Call us now:
الرأي الفقهي
إذا اتفق الأطراف على فض منازعاتهم عن طريق التحكيم سواء كان التحكيم في العقد أو في صك تحكيم مستقل أو اتفاق لاحق أو أمام المحكمة أثناء النظر في المنازعة. وجب في كل الحالات أن يكون عدد المحكمين الذين سيقومون في مهمة التحكيم وتراً وسواء كان هناك تفويض بالصلح أم لا. والمشرع ترك لهؤلاء الأطراف أن يتفقوا على عدد المحكمين حسب رغباتهم ولكن شريطة مراعاة الوترية في كل الحالات لكي يكون أحدهم حكماً أو مميزاً في حال التعدد أو اختلاف الرأي بين المحكمين وقد قضت محكمة النقض بأنه لما كان المشرع وضع نصاً خاصاً في المادة 511 من قانون أصول المحاكمات أوجب فيه أن يكون عدد المحكمين وتراً في جميع الأحوال. ولما كان وضع النص على هذا الشكل له من قوى الدلالة على اهتمام المشرع بالموضوع مما يوجب اعتباره من النظام العام الواجب على الطرفين رعايته تحت طائلة الإبطال دون أن يؤثر على ذلك مايصدر عنهما من أوضاع تعتبر تنازلاً عن التمسك بحق الإبطال.
ومن جهة أخرى فإن المشرع لم يقيد الخصوم في طريقة تعيين المحكمين بأي قيد وقد أجاز الاجتهاد لأطراف التحكيم أن يختاروا المحكمين جميعاً عند الاتفاق على التحكيم أو أن يختاروا بعضهم ثم يعودوا ويختاروا البعض الآخر فيما بعد واختيار المحكم الثالث فيما بعد ليس سبباً للبطلان. كما يصح أن يختار الخصوم المحكمين ومن ثم أن يعهدوا إلى المحكمين المعينين اختيار المحكم الثالث أو أن يتركوا أمر المحكم الثالث للقضاء أو لأية جهة أخرى يتم تعيينها في عقد أو صك أو اتفاق التحكيم.
ولكن ما القول إذا كان المحكمين مفوضين بالصلح هل يجوز لهما تعيين الحكم الثالث أو هل يجوز ذلك للمحكمة المختصة إننا نرى أنه لايجوز للمحكمين المنتخبين من الأطراف أو للمحكمة تعيين المحكم الثالث المرجح في هذه الحالة لأن القضاء لايملك تعيين محكم مفوض بالصلح إلا إذا كان اتفاق المحتكمين يخوله ذلك بصراحة ولايجوز ذلك أيضاً للمحكمين المعينين من الأطراف إلا إذا نص اتفاق التحكيم أو صك التحكيم الذي تم تعيينهما بموجبه يخولهما هذه الصلاحية صراحة ونرى أنه لايجوز أن يستخلص هذا التفويض بصورة ضمنية في هذه الحالة لخطورة التحكيم وصفة قرار المحكمين ولأن سلطة المحكمين كهيئة قضائية لها سلطة الحكم لاتخولها التوكيل عن أطراف النزاع في تسمية الحكم المميز.
ومن ثم فإن اعتبار عدد المحكمين وتراً في كل الحالات واعتبار هذه القاعدة من النظام العام لايجعل من عدد المحكمين المخالف لهذه القاعدة صحيحاً في القانون مجرد عدم التمسك بهذا البطلان من أطراف النزاع أو حضورهم أمام المحكمين أو التنازل عن التمسك بالبطلان طالما اعتبر الأمر من النظام العام.
هذا كله في قضايا التحكيم المحلي أو الداخلي والوطني. فماذا عن التحكيم الدولي يؤخذ من أحكام المادة الثانية من نظام التحكيم لغرفة التجارة الدولية أن التحكيم يكون دائماً بواسطة محكم واحد أو ثلاثة محكمين. كما أن النظام المذكور أقر الحق لطرفي التحكيم بتخويل المحكمين المعينين من قبلهما تعيين المحكم الثالث. وقد تضمنت المادة المذكورة أحكاماً خاصة في حال استنكاف أحد الأطراف عن تعيين محكمه أو عدم الاتفاق على المحكم الثالث حيث تقوم هيئة محكمة التحكيم بتعيين من يجب وكل ذلك وفقاً للاجراءات والأصول المنصوص عنها.
وقد أوجبت الفقرة السابعة من المادة الثانية من نظام التحكيم لدى غرفة التجارة الدولية أن يكون كل محكم تعينه الهيئة أو تثبته (والتثبيت هنا يكون بناء على طلب الطرف الذي عينه) أوجبت أن يكون مستقلاً عن الأطراف في التحكيم وأن يظل كذلك وعليه أن يعلم الهيئة كتابة بكل الوقائع والظروف التي يكون من طبيعتها التأثير على استقلاله في نظر الأطراف أو حتى التي تطرأ بين تعيينه أو تثبيته من قبل الهيئة وبين تبليغ الحكم النهائي.
ويبدو أن هذا النظام قد احتاط فيما تضمنه لمصلحة الخصوم وحتى يصدر الحكم في القضية التحكيمية موافقاً للقانون من جهة وآخذاً مصلحة الأطراف ووقائع القضية والاتفاقات بأمانة وصدق لعدالة التحكيم.