الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 523 من قانون أصول المحاكمات السوري

الرأي الفقهي
يلاحظ أن المشرع ورغبة منه في إصدار حكم المحكمين في وقته المحدد أوجب على الخصوم أن يختموا أقوالهم قبل انقضاء الميعاد المحدد للحكم بخمسة عشر يوماً تحت طائلة الحكم في القضية بحالتها الراهنة في ذلك الوقت. وبالتالي فإنه لايجوز لأي من الخصوم خلال الخمسة عشر يوماً الأخيرة أو النصف الأخير من المدة المحددة للحكم إن قلت المدة عن أربعة أسابيع – أي بعد اقفال باب المرافعة – أن يتقدم بأية طلبات أو دفاعات جديدة. على أنه للمحكمين قبول مايشاؤون بعد ذلك بشرط تبادل اعلان المذكرات أو التأشير عليها من الخصم باطلاعه عليها كما هي الحال أمام المحاكم. وعلى أن لايخل ذلك في الموعد المحدد لاصدار الحكم إلا بموافقة الخصوم جميعاً على تحديده.
وإذا صدر حكم المحكمين خلال الخمسة عشر يوماً المشار إليها في المادة 523 وقبل انتهاء مدة التحكيم فإن هذا الحكم يكون صحيحاً ولو لم يسمح المحكمون لأحد الخصوم بأن يدلي بأقوال ودفوع جديدة بعد أن أقفل باب المرافعة في الوقت المحدد له.
ولكن إذا أقفل المحكمون باب المرافعة قبل حلول الخمسة عشر يوماً الأخيرة من مدة التحكيم وأصدروا حكمهم فإن هذا الحكم يعتبر صحيحاً إذا كان الخصوم قد أدلوا بكافة دفوعهم وأقوالهم وختموها. حيث أن ختامهم لها يعتبر تفويضاً للمحكمين بالحكم في موضوع النزاع فوراً. أما إذا كان أحد أطراف النزاع لم يدل بعد بكافة أقواله ولم يختمها أيضاً فإن حكم المحكمين والحالة هذه يعتبر باطلاً لاخلال المحكمين بحقوق الدفاع المشروعة بالنسبة للخصوم ويكونوا قد أصدروا حكمهم قبل أوانه. أما الأحكام والقرارات الاعدادية التي يتخذها المحكمون قبل هذه المدة فهي صحيحة لأنها لاتنهي النزاع وإنما يبقى الباب مفتوحاً للرجوع عن مثل هذه القرارات عند الاقتضاء.
وبشكل عام فإنه يحق للخصوم أن يبدوا جميع أوجه الدفع والدفاع أمام المحكمين سواء كانت أوجهاً أولية أي فرعية أم أوجهاً موضوعية. غير أن بعض الدفوع بطبيعته لايمكن قبوله أمام المحكمين كطلب الاحالة لقيام الدعوى أمام محكمة أخرى أو للارتباط أو كطلب ادخال ضامن في الدعوى فإن المحكمين لايمكنهم ضم دعاوى أخرى إلى مااشترط في تحكيمهم.
وبالإجمال فإن المشرع كان حريصاً في هذا النص على اصدار حكم المحكم في موعده المحدد وقبل انقضاء الميعاد المحدد لاصدار الحكم نظراً للآثار القانونية التي تترتب على انقضاء الميعاد المحدد للحكم. فهو بتحديده للمهل والمواعيد القانونية لتقديم الدفوع والمستندات إنما أراد ضغط المواعيد ومنع أحد الخصوم من المماطلة أو إطالة أمد النزاع والمحاكمة لمدة تزيد عن الوقت المخصص للحكم هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن المشرع كان حريصاً أيضاً على اعطاء المحكمين المهل والمدد الكافية لدراسة القضية واصدار الحكم فيها.
ويلاحظ أن جميع تقنينات البلاد العربية تنيط بالمحكمين تحديد مواعيد تقديم مذكرات الدفاع والمستندات بحيث يقوم المحكم أو المحكمين بتكليف الخصوم لتقديم دفوعهم ومستنداتهم خلال مهلة معينة تحت طائلة الفصل في الدعوى. وان هذا يعمل به سواء في التحكيم بالصلح أو في التحكيم بالقضاء. ومع ذلك نرى أن المواعيد المحددة في المادة 523 أصول إنما هي مواعيد تنظيمية فقط وضعت في الأصل من أجل حث الأطراف على تقديم دفوعهم ومستنداتهم أمام المحكمين في آجال معينة تسبق صدور حكم المحكمين وهي في كل الأحوال لايجوز أن تخل بحق الخصوم في تقديم دفوعهم ولايجوز أن تؤدي إلى الاخلال بحق الدفاع المقدس. طالما أن شراح القانون قالوا بأنه لايجوز الفصل في طلبات دون اعلان الخصوم بها ولايفصل بها إلا بعد التحقق من صحة اعلانه أو اخطاره بها. ولاتبدي طلبات جديدة أو تعدل الطلبات في جلسة تخلف فيها الخصم الموجهة إليه هذه الطلبات. وعلى المحكم أن يمكن كل خصم من الاطلاع على الأوراق والمستندات التي يقدمها الخصم الآخر ويمنح الخصوم الآجال الكافية لاعداد الدفاع والرد على الأقوال والمستندات. وبأنه يتوجب على المحكم أن يخبر الخصم والخصوم بتاريخ الجلسة المحددة لاتخاذ اجراءات الإثبات. ويجب اتباع هذه القواعد الأساسية حتى ولو كان المحكم محكماً مصالحاً طالما أنها من القواعد الأساسية للمحاكمة ومن النظام العام. بجمع هذه المبادىء القانونية التي تسود المحاكمة التحكيمية والمدد القانونية التي تستغرقها فإننا نجد أن مانص عليه المشرع في المادة 523 أصول إنما هو في الحقيقة يكون من أجل الحفاظ على مواعيد اصدار الأحكام لاأكثر ولاأقل والتضييق على أطراف الخصومة منعاً للماطلة والتسويف. ويلاحظ أن المشرع المصري في التعديل الذي أجراه على قانون المرافعات المصري بالقانون رقم 13 لعام 1968 قد حذف هذا النص من قانونه نهائياً. ونحن نعتقد أن حذفه من قانون المرافعات المصري جاء في محله حفاظاً على قدسية الدفاع وحرية الخصوم في تقديم دفوعهم والحفاظ على مبادىء المحاكمة الأساسية التي تعتبر من النظام العام.