Call us now:
الرأي الفقهي
التدابير الاحترازية وأنواعها حددتها المواد 70- 73 ويعد التدبير الاحترازي إلى جانب العقوبة الوسيلة الثانية للسياسة الجنائية في مكافحة الإجرام.
ولهذه التدابير أنواع متعددة ويفسر هذا التعدد تنوع صور الخطورة الجرمية ودرجاتها والحاجة إلى مواجهة كل صورة أو درجة بالتدبير الملائم لذلك. وأهم تقسيم لها هو الذي يعتمد على موضوعها. فبعض التدابير مانع للحرية وبعضها مقيد لها وبعضها مانع للحقوق وبعضها عيني.
وفي هذا الموضوع سنتحدث عن كل تدبير أتت على ذكره هذه المواد 71 / 73 عقوبات فنقول من حيث علاقة التدابير الاحترازية بالعقوبة فقد يكون بعضها مفترضاً انعدام الأهلية للمسؤولية العقابية. كاعتقال المجرم المجنون ومن ثم لا يتصور اجتماعه إلى جانب العقوبة وبعضها يفترض هذه الأهلية ناقصة.. أو كاملة ومن ثم يتصور إضافته إلى العفوية كاعتقال المجرم المعتوه أو معتاد الإجرام. ومن حيث وسائلها في مواجهة الخطورة الجرمية فإن بعض التدابير تتذرع بالعلاج أو التهذيب للقضاء على الخطورة والبعض الآخر لا يجد لذلك محلاً أو لا يرى منه أملاً فيكتفي بمجرد وضع من ينزل به في ظروف مادية تحول بينه وبين الإقدام على جرائم تالية.
ولكل تدبير احترازي على حدة شروطه التي تستخلص من نوع ودرجة الخطورة الجرمية التي يراد له أن يواجهها وتختلف التدابير فيما بينها من هذه الوجهة وقد حددت المادة / 70 / من قانون العقوبات هذه فردتها إلى ثلاث أولها الحجز في مأوى احترازي العزلة الحجز في دار التشغيل.
والحجز في مأوى احترازي هو تدبير علاجي مانع للحرية غير محدد المدة وهو يعني إيداع من ينزل به في مستشفى على نحو يزول به مرضه أو تخف وطأته فتزول تبعاً لذلك خطورته الجرمية. ومن ثم كان التدبير مخصصاً لفئة من المجرمين خطرين على المجتمع ومصدر خطورتهم مرض يعانون منه فيكون في علاجهم السبيل إلى استئصال هذه الخطورة.
ويخضع لهذا التدبير أساساً المجرمون المجانين وهم من حيث الخضوع لهذا التدبير فئتان الأولى تضم من كانت جرائمهم جنايات.. أو جنح مقصودة عقابها سنتين على الأقل. وأما الفئة الثانية فتضم من كانت جرائمهم جنحة غير مقصودة. أو جنحو مقصودة عقابها الحبس أقل من سنتين. وهم لا يودعون في المأوى الاحترازي إلا إذا تحقق القاضي من خطورتهمانظر المادة 232 عقوبات وإذا ثبت أن مجرماً محكوماً عليه بهذه العقوبة ممسوس أو مدمن للمخدرات أو الكحول وكان خطراً على السلامة العامة يقضي في الحكم بحجزه في مكان من المأوى الاحترازي ليعالج فيه أثناء مدة العقوبة.. الخ. وإذا ظل المحكوم عليه بعد انتهاء مدة عقوبته خطراً على السلامة العامة يضبط في المأوى الاحترازي بموجب قرار من المحكمة نفسها لمدة لا تتجاوز الخمس سنوات أنظر المادة 233 عقوبات.
إلا أنه إذا نزل هذا التدبير بمجرم مجنون فهو غير محدد المدة على الإطلاق فيتعين أن يستمر ما استمر الجنون ودامت الخطورة الجرمية. ولكن الشارع قد حرص على حماية الحريات الفردية وأوجب بالمادة 75 / عقوبات إخضاع مدة هذا التدبير للإشراف القضائي كي لا يبقى المجنون معتقلاً بعد زوال أسباب حجزه فأجب على طبيب المأوى الاحترازي أن ينظم تقريراً بحالة المحكوم عليه كل ستة أشهر وأضاف إلى ذلك وجوب أن يعوده مرة في السنة على الأقل طبيب تعينيه المحكمة التي قضت بالحجز.
وأما العزلة فهي تدبير احترازي مانع للحرية تفرض على معتاد الإجرام إلى جانب العقوبة التي يقضى بها عليه من أجل جريمته الأخيرة. ويهدف هذا التدبير إلى إبعاد من ينزل به عن المجتمع كي لا يهدده بمخاطر جرائم تالية ويعني ذلك استبعاده من المجتمع حتى تزول خطورته حين يغلب الاحتمال في عدوله عن طريق الإجرام. ويشرط تنفيذ العزلة في مؤسسة للتشغيل. ويحدد القاضي المؤسسة التي يودع المجرم فيها. وإذا غادر المحكوم عليه لأي مدة كانت المؤسسة التي حجز فيها تعرض للحبس مع التشغيل من سنة إلى ثلاث سنوات أنظر المادتان 77 و 78 عقوبات وأنزل تدبير العزلة مخصص للمجرمين المعتادين على الإجرام فلا ينزل بمجرمين سواهم. ويتعين لإنزال هذا التدبير توافر جمع عناصر اعتياد الإجرام والتكرار. والحد الأدنى لتدبير العزلة هو ثلاث سنوات.. وأما حدها الأقصى فهو خمس عشرة سنة ويطبق هذان الحدان ما لم ينص القانون على خلاف ذلك في حالة معينة كالوضع في الحالة التي تنص عليها المادة / 255 / عقوبات والتي جعلت الحد الأدنى سبع سنوات.
أما الحجز في دار التشغيل فهو تدبير مانع للحرية يستهدف خلف الاعتياد على العمل تمهيداً لخلق الاعتياد على أسلوب من الحياة المنظمة والمطابقة للقانون. ويطبق هذا التدبير الذين يثبت أن سبب إجرامهم هو الكسل. وقد نص القانون على خضوع من يفرض عليه هذا التدبير للنظام المعين في المادتين 57 و 58 عقوبات. وقد حدد الشارع المجرمين الذين ينزل عليهم هذا التدبير وهم بصفة عامة المستولون والمشردون البالغون أنظر المواد 596 – 604 عقوبات. ونص الشارع على أنه لا يمكن أن تنقص مدة الحجز في دار التشغيل عن ثلاثة أشهر أو تزيد عن ثلاث سنوات المادة / 79 / ويحدد وهناك حالات من التدابير الاحترازية حددها المادة / 71 / عقوبات فحصرتها بخمس حالات منع ارتياد الخمارات ومنع الإقامة والحرية المراقبة والرعاية والإخراج.
الحالة الأولى منع ارتياد الخمارات وهو تدبير احترازي يفرض على من ينزل به حظر دخول أماكن محددة بحسب تخصيصها ويمكن تعريفها بأنها أماكن عامة تقدم فيها المشروبات الكحولية نظير ثمن ويسمح لروادها بالمكوث فيها لتناول هذه المشروبات.
وحدد القانون هذه الحالات بأنها حيث يثبت أنه قد اقترفت جناية أو جنحة بتأثير المشروبات الكحولية – المادة 80 عقوبات ولم يحدد الشارع نوع هذه الجناية أو الجنحة. بل اقتصر على تطلب اقترافها بتأثير الخمر فهي تحدد بنوع العامل الجرمي الذي دفع إلى ارتكابها. ويعني ذلك أن مهمة القاضي تقف عند التحقق من توافر صلة سببية بين تأثير الخمر على المدعي أو الإرادة.. وبين الجناية أو الجنحة.
وجعل الشارع مدة هذا التدبير متراوحة بين سنة سنوات ومن صياغة هذا النص نجد بأن التدبير محدد المد فعلى القاضي أن ينين في حكمه لمدة التي يقدر ملاءمتها لتحقيق هدف هذا التدبير شخص المجرم.
وجعل الشارع جزاء الإخلال بهذا التدبير الحبس من عشرة أيام إلى ثلاثة شهور وينزل العقاب نفسه بالبائع ومستخدميه إذا قدموا المشروبات الروحية وهم على علم بالمنع النازل به.
وهناك التدبير الاحترازي التي أتت على ذكره المادة 71 عقوبات وعرفته المادة 81 منه ويعني هذا التعريف أن المنع من الإقامة تدبير مقيد للحرية بفرض من ينزل به عدم الظهور في أماكن محددة وفيما عدا هذا الحظر فإنه يتمتع بحريته على الوجه المعتاد.
وهذا التدبير يستهدف الكفاح ضد التكرار فالشارع يريد بتدبير منع الإقامة تجنيب المجتمع ظروفها تدفع إلى ارتكاب المزيد من الجرائم. وحدد هذه الأماكن بنوعين أماكن تمنع الإقامة فيها بقوة القانون.. أي بغير حاجة إلى نص القاضي على منع الإقامة فيها. وهذه الأماكن عرفتها الفقرة الثانية من المادة 81 / عقوبات. والنوع الثاني هي الأماكن التي يعينها القاضي في حكمه والتي يحددها بالرجوع إلى الظروف الخاصة بالجريمة أو المجرم ووفق سلطته التقديرية.
وقد حدد الشارع حالتين لإنزال هذا التدبير بمنع الإقامة من حكم عليه بعقوبة جنائية مانعة أو مقيدة للحرية.. من حكم عليه بالإعدام أو بالأشغال الشاقة المؤبدة أو بالاعتقال المؤبد وأعفي من عقوبته… إلخ أنظر المادة 82 / عقوبات.
ووضع الشارع هذا التدبير بين حد أدنى عام هو سنة واحدة وحد أقصى عام هو خمس عشرة سنة. وقرر بعد ذلك قواعد خاصة بكل حالة ينزل فيها هذا التدبير. وفي الحالة الأولى تكون مدته موازية مدة العقوبة المقضى بها وفي الحالة الثانية تكون مدتها خمس عشرة سنة وفي الحالين تتقيد مدته بالحدين العامين السابقين. وخول الشارع القاضي أن يقرر زيادة حدة التدبير.. أو الإنقاص منها. بل إن له إعفاء المحكوم عليه منها نهائياً. ويتقيد القاضي في حالتي الزيادة والإنقاص بالحدين العامين السابقين. وقد عددت المادة / 83 / جزاء الإخلال بتدبير منع الإقامة وتتحقق المخالفة بظهور من نزل به التدبير في أحد الأماكن المحظور عليه الإقامة فيها خلال المدة المقرر خلالها الحظر.
وقد حدد الشارع بهذه المخالفة أحد جزاءين الجزاء الأول يتخذ صورة العقوبة هي الحبس الذي يتراوح بين حد أدنى هو ثلاثة شهور وحد أعلى هو ثلاث سنوات. أما الجزاء الثاني فيتخذ صورة تدبير احترازي آخر يحل محل منع الإقامة. وهذا التدبير هو الحرية المراقبة وقد بين الشارع الحد الأدنى وجعله المدة التي لا تزال متبقية من مدة منع الإقامة.. أما الحد الأقصى فلا يبينه الشارع ومن ثم ينبغي أن يكون الحد الأقصى العام للحرية المراقبة خمس سنوات وفق ما نصت عليه المادة / 85 / عقوبات.
والحرية المراقبة تدبير احترازي مقيد للحرية ينبغي توفير معاملة خاصة لم ينزل به وتستهدف تحقق إصلاحه وضمان ائتلافه مع المجتمع وقوام هذه المعاملة مجموعة من الالتزامات تفرض عليه ورقابة يخضع لها. ولكن عناصرها غير مستقرة خلال هذه المدة إذ يجوز التعديل فيها إذا تبين أن حالة المحكوم عليه قد تطورت بما يقتضي ذلك التعديل. وعلى الرغم من أن هذا التدبير يفترض تقييد الحرية دون منعها فإن من ينزل به يتعرض لمنع الحرية إذا خالف الأحكام التي ينطوي عليها هذا التدبير وهذه الحكام أتت على ذكرها المادة 84 / عقوبات.
وقد فرض الشارع على المحكوم عليه بهذا التدبير الالتزامات التي تنطوي عليها تدبير الحرية المراقبة وفي النهاية فإنه يتعين عليه أن يخضع للالتزامات التي يفرضها القاضي عليه ويعني ذلك أن الشارع قد خول القاضي سلطة تحديد التزامات تفرض على المحكوم عليه ولم يبين الشارع هذه الالتزامات وإنما أشار إلى الهدف الذي تتجه إليه وهو تجنيب عودة المحكوم عليه إلى الجريمة واستعبر الشارع تعبير خشية المعاودة ترجم للتعبير الفرنسي ( ). وفي هذا الهدف يحدد القاضي الالتزامات التي يكون من شأنها تحقيقه. وغني عن البيان أن القاضي لا يستطيع تحديد الالتزامات المجدية بالنسبة للمحكوم عليه في تحقيق هذا الهدف. إلا إذا تعرف على العوامل التي قادته إلى الجريمة واجتهد في أن يرسم له عن طريق هذه الالتزامات أسلوب حياة يتحرر قادته من تأثير هذه العوامل وتتوافر له به الإمكانيات التي تقيم له مقاومة تأثيرها أن تعرض له في المستقبل.
ويفترض تدبير الحرية المراقبة خضوع المحكوم عليه لرقابة تباشرها هيئة مخصصة بالمراقبة وقد قرر الشارع بالمادة / 85 / أنه إذا لم تكن من هيئات خاصة للمراقبة تولت أمرها الشرطة. ويلتزم القائم بالمراقبة أن يقدم إلى القاضي تقريراً عن سيرة المحكوم عليه مرة كل ثلاثة أشهر على الأقل أنظر المادة 85 عقوبات.
وجزاء الإخلال بتدبير الحرية المراقبة نصت عليه المادة 86 / عقوبات. ويتحقق هذا الإخلال بالالتزامات التي نص القانون عليها هو الحبس مع التشغيل الذي يتراوح بين حد أدنى هو ثلاثة أشهر وحد أقصى هو ثلاثة سنوات وذلك ما لم ينص القانون على جزاء آخر كما سبق وأشرنا.
أما تدبير الرعاية عرفتها المادة / 87 / من قانون العقوبات ويعني ما جاء بالنص ذلك أن تدبير الرعاية ينطوي على مساعدة تقدم إلى المحكوم عليه تمكيناً من بناء مركزه في المجتمع وهو ينطوي كذلك على رقابة السلوك المحكوم عليه للتعرف على الطريق الذي اختطه في حياته.. فإذا كان من شأنه أن يقود إلى الجريمة اتجهت جهود المساعدة إلى صرفه عنه.
يفرض تدبير الرعاية على الأشخاص الذين قضي عليهم بعقوبات مانعة للحرية.. ثم استوفوا مدتها فأفرج عنهم وتستهدف الرعاية إزاءهم أمرين تكملة جهود التهذيب والتأهيل التي بذلت أثناء تنفيذ العقوبة وصيانة آثار هذه الجهود كي لا تفسدها العوامل الاجتماعية التي غالباً ما يتعرض لها المفرج عنه في الفترة التالية مباشرة للإفراج.
وتتولى الرعاية مؤسسات خاصة تعترف بها الدولة وقد حدد الشارع واجباتها في الرعاية على الوجه التالي توفير العمل للمحكوم عليه ويمكن أن تسلم إليها نقوده لاستعمالها في مصلحته على أفضل وجه لا يسيء إلى سمعته ولا يلتفت إلى ماضيه الجرمي أنظار الناس إلى آخر ما أتت عليه المادة / 87 / عقوبات.
الحالة الخامسة التي أتت على ذكرها المادة 71 والمادتان 88و89 عقوبات الإخراج من البلاد وهو تدبير احترازي مقيد للحرية ويفرض على الأجنبي الذي ينزل به.. مغادرة الإقليم الوطني وحظر العودة إليه أبداً أو المدة المحددة التدبير. ويتضح من هذا التعريف أن الإخراج من البلاد تدبير لا ينزل إلا بالأجانب. ويتعين على من يفرض عليه هذا التدبير مغادرة الإقليم السوري بوسائله الخاصة في مهلة خمسة عشر يوماً.. ويبرر هذا التدبير. أن بعض الأجانب خطرون فإن تركوا يقيمون في الإقليم السوري فإن احتمال إقدامهم على جرائم تالية كبيرة. فأراد الشارع بتقرير إخراجهم من البلاد لتجنيبها ظروفاً تنطوي على خطورة جرمية. وخاصة لا وجود لالتزام يفرض على السلطات السورية بتركهم يقيمون في الإقليم السوري.
والحالة الأساسية لإنزال هذا التدبير هي حالة الأجنبي الذي يحكم عليه بعقوبة جنائية والتدبير في هذه الحالة جوازي. ولا يوقع إلا بموجب فقرة صريحة خاصة في الحكم. أما إذا حكم عليه بعقوبة جنحية فإن هذا التدبير لا ينزل إلا في الحالات التي ينص عليها القانون.
وهذا تدبير يكون إما مؤبد إما لمدة تتراوح بين ثلاث سنوات وخمس عشرة سنة وقد ترك الشارع حق هذا التقدير للقاضي. فإن جعله مؤقتاً فعليه أن يحدد مدته بين الحدين السابقين.
وكل مخالفة لتدبير الإخراج قضائياً.. أو إدارياً يعاقب عليه بالحبس من شهر إلى ستة أشهر. أنظر المادة 89 عقوبات وتتخذ مخالفة تدبير الإخراج من البلاد إحدى صورتين الأولى عدم مغادرة الأراضي السورية في خلال خمسة عشر يوماً التي تبدأ من تاريخ صيرورة الحكم واجب التنفيذ والعودة إلى الأراضي السورية قبل انقضاء التدبير.
بتوسع عن الدكتور محمود نجيب حسني والدكتور عبد الوهاب حومد والدكتور محمد الفاضل والدكتور محمود محمود مصطفى والدكتور سعيد مصطفى السعيد وسعيد البغال والدكتور عبود السراج.