الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 117 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

لا بد من تمهيد لتطبيق التدابير الاحترازية. لنصل إلى حساب العقوبات والتدابير الاحترازية ومددها فنقول
يثير البحث في تطبيق التدبير الاحترازي التساؤل عن قواعد توزيع الاختصاص في شأنه بين المشروع.. والقاضي. وهذه القواعد إن اختلفت عن مثيلتها في العقوبة فهي تقوم على محاولة توزيع منطقي متعادل للاختصاص تراعى فيه الطبيعة الخاصة للتدبير الاحترازي وأغراضه. وقد يكون من شأن ذلك بعض التوسع في سلطة القاضي… وهو توسع مستند إلى تفويض تشريعي اقتضته طبيعة التدبير وقد يكون من شأنه إغفال بعض النظم التي ترسم حدود سلطة القاضي في تطبيق العقوبة.
إن خضوع التدبير الاحترازي لمبدأ الشرعية استهدف الوقاية الاجتماعية. لا الجزاء وعلى أنه قد يكون إجراء علاجي.. أو تهذيبي يستفيد منه المحكوم عليه مباشرة فإنه يخضع لمبدأ الشرعية أسوة بالعقوبة. وقد حرص الشارع على تقرير ذلك. فنص قانون العقوبات بالفقرة الأولى من المادة الأولى على أنه لا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي أو إصلاحي من أجل جرم لم يكن القانون قد نص عليه حين اقترافه وتؤكد ذلك المادة الثانية عشر من قانون العقوبات فتقرر أنه لا يقتضي بأي تدبير احترازي أو أي تدبير إصلاحي إلا في الشروط والأحوال التي نص عليها القانون.
ويعلل خضوع التدبير الاحترازي لمبدأ الشرعية بالحرص على حماية الحريات الفردية فالتدبير كالعقوبة يمس حق لمن ينزل به وقد يكون المساس قاسياً كما لو كان التدبير مانعاً للحرية خاصة وإن هذا المنع يغلب أن يكون غير محدد المدة ومن ثم يكون إخضاع التدبير للشرعية الضمان لكي لا يتحول إلى سلاح استبداد.. وتنكيل السبيل إلى التيقن من أنه لن يوقع إلا حيث تقتضي المصلحة الاجتماعية ذلك.
ومن أهم الأحكام التي يتميز بها التدبير الاحترازي غير محدد لحظة النطق به… سواء من حيث نوعه أو مدته ويرتبط تحديده بالتطور الذي يطرأ على الخطورة الجرمية ولا تنتهي إلا عند التثبت من زوال هذه الخطورة.
إلا أن التدبير الاحترازي يخضع لأحكام تحدد مدته وموعد ابتدائها وأسلوب معاملة المحكوم عليه به.. ويخض بعد ذلك لأحكام تحدد موعد انقضائه وهذه الأحكام الأخيرة يتضمنها وقف الحكم النافذ الذي نأتي على ذكره بذيل المادة 168 وما يليها.
ومن استقراء المواد من 70 حتى 111 نلحظ بأن الشارع لم يأتي على حساب مدة التوقيف أو من ينزل به الحجز فنقول إن مدة التدبير الاحترازي وطرق تنفيذ بالأصل أن لا يحدد القاضي للتدبير الاحترازي مدته. وإنما يقتصر على الأمر به ويترك لسلطة التنفيذ تحديد موعد انقضائه فيما يتحقق لها انقضاء الخطورة الجرمية كما سبق وذكرنا. إلا أنه قد يخول الشارع للقاضي مدة التدبير. إذا رجح أن في وسعه تحديد نوع الخطورة ومقدارها ثم النطق بتدبير ذو مدة معينة يغلب إلى أن تنقضي إلا عند زوال الخطورة. وهذا التحديد القضائي قابل للتعديل عن طريق المراجعة القضائية.
إلا أن الشارع وحرصاً منه على العدالة وعن ضياع حق المدعى عليه قد وضع القواعد لحساب مدة التدبير الاحترازي وتنفيذه بمجرد صدور الحكم به دون توقف على صيرورته مبرماً فينفذ قبل مواعيد المراجعة ولا يوقف تنفيذه بمراجعته فعلاً. وعلى هذه القاعدة أن التدبير الاحترازي يواجه خطورة جرمية حالة فيتعين تنفيذه بمجرد التحقق منها إذ أن كل تراخ يهدد المجتمع بضرر. ولكن هذه القاعدة يرد عليها التعديل حين تجتمع مع التدبير تدابير أخرى. أو عقوبات إذ يثور التساؤل عن الترتيب الذي يتبع في تنفيذها وقد يكون من شأن إتباع ترتيب معين أن يتراخى تنفيذ التدبير وقتاً بعد صدور الحكم به. ومن المحتمل أن ينص الشارع على أن لا ينفذ التدبير إلا إذا صار الحكم به مبرماً.
إذاً التدبير بالحجز في مأوى احترازي ينفذ في الحالة. أي بمجرد صدور الحكم به دون ما التفات إلى أي عقوبة أخرى أو أي تدبير احترازي آخر يمنعان الحرية أو يقيدانها.
أما التدابير الاحترازية الأخرى المانعة للحرية أو المقيدة لها فهي تنفذ بعد انقضاء تنفيذ العقوبات المانعة للحرية. وإذا اجتمعت تدابير مانعة للحرية وأخرى مقيدة لها.
بدئ بتنفيذ الأولى في الترتيب الآتي الحجز في مأوى ثم العزلة ثم الحجز في دار التشغيل. وينفذ تدبير الإخراج من البلاد قبل أي تدبير احترازي آخر أو أي عقوبة مانعة من الحقوق كما سبق وأشرنا في الهوامش السابقة.
وتنفذ سائر التدابير الاحترازية المانعة للحقوق… أو العينية منذ اليوم الذي يصير الحكم فيه مبرماً. وقد نصت على المادة هذه القاعدة المادتان 115 و116 عقوبات.
إن المشرع لم يتعرض لحسم مدة التوقيف من مدة التدبير الاحترازي. ذلك أنه لا محل لفكرة الإيلام المقصود في تنفيذ التدبير حتى يقال بالتعادل بين هذا الإيلام.. وإيلام التوقيف الاحتياطي. وقد سلم الشارع بهذه الحقيقة. إلا أنه رخص للقاضي أن يقرر خلافاً لهذا الأصل – حسم التوقيف الاحتياطي من مدة التدبير الاحترازي المانع للحرية مراعياً في ذلك أن عنصر الإيلام وأن يكون غير مقصود فهو واضح في تدبير المانع للحرية. فإن قدر القاضي جسامة إيلام التوقيف الاحتياطي. كان له استجابة لاعتبارات العدالة أن يقرر الحسم أنظر المادة 117 الفقرة الثانية.
وينصح من هذه الوجهة وعلى ما نصت عليه المادة / 117 / الفقرة الثانية فارق جوهري بين العقوبة والتدبير الاحترازي فالحسم يحصل بقوة القانون بالنسبة للعقوبة فلا يشترط نص القاضي عليه في الحكم وليست له السلطة في الحرمان منه أما بالنسبة للتدبير الاحترازي فلابد من نص القاضي الصريح على الحسم.. وله السلطة في منحه أو منعه.
وقواعد تنفيذ العقوبات المقيدة للحرية أن الأصل فيها أن تنفذ فوراً بمجرد أن يصبح الحكم الصادر بها نهائياً وكذلك في الأحوال التي يكون الحكم فيها مع النفاذ المؤقت أنظر المادتان 444 / 458 أصول جزائية. إلا أن هذا القانون ينص على حالات يؤجل فيها التنفيذ. وتأجيل التنفيذ قد يكون وجوبياً.. وقد يكون جوازياً. والسلطة التي تأمر بالتأجيل هي السلطة التي تأمر بالتنفيذ. وهي النيابة العامة.
تأجيل التنفيذ الوجوبي ويكون هذا التأجيل لتنفيذ العقوبة المقيد للحرية واجباً في حالة جنون المحكوم عليه.. ويمكن إعفاؤه. وهذا ما نصت عليه المادتان 230 و 231 / عقوبات إذ جاء نص المادة 230 يعفى من العقاب من كان في حالة جنون وجاء في المادة / 231 / – من ثبت اقترافه جناية أو جنحة مقصودة عقابها الحبس سنتان وقضي بعدم مسؤوليته بسبب فقدانه العقل حجز بموجب فقرة خاصة من حكم البراءة في مأوى احترازي. وتأجيل التنفيذ هنا واجب لأنه ممتنع قانوناً إذ لا توقع عقوبة على مجنون وفقاً للقواعد العامة. ومن المسلم به أنه إذا بدئ بتنفيذ العقوبة المقضى بها فلا يجوز تعليق التنفيذ حتى تنقضي كل مدتها وتبلغ غايتها. فلا تجزئة في تنفيذ العقوبات المانعة للحرية. غير أن هذه القاعدة لا تخلو من استثناء في حال جنون من حكم عليه بهذه العقوبات المانعة للحرية أو المقيدة لها أثناء تنفيذ الحكم. فإنه يقرر تعليق التنفيذ وحجز المحكوم عليه في مأوى احترازي حيث يعني به العناية التي تقتضيها حالته. ولا يجوز في هذه الحالة أن تتجاوز مدة الحجز ما بقي من زمن العقوبة التدبير الاحترازي إلى آخر نص المادة 76 عقوبات يرجى الرجوع إليها.
التأجيل الجوازي وهذا التأجيل للتنفيذ يكون جوازياً في عدة حالات روعي فيها عوامل إنسانية وهذه الحالات.
1 – بالنسبة للمرأة الحامل فتنص المادة / 454 / فقرة 4 أصول جزائية يؤجل إنفاذ الإعدام بالحامل إلى أن تضع حملها. كذلك المادة 55 / عقوبات نصت على أن 1 – لا تنفذ بالحامل غير الموقفة إلا بعد أن تضع حملها بستة أسابيع وجاء بالفقرة الثانية إذا حكم بالعقوبة على الزوجين وكان لهما ولد دون الثامنة عشر نفذت العقوبة فيهما على التتالي. وجواز تأجيل التنفيذ هنا مقصود به رعاية مصلحة الصغير.
وتحدد مدة العقوبة وتحسب وفق ما نصت عليه المواد / 112 / 117 / عقوبات.. وقد نصت / 113 / 1 – أن كل عقوبة مانعة أو مقيدة للحرية تحسب من اليوم الذي بدء فيه بتنفيذها بموجب الحكم الذي أصبح مبرماً. 2 – إذا اجتمعت عدة عقوبات مانعة نفذ أشدها أولاً. 3 – وإذا اجتمعت عقوبات مانعة للحرية وعقوبات مقيدة للحرية نفذت في البدء العقوبات الأولى.
أما حساب مدة إنزال التدبير بالمدعى عليه أتت على ذكرها المادة / 444 / وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمادة / 112 / عقوبات حيث نصت على ما يلي
1 – يوم العقوبة أو التدبير الاحترازي أربع وعشرون ساعة والشهر ثلاثون يوماً وما جاوز منهما الشهر حسب من يوم إلى مثله وفاقاً للتقويم الميلادي. 2 – فيما خلا الحالة التي يحكم بها على الموقف لمدة أربع وعشرون ساعة يطلق سراحه قبل ظهيرة اليوم الأخير.
ومما يلاحظ من نص هذه المادة بأن الشارع أخذ بهذا النص حساب العقوبة ومدتها وفق التقويم الميلادي.
وتنتهي العقوبة بانتهاء المدة المقررة في الحكم مع خصم الحبس الاحتياطي إن وجد. وإذا انتهت العقوبة وجب الإفراج عن المحكوم عليه في اليوم التالي ليوم انتهاء العقوبة في الوقت المحدد للإفراج عن المساجين إذا قضي بهذا النص بالحكم صراحة.
ووقف ما نصت عليه المادة 117 / عقوبات المانعة أو المقيدة للحرية ويحسم هذا التوقيف من الغرامة بمقدار ما يقرره القاضي وفاقاً لأحكام المواد 54 و 62 و 34 ويسقط من مدة التدابير الاحترازية المانعة للحرية إذا قضى القاضي صراحة في الحكم أنظر المادة 117 / عقوبات وهامش صفحة 67 وما يليها.
وذلك لأن الحبس الاحتياطي ليس عقوبة.. وإنما هو إجراء يتخذ للتحفظ على المتهم حتى لا تهرب ومن ثم تمنع تدخل في التحقيق وتأثيره في مجراه إذا كان مطلق السراح. وذلك يقرر قانون السجون كثيراً من الميزات للموقوف احتياطياً لتهوين أثر الحبس عليه بقدر الإمكان.
إلا أن الحبس الاحتياطي مع ذلك مقيد للحرية ولا ينبغي باسم التوقيف الاحتياطي إطالة مدة تقييدها لأكثر من مدة العقوبة المحكوم بها.
ولذلك تقرر القوانين عامة خصم مدة الحبس الاحتياطي عند التنفيذ.. أو عن الحكم رغم الخلاف بينها في التفاصيل. والقانون السوري يوجب الخصم عند التنفيذ على ما تقدم من نص المادة / 117 / عقوبات.
وأما ما نصت عليه المادة / 117 / أصول جزائية والمواد 53 / 55 / و 62 و 64 عقوبات موضوع الغرامات وطرق تحصيلها.. الأصل أن يخصم الحبس الاحتياطي من عقوبة الجريمة التي كان الحبس من أجلها. وفضاً عن ذلك أن عقوبة الغرامة فينقص من مقدارها بما يوازي مدته على ما نصت عليه المواد السابقة وكيفية طرق تحصيلها. والحالات التي أوجب فيها حساب مدة العقوبة من اليوم الذي أصبح الحكم فيه مبرماً.. وحساب المدة من يوم القبض واضحاً من نصوص المواد المشار إليها من هذا الهامش وهي من المادة / 444 / حتى 458 / أصول جزائية والمواد 112 حتى 117.
وخلاصة القول أن القاعدة التي نصت عليها المادة 117 فقرة أولى تعني أن تحتسب مدة العقوبات المانعة أو المقيدة للحرية من يوم التوقيف الاحتياطي.. لا من يوم صدور الحكم بالعقوبة أو صيرورته واجب التنفيذ. أنظر القاعدة 41 ص 102 وما يليها في هذا الكتاب.
وفي عبارة أخرى فإن مدة العقوبة تنقص بمقدار مدة التوقيف الاحتياطي فلا تنفذ على المحكوم عليه سوري لمدة الباقية بعد الحسم. وعلى هذه القاعدة أن التوقيف الاحتياطي فلا تنفذ على المحكوم عليه سوى المدة الباقية بعد الحسم. وعلى هذه القاعدة أن التوقيف الاحتياطي – وإن لم يكن عقوبة – فهو منع للحرية ومن الناحية يشترك مع العقوبة وقد تحمله الظنين أو المتهم من أجل مصلحة التحقيق في وقت لا يزال فيه بريئاً.. ولذلك يعد حسم مدته من مدة العقوبة التي يحكم فيما بعد أمراً تقضيه العدالة كي لا يضار بتضحيات ألزم بها في سبيل المصلحة العامة فتطول المدة التي تمنع فيها حريته عن المدة التي حددها حكم الإدانة أنظر المرضفاوي الحبس الاحتياطي وضمان حرية الفرد في التشريع المصري ص 279.
وبديهي بأن لا يتوقف تطبيق هذه القاعدة على نص القاضي في حكمه. فالحسم يحصل بقوة القانون بل إنه ليس للقاضي الحرمان من مزية هذه القاعدة. ويقاس على التوقيف الاحتياطي كل منع للحرية من أجل ملاحقة الجريمة فيعتبر من هذا القبيل القبض الذي تأمر به سلطات دولة أجنبية طلب إليها تسليم متهم فقبضت عليه ثم سلمته. وتفترض هذه القاعدة أن العقوبة قضي بها جزاء للجريمة التي كان التوقيف من أجلها أي أنها تفترض وحدة الجريمة سبب التوقيف وسبب العقوبة ويعني ذلك أنه إذا برئ المتهم من الجريمة التي أوقف احتياطياً من أجلها.. وأدين من أجل جريمة ثانية نسبت إليه فلا تحسم مدة التوقيف من هذه العقوبة. لأن قاعدة الحسم استثنائية ومن ثم يقتصر تطبيقها على الحالة التي ورد في شأنها النص وهي المفترضة وحدة الجريمة على الوجه السابق فلا تمتد إلى حالات أخرى الدكتور محمود نجيب حسني ص 688 وما بعدها.
عن الدكتور محمد الفاضل والدكتور سعيد مصطفى السعيد والدكتور محمود نجيب حسني والدكتور عبد الوهاب حومد – والدكتور عبود السراج