الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 509 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
لعل الذي دفع المشرع لوضع هذا الشرط لإثبات التحكيم هو ما في شرط التحكيم من خطورة بما يفوته على الخصوم من الضمانات التي تكفلها اجراءات التقاضي أمام القضاء العادي وحرصاً منه على التأكد من حقيقة ما انصرفت إليه إرادة المتعاقدين في هذا الشأن. وقد رأى شراح القانون أن مشارطة التحكيم لكل عقد تتم بالايجاب والقبول ولكنها لا تثبت إلا بالكتابة وذلك رغبة من المشرع من تفادي النزاع حول إثبات محتويات شرط التحكيم. ومع ذلك فإننا نجد خلافاً بين شراح القانون حول إثبات عقد التحكيم فمنهم من قال أنه لا يمكن إثبات عقد التحكيم بشهادة الشهود أو باليمين مهما تكن قيمة النزاع المتفق بصدده على التحكيم أو نوعه كما إذا كان في المواد التجارية. حيث أنه كما تلزم الكتابة لإثبات العقد فهي تلزم أيضاً لإثبات كل شرط من شروطه. ومنهم من قال أن إثبات وجود البند التحكيمي يتم بالطرق التي يثبت بها العقد الأصلي نفسه فإذا كان العقد مدنياً جرى إثباته بالبينة الخطية طبقاً للقواعد العامة وإذا كان تجارياً جاز مبدئياً إقامة الدليل عليه بجميع الطرق.
وأما الاجتهاد القضائي فقد كان إلى جانب الإثبات بالكتابة فقط حيث قضت محكمة النقض المصرية بأن عقد التحكيم يجب أن يكون ثابتاً بالكتابة ولا يجوز أن يستشف الرضا به بصورة ضمنية. ومحكمة النقض السورية قالت بعدم جواز إثبات التحكيم بالبينة الشخصية أو بالإقرار واليمين.
مع ذلك هناك رأي يقول أن الكتابة شرعت للإثبات فقط لا للانعقاد طالما أن النص لم يقل لا ينعقد التحكيم إلا بالكتابة. وعلى هذا يجوز إثبات عقد التحكيم باليمين والاقرار. ولا يخفى أن الاقرار سيد الأدلة والنكول عن اليمين يعتبر اقراراً لأن المشرع لو أراد أن تكون الكتابة ركناً للانعقاد لنص على ذلك صراحة كما فعل في المادة 743 مدني / تقابل المادة 709 مدني سوري / الخاصة بالمرتب مدى الحياة أو في عقد الهبة أو في عقد الرهن. فالكتابة إذن لازمة للإثبات لا للانعقاد فيجوز الإثبات باليمين والاقرار. وينتهي الاستاذ أحمد نشأت إلى القول أنه يجب بداهة إثبات كل شرط من شروط التحكيم بالكتابة ما لم يقر الخصم أو ينكل عن اليمين الحاسة. ولكن بعض شراح القانون يخالفون هذا الرأي أيضاً حيث قال بعضهم أن عقد التحكيم لا يثبت باليمين ولا بالاقرار والنكول عن اليمين.
ولا بد أيضاً من ملاحظة أنه لا يصح قبول مبدأ الثبوت بالكتابة في عقد التحكيم أو أي شرط من شروطه. ولو أن القاعدة أن مبدأ الثبوت بالكتابة يقوم مقام الكتابة إذا أكملته الشهود والقرائن حتى لا يتعرض عقد التحكيم ومحتوياته إلى اختلاف الشهود أو اختلاقهم لأن المحكمين يقومون مقام القضاة فلا يصح أن يكون هناك أقل شك في المهمة الموكولة إليهم وفي شروطها.
وأما الاجتهاد الفرنسي فقد ذهب إلى القول بتطبيق القواعد العامة لإثبات العقود باعتبار أن البند التحكيمي هو جزء من العقد الذي يتضمنه ويكون من حيث الإثبات تابعاً لحكمه.
ويتبين مما أقره شراح القانون بشأن إثبات عقد التحكيم والذي يمكن القول أنه مجمع عليه أو متفقاً عليه
1 – عدم جواز إثبات عقد التحكيم أو شرط التحكيم إلا بالكتابة صراحة النص.
2 – عدم جواز إثبات عقد التحكيم أو أي شرط من شروطه بالاقرار أو باليمين أو بالنكول عن اليمين لأن عقد التحكيم قد يتضمن شروطاً دقيقة جداً لا يمكن إثباتها بدقة ووضوح وصراحة بالوسائل المشار إليها.
3 – جواز إثبات شرط التحكيم بالبينة في العقود التجارية وعدم جوازها في العقود المدنية.