الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 186 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

لا بد لنا من إيضاح وتمهيد بسيط قبل التعرض في هذا البحث لأسباب التبرير.
إن الأسباب التبرير قواعد عامة تخضع لها على الرغم من اختلافها. فمن ماهية التبرير انتفاء أسبابها.. والانتفاء لهذه الأسباب هو عنصر يقوم على الركن القانوني للجريمة.. أي أن الفعل لا يوصف بأنه غير مشروع إلا إذا ثبت أنه لا يخضع لسبب ما من أسباب التبرير. وعلى أساس هذه الفكرة نستطيع تحديد الدور القانوني لهذا السبب من المفروض أن سبب التبرير هو خضوع الفعل لنص تجريم.. واكتسابه ابتداء صفة غير مشروعة. ويجمل دوره القانوني في إخراج الفعل من نطاق نص التجريم وخلع الصفة غير المشروعة عنه ورده إلى أصله من المشروعية. ويتضح من ذلك أن نصوص التجريم ليست مطلقة. لأن هناك قيود تحد من نطاقها فتخرج منه أفعالاً كانت داخلة فيه وهذه قيود واردة على نطاق نص التجريم.. تستبعد منه بعض الأفعال.
وعلة التجريم.. وعلة التبرير مرتبطتان بحيث يمكن استخلاص ثانيتهما من أولادهما فعلة التجريم هي حماية حق أو مصلحة. فعلة تجريم القتل هي حماية الحق في الحياة وعلة تجريم السرقة هي حماية للملكية.. وعلة التبرير هنا انتفاء علة التجريم. أي كون الفعل المبرر لا ينال بالاعتداء حقاً وفي عبارة أدق نقول أن التبرير حكم يستنتج – بمفهوم المخالفة – من نص التجريم إذا ما انتفت علته.
وانتفاء علة التجريم يتحقق في حالتين. حالة مباشرة إذا ما ثبت أن الفعل الذي كان الأصل فيه أن يهدد حقاً لم يعد في ظروف معينة منتجاً لهذا الاعتداء وحالة غير مباشرة. إذا ما ثبت أن الفعل لا يزال ينتج الاعتداء ولكنه في القوت نفسه يصون حقاً أجدر بالرعاية ويعني ذلك. أن الفعل وإن أنتج الاعتداء على حق معين فهو لا ينتج اعتداء على حقوق المجتمع في مجموعها وذلك لانتفاء علة التجريم كحالة الأولى سواء بسواء. والفرق بين الحالتين أننا نستطيع في الحالة الثانية فتفترض رجوعاً إلى النظام القانوني في مجموعة ومقارنة بين الحق المعتدى عليه والحق المصان.. وترجيح ثانيهما على أولهما.
إلا أنه لابد من البحث في مصادر التدبير. قد ينص قانون العقوبات على سبب التبرير ويحدد شروطه. ولكن هل النصوص التشريعية وحدها هي مصدر أسباب التبرير هناك العرف قد يكون مصدراً لها وأن القياس جائز في تفسير نصوصها وسبب ذلك أننا في مجال التبرير غير مقيدين بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات إذ لن يؤدي الاعتداد بالعرف.. أو الاعتماد على القياس إلى خلق جرائم أو تقرير عقوبات. ونحن نذهب إلى أكثر من ذلك فنقرر أنه ليس بشرط أن يسند سبب والتبرير إلى مصدر قانوني معين.. لأنه قد يستخلص من مجموع النصوص القانونية.. وقد يرجع إلى المبادئ العامة للنظام القانوني وروحه. ونقرر كذلك أنه لا يشترط أن ينص القانون صراحة على سبب التبرير. لأن موضع أسباب التبرير قد يكون في قانون العقوبات.. وقد يكون فرعاً سواه من أفرع القانون. ونستخلص مما تقدم خلافاً للرأي السائد في الفقه والقضاء – أن أسباب التبرير لم يحددها الشارع على سبيل الحصر.
ويرجع الأساس الأول لأسباب التبرير إلى كون النظام لقانوني العام كلاً متسقاً لا تتناقض قواعده. فإذا تبين أن الشارع يلزم بفعل.. أو يرخص به فلا مفر من القول بأنه مشروع فإن كان في القانون نص يجرمه تعين تحقيق الاتساق بين القاعدتين.. والقول بأن قاعدة الالتزام أو الترخيص قي–د على قاعدة التجريم. وغني عن البيان أن قواعد الإلزام أو الترخيص متناثرة في نصوص القانون ولا يعتبر الشارع نفسه ملزماً بالنص عليها صراحة فقد يكون استخلاصها ضرورة منطقية يحتمها التفسير. وقد اعترف قانون العقوبات بهذه الحقيقة حينما اعتبر ممارسة الحق سبباً للتبرير ولم يحدد هذه الحقوق وإنما أحاله إلى أفرع أخرى من القانون بكل ما تضمنه من قواعد وما تعترف به من مصادر وبعض الحقوق لم يرد في شانها نص.. وإنما هي ثمرة المبادئ العامة للقانون وأثر لازم لما ينبغي أن تتسم به قواعد القانون من اتساق. أنظر المادتان 182 و 183 عقوبات.
وأثر التدبير هو أن يخرج الفعل من نطاق نص التجريم فيصير مشروعاً وينتفي الركن القانوني للجريمة وإذا فقدت الجريمة أحد أركانها استحال قيام المسؤولية وتبعاً لذلك استحال توقع العقاب. والفعل الذي يخضع لسبب تدبيري هو فعل مشروع فلا فرق من حيث القيمة القانونية بينه وبين فعل لم يخضع ابتداء لنص تجريم. وأثر التبرير ينصب على الفعل () لا على شخص الفاعل ( ) ويعني ذلك أن أثره متعلق بالتكييف القانوني للفعل. وتوصف أسباب التبرير بأنها أركان سلبية للجريمة. يعني أنه يتعين اختفاؤها كي تقوم الجريمة.
ولأسباب التبرير طبيعة موضوعية لأنها عنصر في الركن القانوني للجريمة الذي يتميز بهذا الطابع كما سبق وأشرنا. وأسباب التبرير هي موضوعية من جهتين من حيث كيانها الذي لا يضم أصلاً عناصر شخصية ومن حيث أثرها الذي ينصرف إلى الفعل لا إلى شخص الفاعل.
إذاً ومن هذا التمهيد نجد بأن الشارع إذا قرر حقاً اقتصر ذلك حتماً إباحة الوسيلة إلى استعماله. أي تبرير الأفعال التي تستهدف الاستعمال المشروع للحق سواء الحصول على ما يتضمنه من مزايا.. أو لمباشرة ما يخوله من سلطات. وأساس اعتبار ممارسة الحق سبباً للتبرير وجوب تحقيق الاتساق بين قواعد القانون إذ يعدم المنطق القانوني أن يقرر الشارع حقاً ثم يعاقب على الأفعال التي يستعمل بها. فيكون معنى ذلك التناقض بين قواعد القانون وتجريده الحق في كل قيمة. وهذا السبب نص عليه الشارع بالمادة / 182 / عقوبات لا يعد جريمة الفعل المرتكب في ممارسة حق بغير تجاوز.
والتأكد من وجود هذا الحق يقتضي التحقق من اعتراف القانون بالمصلحة وحمايته لها وبغير هذا الاعتراف تظل المصلحة عاجزة عن أن تكون سبباً للتبرير. وقد تكون هذه المصلحة مقررة لمن يستفيد من التبرير فقد تكون مقررة لشخص غيره. أو للمجتمع فحق التأديب ليس مصلحة لمن يباشره. وكذلك مصلحة للأسرة والمجتمع وكذلك حق الطبيب في العلاج.
ويعد الفعل وسيلة مشروعة لممارسة الحق إذا التزم حدوده وحسنت نية مرتكبه ويعني ذلك أن هذا الشرط ينطوي في الحقيقة على شرطين التزام حدود الحق.. وحسن النية.
والحقوق التي يعترف بها القانون عديدة وكل حق يبيح طائفة أو طوائف محددة من الأفعال ومن غير المعقول أن يبيح هذا الحق لأغلب الجرائم. وأكثرها وردت في قانون العقوبات في قسمه الخاص والأعذار المحلة كالقوة القاهرة.. والسرقة والجنون والعته والسكر.. الخ.
فحق التأديب أتت على ذكره المادة / 185 / وأعطيت الحق بأن تكون لبعض أفراد الأسرة السلطة على البعض الآخر ويستتبع ذلك من اعتراف الشارع السوري بهذا النص وحالات ضروب التأديب التي ينزلها بالأولاد آباؤهم وأساتذتهم.. على نحو يبيحه العرف العام وقد أيدت محكمة النقض هذا النص بمشروعيته وقد أجمل نص المادة السابقة الذكر على شرط التبرير بالآباء والأساتذة حصراً وعرف الخاضعين له بأنهم (الأولاد) ثم أحال في عبارة عامة إلى العرف العام . وقد حدد القانون أصحاب الحق بأنهم الآباء في معنى واسع فيشمل كل من له الولاية على نفس الصغير.
كذلك أباح المشرع وبذات النص الحق للطبيب أسباب التبرير للعمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط أن تجري برضى العليل أو رضى ممثليه الشرعيين.. أو في حالات الضرورة الماسة ومن هذا النص الصريح للقانون يكون التبرير. إلا أن الشارع تطلب توافر شرطين. انطباق العمل على أصول الفن.. ورضاء العليل وفي حالات الضرورة الماسة يبرر العمل الطبي دون الاشتراط الثاني. أي لا يتطلب موافقة العليل أو ممثليه الشرعيين على الموافقة.
وسبب التبرير في الألعاب الرياضية التي أتت على ذكرها الفقرة / ج / من المادة 185 عقوبات هي التي يفترض استعمال العنف على جسم المنافس كالملاكمة والمصارعة..
وبعضها لا يفترض كالتنس وكرة القدم. إلا أن الشارع قيد كل ذلك بأن تراعى فيها قواعد اللعب.
والدفاع المشروع الناشئ عن الفعل المرتكب إنفاذاً لنص قانوني.. ولأمر مشروع صادر عن السلطة لا يعد جريمة ففعل الموظف تنفيذاً للقانون أو استعمال لسلطة تقديرية مخولة له فيلتزم المواطنون.. طبقاً للقانون بالاستجابة له. وتطبيقاً لذلك فإن من يتعرض لإنفاذ أمر بالتوقيف تتوافر فيه كل الشروط المتطلبة قانوناً لا يجوز له مقاومة الأفعال الصادرة عن الموظفين المكلفين بذلك. ونص المادة / 184 فقرة 1 / بررت الفعل المرتكب إنفاذاً لنص قانوني.. أو إعمالاً لأمر شرعي صادر عن السلطة.
ومما يعني نفي الصفة غير المحقة لهذا الفعل وما يرتبط به خطر. وإن المشرع لا يعترف للفرد بالحق المطلق في مقاومة فعل الموظف لأي عيب يشوبه نصوص التشريع السوري ذاته. فالمادة / 485 / الفقرة الثانية من قانون العقوبات تبرر الفاعل حين ينفذ أمراً غير شرعي صادر عن السلطة إذا لم يجز القانون له أن يتحقق شرعيته مما يعني نفي الصفة غير المحقة عن الفعل على الرغم من عيبه ويستتبع نفي هذه الصفة إنكار الدفاع المشروع إزاءه. وبالإضافة إلى ذلك أن المادة / 369 / من قانون العقوبات تعاقب من هاجم أو قاوم بالعنف موظفاً يعمل على تطبيق الشرائع والأنظمة… مما يفهم منه خطر الدفاع المشروع إزاء الموظف الذي يستند في عمله إلى سند معين هو تطبيق الشرائع والأنظمة.
وقد استعمل الشارع في المادة / 183 / من قانون العقوبات لفظ التعرض في التعبير عن الفعل الذي يصدر عن المعتدي وهذا اللفظ يقابله في النسخة الفرنسية للمادة السابقة تعبير () أي الاعتداء. وعلى الرغم من أن هذا اللفظ هو المتبادر إلى الذهن للتعبير عن النشاط الذي يصدر عن المعتدي فإنه ليس باللفظ الدقيق ذلك إن الدفاع المشروع لا يفترض اعتداء في المدلول الحرفي لهذا اللفظ إذ يعني الاعتداء إهداراً فعلياً للحق الذي يحميه القانون أي تحقق المساس بالحق على نحو لا يكون معه مجال للدفاع وتوضح ذلك أن الفكرة الأساسية في الدفاع المشروع أن الاعتداء لم يتحقق بعد على نحو نهائي فهو على وشك أن يبدأ.. أو هو قد بدأ ولكن لم ينته بعد وبذلك يكون محل لتصور الوظيفة الاجتماعية للدفاع كوسيلة للحيلولة دون بدء الاعتداء.. أو دون استمراره أما إذا كان الاعتداء قد تحقق فعلاً محل للدفاع إذ لا تصور الوقاية التي هي غايته. لذلك نعتقد أن المدلول الصحيح للفظ التعرض هو خطر الاعتداء.. ولا الاعتداء ذاته ففعل الدفاع يتجه إلى ذلك الخطر كي يحول دون تحققه.. وبالإضافة إلى ذلك فإن الشروط التي يتطلبها القانون تنصرف إلى الخطر وتصدق عليه أكثر مما تنصرف إلى الاعتداء الذي يهدده به ذلك الخطر.
للتوسع أنظر الدكتور محمود نجيب حسني شرح العقوبات القسم العام