Call us now:
الرأي الفقهي
من أسباب سقوط الحكم الجزائي العفو العام.. والعفو الخاص ويعرف الفقهاء العفو العام هو تجريد الفعل من الصفة الجرمية بحيث يصير له الأفعال التي لم يجرمها الشارع إصلاح.. وهو من أعمال السلطة العامة يقصد به إسدال ستار النسيان على بعض الجرائم.. وبالتالي محو الدعوى التي رفعت أو يمكن أن ترفع عنها والأحكام التي صدرت بشأنها.. وهو يختلف عن العفو الخاص في أنه يمحو جميع النتائج المترتبة على الجريمة ولا يكون في العادة تدبيراً فردياً يتخذ لشخص معين.. بل ليكون تدبيراً عاماً يتخذ في أنواع من الجرائم ترتكب في ظروف.. أو مناسبات خاصة.
وقد خول الدستور السوري لعام 1973 في الباب الثاني السلطة التشريعية بمادته 71 فقرة / 7 / الحق لرئيس الجمهورية بإقرار العفو العام – أي بعد إقراره من مجلس الشعب. وفي الفصل الثاني السلطة التنفيذية بمادته / 106 / أعطى الحق لرئيس الجمهورية الحق بإصدار العفو الخاص ورد الاعتبار.
إذاً من استقراء المادة 150 / عقوبات نجد بأن العام هو تجديد الفعل من الصفة الجرمية بحيث يصير له حكم الأفعال التي لم يجرمها الشارع أصلاً كما سبق وأشرنا.. إذ تعني أثاره عدم تطبيق ذلك النص على الفعل الذي صدر العفو عنه. إلا أنها تختلف تحديد هذه الآثار باختلاف ما إذا صدر العفو العام قبل انبرام الحكم بالإدانة من أجل الفعل أم صدر بعد ذلك ويعني ذلك أن العفو العام صفة استثنائية باعتباره تعليقاً لنص القانون وهذا التعليق لا يكون إلا على سبيل الاستثناء. ومن ثم فالمتفق عليه بين الفقهاء هو وجوب تفسير نصوص قانون العفو تفسيراً ضيقاً (أنظر المراجع السابقة) ومن ثم تعليل الشرط التي أتت على ذكره المادة / 150 / أن يصدر العفو العام عن السلطة التشريعية. هو أن العفو العام تعليق لتطبيق نص القانون إزاء بعض الأفعال فهو مساس بالقوة القانونية للنص.. ولا تملكه سوى السلطة التي اختصت بإسباغ القوة القانونية على النص. والسلطة التشريعية هي ما سبق وأشرنا إليها رئيس الجمهورية ومجلس الشعب / 71 فقرة 7 / من الدستور السوري كما سبق وأشرنا في أول هذا الهامش.
ومن خصائص العفو العام يتميز بالطابع الموضوعي. فهو ينصب على مجموعة من الجرائم فيزيل ركنها القانوني ويستفيد منه جميع المساهمين فيها. وهو يتميز باتصاله بالنظام العام. إذ يقوم على اعتبارات مستمدة من مصلحة المجتمع ومن ثم لا يجوز للمحكوم عليه رفضه. ويتميز بعد ذلك بطابعة الجزائي فآثاره تقتصر على الصفة الجرمية للفعل. ويعني ذلك أنه لا شأن له بجوانب الفعل الأخرى.. إلا إذا نص قانون العفو على غير ذلك. وفي النهاية يتميز العفو العام بأثر رجعي يعود إلى وقت ارتكاب الفعل. وبناء عليه يفترض أنه لم تكن لهذا الفعل منذ لحظة ارتكابه صفة جرمية قط كما سبق وأشرنا.
فإذا صدر قانون العفو العام قبل انبرام الحكم انقضت الدعوى العامة وفي ذلك تقول المادة / 436 / أصول محاكمات جزائية تسقط دعوى الحق العام بالعفو العام. وتبقى دعوى التعويضات الشخصية من صلاحية المحكمة الواضعة يدها على دعوى الحق العام حين صدور العفو العام. ويترتب على ذلك عدم جواز اتخاذ إجراءات الملاحقة أو المحاكمة من أجل الفعل وإذا رفعت الدعوى قضت المحكمة بعدم قبولها.. وإذا نطق القضاء بحكم قابل للمراجعة.. ثم صدر العفو العام في خلال موعد المراجعة فلا تقبل مراجعته لزواله بذلك العفو. ويعني ذلك أن العفو العام يعتبر أساساً للدفع بعدم قبول الدعوى وهذا الدفع من النظام العام. أما إذا صدر العفو العام بعد صدور الحكم المبرم.. أو بعد انبرام حكم صدر غير مبرم فإن أثر العفو العام هو زوال ذلك الحكم بأثر رجعي فتقتضي جميع آثاره دون تفرقه بين أثر وآخر. فتسقط كل عقوبة أصلية كانت أو فرعية أو إضافية المادة 150 من قانون العقوبات الفقرة الثانية. وهذه إشارة من الشارع بهذا النص إلى تأثير العفو العام على التدابير الاحترازية. ومن ثم لا يجوز للسلطات العامة أن تتخذ إجراء يستهدف تنفيذها.
ويترتب على زوال الحكم أن تزول آثاره الأخرى التي تتخذ صورة العقوبات. فلا يعتد به كسابقة في التكرار… أو اعتياد الإجرام ولا يحول فيما بعد دون الحصول على وقف تنفيذ ولا يجوز للمحكوم عليه أن يطلب إعادة اعتباره منه.
ويتضح من الدراسة السابقة عمق وتعدد الفروق بين العفو فهما نظامان يستقل كل منهما عن الآخر تماماً فالعفو العام يصدر عن السلطة التشريعية.. وفي حين العفو الخاص يصدر عن رئيس الجمهورية. والعفو العام يمحو الصفحة الجرمية في حين يقتصر العفو الخاص على أنها الالتزام بتنفيذ العقوبة الأصلية. والعفو الخاص فشخصي يستفيد منه شخص أو أشخاص معينون. والعفو العام قبل انبرام الحكم أو بعد ذلك. وفي حين لا محل للعفو الخاص إلا إذا انبرم الحكم وفيه يجوز إعادة الاعتبار إذا صدر عفو خاص.
ويتضح بهذا التعريف أهم خصائص العفو الخاص. فهو إجراء فردي.. أي ينال شخصاً ثبتت جدارته بما ينطوي عليه العفو من تسامح وفي ذلك تقول المادة / 153 / الفقرة الأولى من قانون العقوبات العفو الخاص شخصي وهو كما سبق وأشرنا من اختصاص رئيس الجمهورية. وللعفو الخاص صور ثلاث فهو إما ينصب على العقوبة كلها وإما أن ينصب على جزء منها فحسب وإما يستبدل بعقوبة أخف. وقد أشارت على هذه الصورة المتنوعة للعفو الخاص المادة / 152 / الفقرة الثانية من قانون العقوبات ويمكن أن يكون بإبدال العقوبة أو بإسقاط مدة العقوبة أو التدبير الاحترازي أو بتخفيضها كلياً أو جزئياً.
ويتميز العفو الخاص من حيث تأثيره باقتصاره على الالتزام بتنفيذ العقوبة فيسقطه ولا يمتد تأثيره إلى حكم الإدانة الذي يظل على الرغم من العفو قائماً منتجاً جميع آثاره التي لم يتناولها العفو الخاص.
وللعفو الخاص وظائف جوهرية التي لا غنى عنها في النظام القانوني الحديث. فهو السبيل إلى إصلاح الأخطاء القضائية التي تكتشف في وقت لم يعد فيه الحكم قابلاً للمراجعة بالطرق العادية.. أو غير العادية أو يكون عيبه من نوع لا يمكن إصلاحه بطريق المراجعة غير العادي المتاح.
إن رئيس الجمهورية لا يستعمل سلطته في العفو الخاص تحكماًن وإنما على أساس من ذات الاعتبارات التي يسترشد بها الشارع والقاضي حين يقرر الشارع العقوبة.. ويطبقها القاضي فالعفو الخاص يصدر حين يقدر رئيس الجمهورية أن مصلحة المجتمع هي من عدم تنفيذ العقوبة. وهو لا يعتدي على استقلال القضاء.. وإنما يكمل عمله حين يخرج الأمر من حوزته أي القضاء فيغدو في غير استطاعته إصلاح عيب ثبت على نحو لا جدال فيه. ولا يصدر العفو عن رئيس الجمهورية باعتباره ممثلاً للسلطة التنفيذية.. إنما يصدر باعتبار رئيس الجمهورية ممثلاً للدولة في مجموعها بكامل سلطاتها ومن بينها السلطة القضائية.
والعفو الخاص من أعمال السيادة.. ولذلك لا يخضع لمراجعة ما. وهو لا يستند باعتبارات الشفقة بالمحكوم عليه. وإنما يبنى على اعتبارات مستمدة من المصلحة العامة تجمع في تقدير رئيس الجمهورية أن مصلحة المجتمع هي عدم تنفيذ العقوبة.
ويمنح العفو الخاص رئيس الجمهورية بعد استطلاع رأي لجنة العفو المادة 105 من الدستور السوري.. لرئيس الجمهورية الحق بإصدار العفو الخاص ورد الاعتبار. ورأي اللجنة غير إلزامي لرئيس الجمهورية (ويؤيد ذلك المادة 467 / أصول جزائية إذا رد رئيس الدولة طلب العفو…) والعفو إلزامي للمحكوم عليه ولا يمكن المحكوم عليه أن يرفض الاستفادة من العفو أنظر المادة 150 عقوبات.
ويتميز العفو الخاص بنطاق شخصي فلا يستفيد منه الشخص المحدد في المرسوم الصادر بمنحة. له شروط بأن يكون صدر فيه حكم مبرم ويريد الشارع بعض المادة / 153 / أن يقرر بذلك الطابع الاحتياطي للعفو الخاص. فطالما أن الحكم لم يصبح مبرماً فمعنى ذلك أن بعض طرق مراجعته مازالت متاحة.
ومن ثم فإنه لا يقبل طلب العفو ممن عقوبته كلها أو سقطت بمرور الزمن أو ممن انقضت بالنسبة له مدة التجربة في وقف التنفيذ دون أن ينقض الوقت – أنظر / 153 / عقوبات.
وقد حددت المواد 459 – 468 أصول جزائية الإجراءات التي تتبع في نظر طلبات العفو الخاص وإبداء الرأي فيها. وقد تضمنت هذه النصوص تقرير أنه يتوقف عند طلب العفو إنفاذ الحكم إذا كان قاضياً بالغرامة أو بالحبس أقل من سنة ولم يكن المحكوم عليه موقفاً. وإذا رد رئيس الجمهورية طلب العفو بعد أن تكون لجنة العفو قد نظرت فيه فلا يجوز للمحكوم عليه بأشغال شاقة مؤبدة أو لمدة عشر سنوات أو أكثر أن يجدد طلب العفو قبل انقضاء ثلاث سنوات في الحالة الأولى وسنتين في الحالة الثانية على إبلاغه قرار الرد وفي الحالات الأخرى يجوز للمحكوم عليه تجديد طلب العفو بعد انقضاء سنة وتستثنى ذلك حالة ما إذا كان الحكم قاضياً بالغرامة.. أو بالحبس سنة فما دونها إذ لا يجوز عندئذ التماس العفو ثانية وفق تحديد المدد لتجديد الطلب.
والتعويض المدني حددته الفقرة الأخيرة من المادة / 151 / والمهلة القصوى فجعلتها لأداء المحكوم عليه التعويض للمدعي الشخصي إذا كانت الجريمة جناية فجعلتها ثلاث سنوات أما إذا كانت الجريمة جنحة فهذه المهلة – طبقاً للمادة / 169 / وموضوع وقف التنفيذ هي سنتان. وهي ستة أشهر إذا كانت الجريمة مخالفة. وأناط العفو الخاص وذلك يعني أن المحكوم عليه جدير بأن يتخلص من العقوبة الأصلية المحكوم بها عليه.. ولكن يتعين أن تفرض على حريته قيود تستهدف الإشراف على سلوكه توجيهاً له على النحو الذي يدرأ خطره ويحقق تأهيله.
وآثار العفو الخاص تحدد وفقاً لقاعدتين الأولى هي إنهاء الالتزام بتنفيذ العقوبة كلها أو جزء منها أو التعديل منه عن طريق استبدال الالتزام بتنفيذ العقوبة الأخف وقد عبرت عن هذه القاعدة المادة (154 / عقوبات الفقرة الأولى وقولها – إسقاط العقوبة أو التدبير الاحترازي بمثابة تنفيذهما). أما القاعدة الثانية فهي الإبقاء على حكم الإدانة ذاته فيظل هذا الحكم قائماً مسجلاً على العفو عند إجرامه السابق وإدانته. ونتيجة لذلك فإن هذا الحكم ينتج جميع آثاره القانونية.. عدا ما يكون العفو قد أزاله منها أو يعتد بهذا الحكم كسابقة التكرار واعتياد الإجرام وقد يكون وقد يكون من شأنه الحيلولة دون منح وقف التنفيذ وللمحكوم عليه الحق في أن يطلب إعادة اعتباره وقد أكدت هذه القاعدة الفقرة الثانية من المادة 154 عقوبات.
وتقتصر آثار العفو الخاص على العقوبة والتدبير الاحترازي.. أما التعويض فلا شأن له بها. لأنه نظام مدني فيجوز أن يكون محلاً لنزول من قبل الدائن به بالإضافة إلى أن الاعتبارات التي يقوم العفو عليها لا يمكن أن تتحقق إزاء التعويض.
وأخيراً وعلى ما نصت المادة 155 / عقوبات وضعت شروط فقدان منحة العفو للمحكوم عليه.. والفكرة الأساسية التي يستند إليها المشرع بنص المادة السابقة الذكر ونقض العفو أنه قد صدر عن المحكوم عليه سلوك لاحق أثبت عدم جدارته بالتسامح الذي انطوى عليه.. والفكرة الأساسية التي يستند أليها المشرع بنص المادة السالفة الذكر ونقض بتنفيذها فعلاً فيه. وقد حدد الشارع صورتين لهذا السلوك. الأولى هي ارتكاب جريمة تالية يشترط أن تتوافر فيها إذا ما أضيفت إلى الحكم السابق الذي صدر عنه العفو.. شروط التكرار. أما الصورة الثانية لهذا السلوك فهي الإخلال بواجب من الواجبات التي أنيط العفو بها ويشترط في هذه الصورة أن يكون ذلك الإخلال قد ثبت بحكم قضائي. وقد ذكر الشارع هاتين الصورتين على سبيل الحصر فلا يجوز أن ينقض العفو في حالة غيرهما. وختاماً إن العفو العام يسقط دعوى الحق العام والعقوبة ويمحو الجريمة. والعفو الخاص يسقط العقوبة. للتوسع أنظر المراجع السابقة