الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 181 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

لا بد لنا في أول هذا البحث من بيان الأركان العامة للجريمة نقول إن الجريمة تقوم على أركان ثلاثة.. الركن القانوني والركن المعنوي والركن المادي.
ونقتصر البحث في هذا الهامش على ما أتت على ذكره المواد 178 – 186 عقوبات.. ونبدأها بتعريف العنصر القانوني للجريمة فنقول
العنصر القانوني للجريمة هو الصفة غير المشروعة للفعل ويكتسبها إذا توافر له أمران.. خضوعه لنص تجريم يقرر فيه القانون عقاباً لمن يرتكبه وعدم خضوعه لسبب من أسباب التبرير.. لأن انتفاء أسباب التبرير شرط ليظل الفعل محتفظاً بالصفة غير المشروعة التي اكتسبها له نص التجريم.
إن قانون العقوبات لم يضع تعريفاً واضحاً لأنواع الجرائم.. وإنما عرفها من خلال العقوبات التي حددها القانون.
والجرائم متنوعة ولا بد لنا من تقسيمها.. وتقسيماتها متعددة تختلف باختلاف الأسس التي تقوم عليها وهذه الأسس مستمدة من أركان الجريمة. ولا بد من دراسة كل ركن من أركان هذه التقسيمات التي تتصل به والجرائم هذه تقسم إلى جنايات وجنح ومخالفات. وأساس هذا التقسيم هو اختلاف الجرائم فيما بينها من حيث مقدارها وجسامتها. وأشد هذه الجرائم جسامة هي الجنايات.. وأخفها المخالفات وتتوسطها الجنح.
وقد نص الشارع علة هذا التقسيم وحدد معياره بالمادة 178 / عقوبات وقد سبق ومهد لها الشارع لهذا النص ببيان المراد بكل نوع من أنواع العقوبات السابقة بالمادة 37 – 41 عقوبات.
ومن استقراء هذه المواد نلاحظ أن هذا المعيار الذي وضعه الشارع.. جعل عقوبات الجنايات – فيما عدا الإقامة الجبرية من نوع متميز عقوبات الجنح والمخالفات ولذلك كانت التفرقة بين الجنايات من ناحية والجنح والمخالفات من ناحية أخرى يسيرة كما سبق وأشرنا. إلا أن الشارع جعل عقوبتي الحبس والغرامة مشتركين في الجنح والمخالفات. مما جعل التمييز بينها على أساس نوع العقوبة وقد حدده المشرع بعد ذلك بالمادة / 51 / عقوبات تتراوح مدة الحبس بين عشرة أيام وثلاث سنوات إلا إذا انطوى القانون على نص خاص ونصت بعد ذلك المادة 60 / عقوبات على أن تتراوح مدة الحبس التكديري بين يوم وعشرة أيام. أما بالنسبة للغرامة فنصت عليها المادة / 53 / المعدلة تتراوح الغرامة في الجنح بين مائة ليرة وألف ليرة إلا إذا القانون على غير ذلك كما نصت المادة 61 / المعدلة عقوبات على أن تتراوح الغرامة التكديرية بين خمسة وعشرون ومائة ليرة. ويؤدي تطبيق هذا المعيار إلى القول بأن كل جريمة قرر لها القانون الحبس الذي تزيد مدته على عشرة أيام أو الغرامة التي يزيد مقدارها على مائة ليرة هي جنحية وأن كل جريمة قرر لها الحبس الذي لا تزيد مدته على عشرة أيام أو الغرامة لا يزيد مقدارها على مائة ليرة هي مخالفة. ويعني ذلك أن العبرة في التفرقة بين الجنح والمخالفات هي بالحد الأقصى للعقوبة وما إذا كان يجاوز العشرة أيام بالنسبة للحبس ومائة ليرة بالنسبة للغرامة أم لا يجاوز ذلك وأما الحد الأدنى غير ذي أهمية في ذلك. وهذا الرأي يرجحه نص القانون في المادة 178 بالفقرة الثانية من قانون العقوبات تقضي بأن يعتبر في الوصف القانوني الحد الأعلى للعقوبة الأشد المنصوص عليها قانوناً. وإذا كان هذا النص مقرراً بذلك الاعتداد بالحد الأقصى حينما تتعدد عقوبات الجريمة فتكون العبرة بالحد الأقصى لأشد عقوباتها فإنه يقرر من باب أولى الاعتداد بذلك الحد حينما تكون العقوبة واحدة.
والمرجع في تطبيق هذا المعيار هو إلى العقوبة الأصلية فلا عبرة بالعقوبات الفرعية والإضافية. فإذا قضى نص استثنائي بالمصادرة في جريمة ذات عقوبة تكديرية.. ظل لها على الرغم من ذلك وصف المخالفة.
وليست العبرة بالوصف التي ترفع به الدعوى. وإنما العبرة بما تقرره المحكمة والسلطة التي منحها المشرع لها وإذا حدد القانون جريمتين أو أكثر فالعبرة بالحد الأقصى لأشدها وقد نصت على هذه القاعدة المادة 179 / عقوبات.
ولا عبرة بالتدابير الاحترازية في تحديد نوع الجريمة إذا لا ارتباط بينها وبين جسامة الجريمة وإنما ترتبط بخطورة الشخصية الإجرامية فحسب.
وبعد هذا التقسيم للجرائم. إذ يجعله الشارع أساساً للغالب من أحكام قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية.
فأهمية التقسيم في القانون العقوبات بتقدير الشارع أن بعض القواعد لا تلائم غير الجرائم الجسيمة فيقتصر نطاقها على الجنايات والجنح.
وأهمية التقسيم في قانون أصول المحكمات الجزائية بتقدير الشارع أنه كلما ازدادت جسامة العقوبة التي يحتمل أن يقضي بها من أجل الجريمة.. اقتضى ذلك المزيد عن الضمانات التي تحيط بإجراءات التحقيق والمحاكمة واختصاصها أنظر المواد 437 – 439 و 367 من قانون الأصول الجزائية.
وأما اجتماع الجرائم المعنوي فقد عرفها الفقهاء بأنه هو التعدد لأوصاف جريمة للفعل الواحد بحيث يسوغ القول بأن هذا الفعل تقوم به جرائم باعتبار كل وصف جرمي تقوم به جريمة على حدة. ولما كان كل وصف يتضمنه نص تجريم فإن من السائغ وصف الاجتماع المعنوي بأنه اجتماع نصوص تجريم إزاء فعل واحد.. أو انطباق نصوص متعددة على هذا الفعل.
وإذا فهم لفظ الجريمة في معنى التكييف الجرمي فإن اجتماع الجرائم متصور بالنسبة لفعل واحد تتعدى أوصافه الجرمية. وهو مقصود كذلك إزاء أفعال عدة لكل منها على حدة تكييف الجرمي ويطلق على النوع الأول تعبير الاجتماع المعنوي للجرائم وعلى النوع الثاني الاجتماع المادي للجرائم. وقد تبنى الشارع هذا التقسيم مخصص للاجتماع المعنوي المادتان 180و 181 / عقوبات وخصص للاجتماع المادي المواد 204 – 207 من قانون العقوبات.
ويتضح بذلك أن الاجتماع المعنوي يقوم على عنصرين وحدة الفعل.. وتعدد الأوصاف الجرمية. ويكفل العنصر الأول التمييز بينه وبين الاجتماع المادي للجرائم وذلك إذا تعددت الفعال واجتمعت تبعاً لذلك الجرائم الناشئة عن كل منها فعندها يكون اجتماع مادي للجرائم ويمثل العنصر الثاني الاجتماع المعنوي فإذا انتفى التعدد في الوصف. أي كان للفعل وصف جرمي واحد فمعنى ذلك أنه تقوم به جريمة واحدة ومن ثم لا يكون محل لاجتماع الجرائم. ويفترض هذا العنصر أن الأوصاف المتعددة تصدق جميعاً على الفعل أما إذا كان أحدهما يستبعد سائرها بحيث لا يخضع الفعل في النهاية إلا لنص واحد فليس ثمة اجتماع للجرائم.. وإنما تعد حالة تنازع نصوص ومن هذا التزاحم يتغلب في النهاية أحدهما على الآخر فلا تقوم بالفعل غير جريمة واحدة. ومثال الاجتماع المعنوي للجرائم أن يرتكب شخص فعلاً منافياً للحشمة في محل عام أو مكان مباح المعنوي للجرائم أن يرتكب شخص فعلاً منافياً للحشمة في محل عام أو مكان مباح للجمهور فتجتمع بهذا الفعل جريمتا فحشاء. والتعرض للآداب والأخلاق العامة (المادتان 506 و 517 عقوبات).
ومن استقراء نص المادة 180 / عقوبات نجد بأن الشارع حدد حكم الاجتماع المعنوي بالعقوبة الأشد. ويقرر هذا النص التزام القاضي أن يفحص الفعل في جميع أوصافه إذ هو الذي يستطيع الوفاء بهذا الالتزام…
والضابط في وحدة الفعل لها من الأهمية بمكان. ذلك لأنه كان الفعل واحد ساغ تصور الاجتماع المعنوي. أما إذا تعددت الأفعال فذلك مجال الاجتماع المادي.. فيعد الفعل واحداً إذا لم تتعدد جميع عناصره سواء لم يتعدد أي منها.. أو تعدد بعضها دون بعض. وللفعل كم سبق وأشرنا عنصران التصميم الإرادي الذي يمثل القوة المنشئة والموجهة لماديات الفعل والحركة العضوية التي تتمثل فيها هذه الماديات. فإن لم يكن إلا تصميم إرادي واحد.. وحركة عضوية واحدة فهذه الصورة العادية للفعل الواحد. إلا انه يعتبر الفعل واحداً كذلك إذا تعددت الحركات العضوية ولكنها صدرت جميعاً عن تصميم إرادي واحد.. مثال لو صمم شخص على قتل آخر فضربه لأضعافه عن المقاومة. أو قيده بالحبال لتعجيزه عنها ثم طعنه بالسكين أو صمم شخص على سرقة آخر فشغله بشيء كي ينصرف عن رعاية ماله فلما تحقق ذلك استولى عليه. ويعتبر الفعل واحد إذا تعددت التصميمات الإرادية ولكن صدرت حركة عضوية واحدة. وتعبيراً عنها كما لو صمم شخص على إيذاء خصمه بدنياً.. وصمم كذلك على السخرية منه وإهانته وصفعه على وجهه أمام الناس. كما أنه يظل الفعل واحد ولو ترتب على الحركة العضوية نتائج جريمة عدة كما لو أطلق شخص رصاصته واحدة قتلت شخصاً ثم نفذت منه فأصابت آخر بجراح. وعن كل ذلك يعني أن الأفعال لا تتعدد إلا إذا تعددت التصميمات ثم عبرت عن كل تصميم حركة عضوية على حدة والمثال على ذلك.. شخص أطلق رصاصة على واحد خصميه فقتله.. ثم أطلق رصاصة ثانية على خصم آخر فيصيبه بجراح. ولا يحول دون القول بتعدد الأفعال ترتكب في زمن واحد أو أزمنة متقاربة أو أن ترتكب في مكان واحد أو أمكنة متقاربة. بل أنه لا يحول دون تعدد الأفعال أن يكون الدافع إليها واحد.. كما لو ضرب شخص آخر ثم أتلف ماله وصدر الفعلان عن دافع الانتقام منه ويكشف هذا المثال عن أن وحدة المجني عليه حائلة دون تعدد الأفعال. ويدعم هذا الضابط أنه طالما كان الفعل يستمد كيانه من عناصر معينة كل منها يساهم في بنيانه بحيث لا يقوم إلا باجتماعهما فإن المنطق يختم القول بأنه لا محل لتعدد الأفعال.. إلا إذا تعددت هذه العناصر بقدر عدد الأفعال بحيث يكون لكل منها على حدة العناصر المتطلبة لتكوينه…
ويتبين لنا عما سبق وأشرنا بأن الوحدة القانونية للفعل. هي الوحدة الطبيعية أو المنطقية للفعل. ولكن الشارع قد يرى الخروج عنها فيجمع بين أفعال متعددة وفقاً لهذا الضابط في وحدة قانونية بحيث لا يكون بها الأفعال أو سلوك واحد ويقرر الشارع ذلك في ضوء اعتبارات مستمدة من ساسة التجريم وحالات الوحدة القانونية لها طابع الاستثناء باعتبار أن الأصل في وحدة الفعل أن تقوم بالوحدة الطبيعية.. الجرائم البسيطة – وجرائم الاعتياد – وجريمة المتتابعة الأفعال.
وتحديد حالات الوحدة القانونية يقتضي الرجوع إلى نصوص التشريع واستقراء نماذج التجريم التي يتطلب كل منها عدداً من الأفعال. وأهم هذه الحالات الجرائم المركبة كالسرقة المصحوبة بعنف المادة 624 عقوبات والتي سنبحثها بمكانها التي تتطلب فعلى أخذ وعنف ومثل هذه الحالات كذلك جرائم الاعتياد والجرائم المتتابعة الأفعال. وحالات الاجتماع المعنوي للجرائم المتبادرة إلى ذهن. هي ارتكاب فعل واحد (سواء أكانت وحدته طبيعية أو قانونية) تترتب عليه نتيجة جرمية واحدة فتقوم بهذا الفعل ونتيجة جريمتان أو أكثر. أي يصدق عليه وصفان جرميان أو أكثر. وهذه هي الحالة الأصلية للاجتماع المعنوي وقد سلف ذكر مثالين لهما في هذا الشرح.
وفي تكييف الاجتماع المعنوي يثور الجدل في الفقه حول ما إذا كان هذا التكييف الصحيح للاجتماع المعنوي للجرائم أن تقوم به جريمة واحدة أم عدة جرائم. فذهب رأي إلى أنه لا تقوم به إلا جريمة واحدة هي الجريمة الأشد من بين الجرائم التي تقوم بالأوصاف الجريمة المتعددة وحجة هذا الرأي أنه لم يرتكب سوى فعل واحد. ويذهب رأي آخر إلى القول بتعدد الجرائم في حالات الاجتماع المعنوي ويرفض حجة الرأي الأول قائلاً أنه لا وجود لتلازم حتمي بين عدد الأفعال وعدد الجرائم فالجريمة تتوافر عناصرها إذا تحققت مقتضيات النموذج القانوني الخاص بها. فإذا تحققت عدة نماذج جرمية تعددت الجرائم ولو كان ذلك بناء على فعل واحد. وقد أيد هذا الرأي الدكتور محمود نجيب حسني وقال بصحته. فالمراد بالجريمة في نظرية الاجتماع الوصف الجرمي فحسب. لا الجريمة بأركانها المتعددة المجتمعة وهذا هو الذي تبناه الشارع السوري بقوله أن الفعل عدة أوصاف وحرص على أن تذكر جميعها في الحكم. (المادة 180 عقوبات) يعني أن يعترف بتعدد الجرائم بهذا الفعل باعتبار أن كل وصف جرمي هو جريمة على حدة.
وعن ذلك نلحظ بأن القاعدة التي يقررها الشارع تعني في الحقيقة نص التجريم الذي يقرر الوصف الأشد بكل ما يتضمنه من أحكام وتوقيع وما يقضي به من عقوبات أصلية أو فرعية أو إضافية.. أو تدابير احترازية.
وقد نص الشارع على سبب تشديد العقاب خاص بإحدى حالات الاجتماع المعنوي وهي حالة ما إذا أصاب الفعل الجرمي الشخص المقصود به وشخصاً آخر سواه.. فقرر جواز زيادة النصف على العقوبة المقررة للجريمة المادة 205 عقوبات.
ومن المبادئ الأساسية في القانون عدم جواز ملاحقة شخص من أجل فعل واحد مرتين أو أكثر وسند هذا المبدأ أن الحكم يجوز في الدعوى حجية فلا تجوز مناقشته إلا بطرق المراجعة التي يقررها القانون وفقاً للشروط والأصول التي يفرغ فيها فإذا استنفذت هذه الطرق فصار الحكم مبرماً فإنه لا يجوز على الإطلاق مناقشته ولو ثبت على وجه قاطع أن ثمة عيباً يشوبه وقد عبر الشارع عن هذا المبدأ في المادة / 181 / عقوبات وأيدتها الاجتهادات القضائية لمحكمة النقض السورية ولهذا المبدأ صلة وثيقة بقواعد الاجتماع المعنوي للجرائم فهذا الاجتماع يفترض أن للفعل أوصافاً جرمية متعددة وواجب القضاء الذي ينظر فيه هو أن يفحص جميع هذه الأوصاف ويقول فيها كلمته وهذا ما قالت به محكمة النقض المصرية بقرارها رقم (10) لعام 1936 – مجموعة القواعد القانونية ج 3 ص 547 وكذلك محكمة النقض السورية بقرارها رقم 871 لعام 1982 – القاعدة رقم 339و340 من هذا الكتاب.. وما يصدره بعد ذلك من حكم يعتبر فاصلاً فيها جميعاً ومستخلصاً نتائجها القانونية ولو ثبت أنه أغفل أحد هذه الأوصاف ويعني ذلك أن حجية الحكم تمتد إلى جميع الأوصاف. ما تكشفه وما تغفله على السواء وقد أقرت هذا المبدأ المادة 312 / من قانون أصول المحاكمات الجزائية فيطلق سراح المتهم في حال البراءة ما لم يكن موقوفاً لداع آخر وإذا نقض الحكم قرار البراءة.. فإن المتهم يحاكم غير موقوف.. إلا إذا قررت محكمة النقض توقيفه لأسباب تقدرها وذلك بعد أخذ رأي النيابة العامة بهذا الشأن وهذا ما أخذت به محكمة النقض السورية بقرارها رقم 529 لعام 1959 – قد أيد هذا القول كذلك القرار 981 لعام 1979 حيث قالت إن قوة القضية المقضية تغطي جميع العيوب والأخطاء.. ولو كان فيها ما يخالف النظام العام لأن الإبرام يسمو على النظام العام.