الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 198 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

عرف الدكتور الفاضل بأن الجريمة السياسية عمل سياسي يجرمه القانون فهي صورة للنشاط السياسي الذي تنكب صاحبه طريق القانون فحملته العجلة في تحقيق أهدافه.. أو الميل إلى العنف في مواجهة الخصوم على أن يستبدل بالأسلوب الذي يرخص به القانون أسلوباً يحظره ونخلص من ذلك أن الأصل في الجريمة السياسية أن تتجه إلى العدوان على الحقوق السياسية للدولة وأن تحمل على ارتكابها دوافع بتوجيه النشاط السياسي للدولة على نحو معين.
فالجريمة السياسية إذن تتميز من جهة الباعث على ارتكابها والغرض من اقترافها كلاهما سياسي وتتميز كذلك من جهة ثانية الحق المعتدى عليه فيها أيضاً سياسي.
وتبعاً للرغبة في توسيع نطاق الجرائم السياسية وتضييقه انقسم الرأي الفقهي إلى مذهبين رئيسيين في تعريف نطاق الجرائم السياسية وتحديدها. الأول المذهب الشخصي ويكتفي بلون الباعث الذي دفع المجرم إلى ارتكاب جريمته فكلما كان الباعث سياسياً اعتبرت الجريمة سياسية وذلك بغض النظر عن موضوعها. والثاني المذهب الموضوعي وهو على العكس من المذهب الأول لا يكتفي في اعتبار الجريمة سياسية بأن يكون الباعث على ارتكابها سياسياً وإنما يعتد فوق ذلك بطبيعة موضوعها.. أي الحق المعتدى عليه منها. فالجريمة السياسية موضوع الاعتداء أحد حقوق الأفراد السياسية أو أحد حقوق الدولة السياسية. أي بوصفها سلطة عامة نيطت بها المحافظة على سلامة البلاد واستقلالها من جهة الخارج.. وضمان استقرار النظام السياسي في ربوعها من جهة الداخل.
وتطبيقاً للمذهبين الآنفي الذكر يمكن القول بوجود جرائم سياسية صرفة.. أي جرائم تعتبر سياسية سواء بالنظر إلى صفة الباعث الذي أوحى إلى المجرم ارتكابها.. أم إلى طبيعة الحق المعتدى عليه فيها تلك هي الجرائم التي تسمى سلطة الدولة السياسية أو نظامها السياسي يكون إما من الخارج وإما من الداخل.
فالاعتداء من الخارج هو المسدس باستقلال الدولة أو بسيادتها وعلة ذلك يدخل في الجرائم السياسية الصرفة الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي والمنصوص عليها في المواعد 263 -291 من القانون العقوبات السوري. أما الاعتداء من الداخل فهو المساس بشكل الحكومة أو نظام السلطة العامة أو حقوق الأفراد السياسية وعلى ذلك يدخل في الجرائم السياسية الصرفة.. الجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي والمنصوص عليها بالمواد 291 – 311 من قانون العقوبات.
وقد جميع قانون العقوبات السوري المذهبين الشخصي.. والموضوعي على صعيد واحد وعرف الجرائم السياسية في المادة / 195 / منه والتعريف الذي أتت عليه المادة المذكورة مستقر من التشريع الجزائي الإيطالي.
والمذهبين الشخصي والموضوعي يعودان فيختلفان في شأن نوع من الجرائم.. تدعى بالجرائم المركبة. وقد يطلق عليها أيضاً اسم الجرائم المختلطة. ونعني بها الجرائم التي يقع الاعتداء فيها حق فردي أو مصلحة خاصة ولكنها ترتكب بباعث سياسي.. أو لغرض سياسي. ومثلها التقليدي الواضح هو اغتيال رئيس الوزراء بقصد إحداث تغير في النظام السياسي وهذا ما يعبر عنه أحياناً بالاغتيال السياسي. وهي كذلك سواء أكان الباعث.. أو كانت الغاية سياسية واضحة ومباشرة كما هي الحال في الاغتيال السياسي أم كانت مجرد غاية سياسية بعيدة لا تظهر مباشرة في ذات الجريمة المرتكبة كسرقة الأسلحة بقصد التأهب الهياج سياسي.. أو ثورة أو ما إلى ذلك من الجرائم السياسية. أو كالاحتيال للحصول على موارد لمصلحة حزب سياسي ممنوع بغية الوصول يوماً إلى تحديد أهداف سياسية معينة.
أما أصحاب المذهب الموضوعي فإنهم يخرجون الجرائم المركبة بجميع صورها من عداد الجرائم السياسية لما فيها من اعتداء على حقوق ومصالح فردية. ويبدو أن هذا هو الرأي السائد في موضوع الجرائم المركبة أو المختلطة في العصر الحاضر.
وقد أصبح من المعتاد أو المتعارف عليه لدى الدول في الاتفاقات.. أو المعاهدات التي تعقدها بعضها مع بعض حول تسليم المجرمين أن تدرج في صلبها ما يعرف بالشرط البلجكي ومقتضاه تقرير قاعدة قبول التسليم في جرائم الاعتداء حياة رؤساء الدول. وهذا بالفعل ما نصت عليه اتفاقية تسليم المجرمين التي أقرتها دول الجامعة العربية.
وقد أجمل الشارع السوري كل قواعد الإجرام السياسي في المادة / 196 / من قانون العقوبات كما تجاوب مع المبادئ تقضي بتقرير معاملة ممتازة للمجرمين السياسيين وتبدو مظاهر هذه المعاملة الممتازة في قانون العقوبات السوري في أمور كثيرة لعل أهمها
1 – إن قانون العقوبات السوري خلق سل-مين للعقوبات أحدهما للجرائم السياسية والثاني للجرائم العادية وقد استبعد عقوبة الإعدام والشغال الشاقة.. والحبس مع التشغيل من عداد العقوبات المقررة للجرائم السياسية.
2 – وذهب الشارع السوري في هذا المضمار إلى مدى أوسع فأوجب على القاضي في المادة / 197 / من قانون العقوبات إذا أحس أن للجريمة العادية المرتكبة طابعاً سياسياً أن يقضي بالاعتقال المؤبد من عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة المقررة في الأصل لهذه الجريمة.. إلخ.
بل أن الشارع السوري لم ينس أن يستبعد من نطاق هذه الحكام الرحيمة على الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي. يرجى الرجوع لنص المواد 263 -291 عقوبات. في أن استثناء هذه الجرائم المخلة بأمن الدولة الخارجي من عداد الجرائم السياسية واستبقاء عقوبات الإعدام والأشغال الشاقة فيها له ما يبرره.. لأنه يتعذر أن تصدق على هذه الجرائم الاعتبارات التي أوحت في الأصل بإتباع خطة الرفق في معاملة المجرم السياسي.. إذ أن الخائن.. أو الجاسوس لا تحدوه البواعث النبيلة في ما يرتكبه من الجرائم في حق الدولة.
3 – وقد أوجبت المادة 198 من قانون العقوبات السوري على القاضي مقابل ذلك – إذا تحقق أن الجريمة التي يعاقب عليها الشارع بعقوبة سياسية قد ارتكبت بدافع دنيء أن يبدل العقوبة المنصوص عليها قانوناً.. العقوبة التي تقابلها في المادة السابقة – أي المادة 197 عقوبات – .
4 – أخذ قانون العقوبات السوري بمبدأ عدم تسليم المجرمين السياسيين بنص صريح فيه وأقر هذا المبدأ في جميع الاتفاقات القضائية التي عقدتها سلطات هذا البلد المختصة مع الدول الأخرى كالاتفاق القضائي المعقود مع لبنان والمملكة العربية الهاشمية الأردنية والاتفاق الذي أقرته دول الجامعة العربية في هذا الصدد.
5 – وتقضي أنظمة السجون بمنح المجرمين السياسيين عند التوقيف أو تنفيذ العقوبات بعض الامتيازات التي لا يتمتع بها المجرمون العاديون.
6 – والملحوظ أيضاً أن الشارع يجري في الغالب على التساهل في منح العفو الشامل عن الجرائم التي بباعث.. أو الغرض سياسي.
7 – وعلى الرغم من أن قانون العقوبات قد جمع بين المعيارين الذاتي والموضوعي في التعريف بالجريمة السياسية في صلب المادة / 195 / فوسع بذلك في نطاق الشمول للجرائم السياسية اقتداء بما ورد في قانون العقوبات الإيطالي الموضوع عام 1920 فإن مفهوم الجريمة السياسية أخذ بالأقوال. فقد ضاق مضمونها وسلخت صفتها عن عدد كبير من الجرائم التي كانت تعتبر إلى عهد قريب سياسية أما بحكم موضوعها – أو بحكم الباعث عليها أو الغاية منها.
للتوسع أنظر الدكتور محمود نجيب حسني والدكتور محمد الفاضل والدكتور عبد الوهاب حومد والدكتور محمود مصطفى.