الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 522 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
1) – سمي المحكم المفوض بالصلح في التشريع والفقه المصريين المحكم المصالح وسمي في الاجتهاد والفقه اللبناني المحكم المطلق وأما في التشريع السوري فإنه يسمى المحكم المفوض بالصلح.
2) – من المقرر في القانون والفقه أن المحكم المصالح المحكم المفوض بالصلح لايتقيد بقواعد القانون ولايتقيد بأوضاع المرافعات ولابالشكل العام المقرر في قانون المرافعات. إلا أنه عليه أن يعتد بالشكل الخاص الوارد في باب التحكيم وهذا الشكل يلزمه حتماً مالم ينص القانون على غير ذلك صراحة ومن ثم فهو ملزم بمراعاة جميع الأحكام الواردة في باب التحكيم.
ولئن كان من حق المحكمين المطلقين صرف النظر عن تطبيق القواعد القانونية. إلا أن ذلك ثائر مبدئياً على القواعد غير الالزامية وأما القواعد المتعلقة بالنظام العام فهي تفرض على الخصوم كما تفرض على المحكمين أنفسهم الذين يتوجب عليهم التقيد بها. فمن المقرر أنه لايجوز للمحكم المفوض بالصلح الخروج عن مبادىء المحاكمة الأساسية المتعلقة بحق الدفاع واستماع أقوال الطرفين لأنها من أساسيات قواعد العدالة والانصاف ولاتصالها بالنظام العام. ولايجوز له الشذوذ عن المبادىء العامة الأساسية المتعلقة بحق الدفاع أو بتعطيل الحكم مثلاً لاتصالها بالنظام العام. إلا أن الاجتهاد يميل إلى أنه وإن كان لايجوز للمحكم المفوض بالصلح أن يصدر حكمه دون أي تعليل إلا أنه يكفي في هذه الحالة ابراء التعليل بصورة عامة تكفي للتدليل على الأساس الذي قام عليه الحكم.
3) – من المقرر أن المحكمون المفوضون بالصلح لايتقيدون بقواعد القانون المتعلقة بأساس النزاع أو بأصول المحاكمة إلا أن ذلك ليس الزاماً لهم بل لهم اختيار التقيد بقواعد القانون والأصول أو أن يعمدوا إلى تطبيقها على أساس اعتقادهم بأن الانصاف يقتضي ذلك. ومن ثم يجوز للمحكمين أن يستمدوا عناصر قناعتهم من أي دليل دون التقيد بقواعد الإثبات المقررة في القانون.
إلا أنه يلاحظ ومن جهة أخرى أن المحكمين المطلقين مقيدون باصدار القرار في المهلة المعينة إن كان بالقانون أو في عقد التحكيم كما أنهم مقيدون بسائر بنود العقد. والمحكم المصالح وإن كان لايلزم باجراء تحقيقات لأنه لايحكم إلا أنه في الأحوال التي يرى فيها اتخاذ اجراء من اجراءات التحقيق يجب عليه اخبار كل خصم بما يجريه الخصم الآخر لكي يتمكن من الدفاع عن مصالحه.
4) – والآن هل يحكم المحكم المفوض بالصلح في القضية أم انه يجري صلحاً بين طرفي الخصومة قيل أن المحكم بالقضاء يحكم بينما المحكم المصالح يجري صلحاً. إلا أن هذا القول يبقى محل نظر لأن المحتكمين عندما أسندوا إلى فعل هذا المحكم الفصل في النزاع لم يرغبا في النزول عن حقوقهما المتقابلة. بل فوضا المحكم بالحكم بها غير مقيد بقواعد القانون والأصول لاأكثر ولاأقل تسهيلاً لوصول الأطراف إلى الحقوق التي يدعي فيها كلاً منهم من جهة ولثقة الأطراف بهذا الحكم من جهة أخرى.
وعلى هذا قيل أن المحكم المصالح لايملك رفض جميع طلبات أحد أطراف الخصومة. لأنه لايجوز له أن يجرد أحد أطراف الخصومة من كامل مايتمسك به من حقوق وإلا كان هذا الصلح مخبثة. وكان أداة للنزول عن كامل حقوق الخصم. وهو مانزل عنها ومارغب في النزول عنها جميعاً وإنما شاء فقط أن ينزل عن بعضها مقابل أن ينزل خصمه أيضاً عن بعض مايتمسك به أو يعترف له بحقه أو بعضه. وهذا التقابل في الحقوق والالتزامات بين الطرفين قد فوض المحكم المصالح بتنسيقه وتحديده ولم يفوض في أي حال من الأحوال تجريد الخصم من سائر مايتمسك به من حقوق. ويحسم المحكم المصالح الخصومة بأن يقرر في حكمه حق الخصم قبل الآخر.
وعلى هذا نرى أنه إذا أراد المحكم المفوض بالصلح اجراء مصالحة بين الخصوم أو فرض الصلح عليهم لابد له من التقيد بالقواعد المخصصة لاجراء المصالحة والمنصوص عنها في المادة / 517 / ومابعدها من القانون المدني. ولابد من رضاء جميع الخصوم بهذه المصالحة سلفاً ليمكن إثباتها أصولاً. طالما أن الغاية الأساسية من التفويض بالصلح هي اعفاء المحكم من التقيد بقواعد القانون والأصول وليس فرض الصلح على المتخاصمين.
5) – وإننا نرى أن المحكم المفوض بالصلح وإن كان معفياً من التقيد بأصول المرافعات إلا أنه غير معفي من ضوابط الشكل في قانون أصول المحاكمات المدنية والتي توجب عليه تحديد جلسة لنظر الخصومة ودعوة الأطراف أصولاً وفق أحكام القانون ومن ثم احترام القواعد الأساسية في المحاكمة وبناء حكمه على أساس تضمينه صورة عن صك التحكيم وملخص أقوال الخصوم ومستنداتهم وأسباب الحكم ومنطوقه والتقيد بمدة التحكيم. وهو في كل ذلك مثله مثل المحكم بالقضاء تماماً. ولو شئنا الخروج عن هذه القواعد لأصبح التحكيم بالصلح مخبثة ولأصبح بإمكان كل طرف من أطراف النزاع استغلال المحكم والحصول على مايريده خاصة وأن أحكامه قطعية لايجوز استئنافها. بالإضافة إلى أن المحكم المصالح ملزم بفتح صحيفة اثناء المحاكمة (ضبط محاكمة) يريد ذلك أنه ملزم باصدار حكمه خلال مدة التحكيم القانونية أو الاتفاقية. ويعبر وجود ضبط المحاكمة كيف يمكن التأكد من أنه قد أصدر حكمه خلال المدة المحددة وبالاعتماد على تاريخ الحكم فقط خاصة إذا ادعي بالتزوير.