الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 507 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
1) – يخضع البند التحكيمي من حيث صحته لذات الأحكام التي يخضع لها العقد الذي أدرج فيه بالذات فيجب أن تتوفر لدى المتعاقدين الأهلية اللازمة للتعاقد بوجه عام أي أن يكون المتعاقدين ذوي أهلية للمصالحة في حقوقهم موضوع النزاع. وعلى هذا لايجوز اجراء التحكيم أو قبوله إلا من قبل أشخاص يملكون حق التصرف بحقوقهم واجراء الصلح عليها. فلا يكون مقبولاً أو جائزاً من قبل القاصر أو المحجور عليه أو المفلس كما أنه لايجوز من قبل الوصي أو القيم بالنسبة للمنازعات التي تخص القاصر أو المحجوز عليه. ولامن قبل ممثل الدولة والادارات والمؤسسات العامة بالنسبة لدعاوي هذه الأخيرة. ولا من عضو الشركة غير المفوض بالتوقيع عن الشركة وبحسب نظامها الأساسي. ولايكون عقد التحكيم جائزاً أيضاً من وكيل التفليسة. غير أن لهذا الأخير أن ينفذ عقداً صحيحاً أجراه المفلس قبل اعلان افلاسه. وبحيث أنه إذا كان المفلس قد أجرى قبل الافلاس عقداً تجارياً يشتمل على بند تحكيمي فيكون لوكيل التفليسة أن ينظم أو ينفذ تحكيماً على أساس هذا البند. أما الوكيل العادي فلايجوز له اجراء التحكيم باسم موكله إلا إذا كانت وكالته تخوله هذا الحق صراحة أو إذا كان يحوز وكالة خاصة لهذه الغاية.
وباعتبار أن المنازعات التي يتعلق موضوعها بالنظام العام لاتكون المصالحة جائزة فيها لذلك لايصح التحكيم فيها ولايصح أن تكون موضوعاً لتحكيم. كالمنازعات المتعلقة بالجنسية أو بإرث مستقبل أو بالحرية الفردية أو بحرية التجارة والعمل. غير أننا نرى أنه بالنسبة لعقود الإيجار وإن كانت أحكامها تتعلق بالنظام العام ولايجوز التحكيم بشأنها إلا إنه إذا انقضت المدة الأصلية للعقد وأصبحت المصالحة فيه والتنازل عن التمديد القانوني فيه من الأمور الجائزة قانوناً فإنه يصح أن تصبح بعد انقضاء المدة الأصلية للعقد وأن تكون محلاً للتحكيم. طالما أنها لم تعد خاضعة للنظام العام ولايعتبر التنازل فيها عن التمديد القانوني باطلاً حسب مااستقر عليه الاجتهاد.
وأما الخلافات المتعلقة بأمور أو أشياء لاتصح أن تكون محلاً للمتاجرة أو للتصرف فلا يجوز التحكيم فيها. كالخلافات المتعلقة بمسائل جرمية أو مواد محظور الاتجار بها وبالحقوق الزوجية غير المالية. ولايصح التحكيم في القضايا التي عين القانون بنص الزامي مرجعاً خاصاً للنظر فيها إذ يمكن أن تتعلق بها حقوق الغير كما في قضايا الافلاس مثلاً ولكن ليس هناك مايمنع من اجراء التحكيم في النزاعات المتعلقة بحقوق مالية ناشئة عن الحالة الشخصية كحقوق الارث أو النفقة بعد أن تكون المسألة الأصلية المتعلقة بتلك الحالة قد فصل فيها المرجع القضائي المختص. كما انه يجوز أن يكون محلاً للتحكيم النزاع المتعلق بالتعويضات الشخصية الناتجة عن أفعال جرمية. أما إذا تعلق النزاع بأشياء أو سلع حددت السلطات العامة أسعارها فلا يبقى التحكيم بشأنها جائزاً كما إذا كانت المادة التي جرى عليها التحكيم تباع من مختلف طبقات الشعب ويدفع المشتري ثمنها بالسعر الذي تحدده السلطات. وهنا يكون التحكيم المتعلق بها باطلاً بطلاناً مطلقاً ويحق لكل متضرر أن يتذرع بهذا البطلان.
ومن جهة أخرى فإنه من المقرر في الفقه والقضاء أنه لايجوز التحكيم بصدد تحديد مسؤولية الجاني الجنائية وماإذا كان ماارتكبه يعد جريمة أو لايعد كذلك. كما لايجوز التحكيم في صدد تحديد النص القانوني الواجب التطبيق في قانون العقوبات كجزاء على ماارتكبه الجاني. وإنما يجوز التحكيم في شأن تقدير التعويض المستحق للمجني عليه ولكن هذا لايمنع من رفع الدعوى العمومية على الجاني أو السير فيها أو من تقديم شكوى للنيابة العامة بقصد توقيع العقوبة الجنائية.
ولا يجوز التحكيم في الدعاوى المتعلقة بنزع الملكية للمنفعة العامة لاتصالها بالنظام العام. كما لايجوز التحكيم ولذات السبب فيما يتصل بأعمال السيادة أو في المنازعات المتعلقة بملكية الأموال العامة إذا آلت للدولة بطريق مشروع. ولايجوز التحكيم في أية منازعة تتصل بما لايجوز التعامل فيه بمقتضى قوانين خاصة لأي سبب من الأسباب. وعلى ضوء ذلك كله نستطيع أن نحدد المنازعات التي يجوز فيها التحكيم وتلك التي لايجوز فيها على الشكل التالي

آ – المنازعات التي يجوز فيها التحكيم
1 – النزاعات التي تحصل بشأن الحقوق الشخصية التي تنشأ عن ارتكاب جرم. على أن التحكيم في هذه الحالة لايمنع السير بالدعوى العامة بحق المجرم.
2 – النزاعات التي تتعلق بطلب التعويض عن قرار إداري صدر مخالفاً للقانون بشأن الجنسية.
3 – النزاعات التي تنشأ بصدد الرهان الذي يعقده المتبارون فيما بينهم شخصياً في الألعاب الرياضية وذلك لصحة هذا الرهان وإجازته قانوناً (المادة 706 عقوبات عام).
4 – المنازعات حول المسائل المتعلقة بالنفقة العامة والتي لاتتصل بالنظام العام.
5 – المنازعات الخاصة بالوقف لأنه لاشي في ذلك يمس النظام العام ولاسيما إذا اشترط في عقد التحكيم أن يتبع المحكم أو المحكمون في أعمالهم وقراراتهم نص كتاب الوقف وقصد الواقف.
6 – النزاعات التي تنشأ حول تقدير النفقة الزوجية أو نفقة الأولاد والتعويض على الطلاق التعسفي وتقدير أجرة الحضانة.
7 – الاتفاق على التحكيم في شأن أن الحق سقط بالتقادم أم لا وبعد أوان الوفاء به.
8 – كافة المنازعات التجارية والمدنية والدولية وعقود التوريد والاشغال المتعلقة بالمؤسسات العامة والادارات العامة وجهات الدولة مالم ينص على غير ذلك في العقد أو في أحكام القانون.

ب – النزاعات التي لا يجوز فيها التحكيم
1 – المنازعات التي تتصل بالحضانة حيث أن المشرع قررها لمصلحة القاصر.
2 – الأمور والمنازعات التي تتعلق بالنسب لأن ذلك يتصل بالجنسية من جهة ويؤثر في كثير من الأمور الخطيرة كالزواج والإرث وغيرها. كما أنه قد يتعارض مع المصلحة العامة نتيجة تواطؤ على النسب تهرباً من دفع الالتزامات المتوجبة للدولة.
3 – النزاعات التي تتعلق بصحة عقد الزواج أو بطلانه. حيث أن ذلك يعتبر من مسائل الأموال الشخصية والتي تتعلق بالحجر على فاقدي الأهلية أو ناقصيها أو بأية خصومة أخرى بصدد الأهلية لأن مسائل الأهلية برمتها من النظام العام.
4 – النزاعات التي تدور حول المسؤولية الجرمية. وفيما إذا كان ماارتكبه الجاني يشكل جرماً أم لا لأن ذلك يتعلق بالحق العام ومصلحة المجتمع وهو من النظام العام.
5 – النزاعات المتعلقة بنزع الملكية للمنفعة العامة لاتصالها بالنظام العام أو فيما يتصل بأعمال السيادة أو المنازعات المتعلقة بملكية الأموال العامة.
6 – النزاعات التي تنشأ عن المقامرة والرهان نظراً لبطلانها بحد ذاتها (المادة 705 مدني).
7 – لا يجوز التحكيم بشأن النزاعات حول اجراءات التقاضي حيث أن المشرع عندما وضع أصولاً خاصة للمحاكمات أمام المراجع القضائية إنما انصرفت إرادته إلى تحقيق مصلحة الطرفين المتنازعين والمساواة بينهم وتأمين حرية الدفاع لكل منهم بشكل يسهل الوصول إلى العدالة وتحقيقها لذلك لايجوز للخصوم أن يقرروا غير هذه الأصول أو أن يتفقوا على مايخالفها.
8 – لايجوز التحكيم بصدد اجراءات التنفيذ ولا بالدعاوى الناشئة عنها وذلك لأن القاعدة العامة هي أن تنفيذ الأحكام يعتبر من أعمال السيادة. وبالتالي فإن الخلافات التي تقع حول صحة الاجراءات التنفيذية أو عدمها لايجوز إحالتها على التحكيم.
9 – لا يجوز التحكيم بشأن دعاوى رد القضاة أو مخاصمتهم وذلك لأن المشرع حدد أصولاً خاصة ومراجع معينة بذاتها في دعاوى الرد والمخاصمة.
10 – لا يجوز التحكيم في الأمور التي نص عليها القانون واعتبر الاتفاق بشأنها باطلاً ويدخل في هذا المفهوم مانصت عليه المادة 439 من القانون المدني بشأن شراء الأموال المتنازع عليها والمادة 440 منه والمادة 460 بشأن هبة الأموال المستقبلية لأنها باطلة. وكذلك توريث الأجانب خلافاً للقانون لتعلقه بالنظام العام وأحكام الوصية للأجانب (المادتين 836 / 2 و 876 / 2 مدني) وحقوق السطحية الجديدة المادة 997 مدني ومنع الاتجار بالأراضي المنظم بالقانون رقم 3 لعام 1974 وغيرها.
11 – حالة ما إذا كان محل الالتزام أو سببه مخالفاً للنظام العام حيث اعتبر العقد في هذه الحالة باطلاً. وبسبب هذا البطلان لايجوز احالة الخلاف المتعلق به إلى التحكيم.
ومع ذلك هناك نوع آخر من العقود التي تعرف أو تكون مؤسسة على الاتجار بالنفوذ. وفي مثل هذه العقود تتعاقد إحدى الشركات مع شخص وسيط يستعمل نفوذه لدى إحدى المؤسسات أو الادارات أو الدولة لاعطاء الشركة مناقصة معينة أو تعهد أعمال. ويكون نصيب هذا الشخص الوسيط مبلغاً من المال يسمى عمولة أو حصة من الأرباح التي تجنيها الشركة من المناقصة أو التعهد. وبعد أن تفوز الشركة بالعملية تمتنع عن دفع مبلغ العمولة المتفق عليه كلياً أو جزئياً للوسيط. فيقوم النزاع بين الوسيط والشركة المتعهدة ويحال إلى التحكيم. ولكن ما رأي التحكيم في مثل هذه العقود والمنازعات
عرضت قضيتين من هذا النوع على التحكيم الدولي الخاص وفق قواعد غرفة التحكيم الدولية في باريس وفي القضيتين وإن كان انتهى المحكمين إلى نتيجة واحدة تمثلت برفض الدعوى من حيث النتيجة لعدم المشروعية. إلا أن كل محكم استند إلى نواحي معينة من المشروعية لرفض الدعوى.
في القضية الأولى وكان المحكم فيها سويدي الجنسية. أثار هذا المحكم ومن تلقاء نفسه سؤالاً مبدئياً. وهو ما إذا كان الاتفاق بين المدعي الذي تبين أن دوره كان مجرد وسيط بالنفوذ وبين الشركة المدعى عليها يعد صحيحاً أم باطلاً لمخالفته النظام العام. ولم يقتصر على بحث أسباب عدم مشروعية مثل ذلك النشاط في القوانين الوطنية. وإنما استند إلى النظام العام الدولي بالمعنى الكامل للفظ الدولي. وانتهى في هذا الصدد إلى تقرير أنه وفقاً لمبادىء القانون الدولي لا يمكن للقضاء عموماً سواء أكان عن طريق محاكم الدول أو بواسطة المحكمين أن يحمي الأوضاع التي هي من هذا القبيل. وقد انتهى هذا المحكم في حكمه إلى تقرير عدم اختصاصه بنظر النزاع. ولم يقبل أن ينظر في الموضوع ويحكم برفض الدعوى استناداً إلى استقلالية شرط التحكيم. ويلاحظ أن المحكم السويدي أخذ في اعتباره أن عدم مشروعية العقد الأصلي انعكست بالضرورة على اتفاق التحكيم بحيث صار هو الآخر غير مشروع.
وفي القضية الثانية وكان المحكم نمساوي الجنسية عرضت قضية مماثلة وفي ظروف مشابهة تماماً. وبعد أن استعرض المحكم القواعد التي تحكم بطلان العقود التي تتضمن صرف النفوذ والاتجار بالنفوذ وفقاً لقانون الدولة التي تم فيها النشاط. خلص هذا المحكم إلى مجاراة سابقة المحكم السويدي في وجوب النظر إلى المسألة المطروحة من زاوية تسمو على القوانين الوطنية. ومع أنه انتهى إلى عدم مشروعية العقد الأصلي لا تؤثر على شرط التحكيم الذي يتعين النظر إليه استقلالاً فأعطاه طابعاً مطلقاً يجعله منفصلاً عن العقد الأصلي إلا أنه ومع ذلك انتهى في حكمه إلى رفض الدعوى موضوعاً ولم يحكم بعدم الاختصاص كما فعل المحكم السويدي وقال هذا المحكم أن الادعاء المأخوذ من علاقة منافية للأخلاق الجيدة أو النظام العام لا يمكن أن تحكم من قبل المحكمة الدولية أو التحكيمية.
ونحن نضيف أن المشرع السوري في قانون العقوبات قد عاقب بموجب أحكام المادة 347 منه على صرف النفوذ. فعاقب من أخذ أو التمس أجراً غير واجب أو قبل الوعد به سواء كان لنفسه أو لغيره بقصد إنالة آخرين… عملاً أو مقاولات أو مشاريع أو أرباحاً غير أو منحاً من الدولة أو الادارات العامة بقصد التأثير في مسلك السلطات بأية طريقة كانت أي الوساطة التي تقوم على صرف النفوذ معاقب عليها في القانون وتعتبر جريمة. لذلك فإن التحكيم لا يصح فيها أساساً. وانه وإن كان المحكمين قد انتهوا إلى عدم النظر في النزاع كما رأينا وللأسباب التي ذكرناها. فإن مسلك المحكمين في الدعاوي التي عرضت تتوافق مع نظرية عدم جواز التحكيم في مثل هذه المسائل التي تشكل جرماً.