلى جانب كونها تنصب على تخطئة القاضي في الحكم الذي أصدره خطأ مما يندرج في حالات قبول دعوى المخاصمة وجواز طلب التعويض عن هذا الخطأ إلا أنها ترمي إلى الطعن في حكمه والغاية الأساسية وهي ابطاله نتيجة هذا الخطأ الذي تقبل به دعوى المخاصمة. وهنا لو أن الدعوى من دعاوي التعويض كما ذهبت إليه الهيئة العامة لمحكمة النقض لوجب اعتبار التعويض هو العنصر الأساسي والغالب في الحكم الذي سيصدر نتيجة هذه الدعوى وليس ابطال الحكم هذا ولو أن اجتهاد محكمة النقض – غرفة المخاصمة – ذهب إلى اعتبار ابطال الحكم بمثابة التعويض على طالب المخاصمة. حيث أن هذا الاتجاه لا يحقق اعتبارها دعوى تعويضية مطلقاً طالما أن التعويض ليس عنصراً أساسياً في الحكم. يضاف إلى هذا وذاك لو أننا اعتبرناها دعوى تعويضية ترفع على القاضي وحتى على ورثته فيما بعد كما يذهب بعض الشراع لما وجدنا قاضياً واحداً يقبل بتولي الأحكام طالما أنه سيبقى مسؤولاً مسؤولية مادية عن الحكم الذي سيصدره فيما إذا رفعت عليه دعوى مخاصمة. هذا من جهة ولكان توجب على القاضي المخاصم الحضور أمام الهيئة والدفاع عن حكمه وبيان الأوجه القانونية والواقعية التي تسند هذا الحكم وهذا ما لم تدرج عليه أية هيئة من هيئات المخاصمة حيث أن توجيه الخصومة إلى القضاة يبقى شكلياً فقط طالما أنه لا يتحتم أو لا يترتب عليهم الحضور أو تقديم أية لوائح أو مذكرات في الدعوى ولا يترتب على تغيبهم أو عدم تقديم جوابهم عليها أية آثار قانونية.
هذا وقد وردت أسباب مخاصمة القضاة في المادة 486 من قانون أصول المحاكمات المدنية على سبيل الحصر ولكن في وقت لم تكن فيه الأحكام تصدر مبرمة بدون رقابة محكمة النقض عليها وبعد التعديلات التي أدخلت على قانون أصول المحاكمات المدنية.ورغم ذلك نعود لنقول أنه مادامت أسباب المخاصمة وردت على سبيل الحصر فإنه لا يجوز القياس عليها مطلقاً.