الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 246 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

أسباب تخفيف العقاب عرفها الفقهاء في ظروف وحالات خاصة حيث يجب فيها على القاضي.. أو يجوز له أن يحكم من أجل جريمة بعقوبة أخف من نوعها من المقررة لها في القانون أو أدنى في مقدارها من الحد الأدنى الذي يضعه القانون. وتقوم أسباب التخفيف كافة على علة واحدة. هي أن تقدير الشارع للعقوبة التي يقررها قد يكون – إزاء حالات خاصة – أشد مما ينبغي ثم أنه لا يكفي لجعلها ملائمة لها الهبوط بها إلى الحد الأدنى ولذلك وضع القواعد التي تكفل تحقيق هذه الملائمة لتمكن القاضي من الهبوط بها دون الحد الأدنى. وعلى هذا النحو فعلة أسباب التخفيف هي تحقيق الملائمة بين العقوبة وظروف حالات خاصة فهي بذلك تمكين للقاضي من استعمال أصوب لسلطته التقديرية.. وإن كانت الوسيلة إلى ذلك هي تخطي حدود هذه السلطة. وتحمل حالات التخفيف طابعاً من الخصوصية هو الذي جعل القواعد العامة في استعمال السلطة التقديرية غير كافية لمواجهتها.
إلا أنه لابد من الإيضاح بأن أسباب التخفيف تنقسم إلى نوعين..أسباب تخفيف وجوبي ويطلق عليها تعبير الإعذار وأسباب تخفيف جوازي يطلق عليها تعبير أسباب التخفيف ويطلق عليها أيضاً الأسباب التقديرية المخففة. والفرق الجوهري بينهما أن التخفيف عند توافر العذر إلزامي للقاضي.. في حين أنه جوازي عند توافر السبب التقديري المخفف. ويعني ذلك أن النوع الأول يعدل من نطاق سلطة القاضي باعتباره يستبدل بحدودها الأولى حدوداً جديدة. أما النوع الثاني فيوسع من نطاقها. باعتبار أن القاضي يظل متحفظاً بسلطته الأولى إذ له أن يقضي بالعقوبة المقررة أصلاً وبالإضافة إلى ذلك فله أن يقضي بعقوبة تجاوز حدود هذه السلطة.
ويضاف إلى ذلك فارق ثان.. فالاعتذار يحدد القانون على سبيل الحصر حالاتها ويبين إزاء كل حالة شروطها ويحدد بعد ذلك مقدار التخفيف الذي يستطيع القاضي أن يذهب إليه. أما الأسباب التقديرية المخففة فلا يحددها القانون.. إلا أنه يترك الأمر لفطنة القاضي استخلاص ما يعتبره – بالنظر إلى ظروف حالة معينة – مبرراً لتخفيف عقابها.
والاعتذار نوعان.. أعذار معفية من العقاب ( ) ويطلق عليها بالتشريع السوري الأعذار المحلة. وأعذار مخففة ( ).
الأعذار المحلة من العقاب. هي الظروف أو الأسباب المنصوص عليها في القانون والتي من شأنها إعفاء الفاعل من العقوبة على الرغم من قيام مسؤولية.. وهذه هي الأعذار المحلة.. وفي القانون المصري يطلق عليها ب- موانع العقاب كما سبق وأشرنا سابقاً. والأعذار إلا في الحالات التي حددها القانون على سبيل الحصر. وقد نصت على ذلك المادة / 239 / من قانون العقوبات السوري.
والأسباب التي من هذا القبيل عديدة وهي مقررة الأسباب مختلفة. قد تكون مقابل الخدمة التي يقدمها الجاني للهيئة الاجتماعية بالكشف عن الجريمة أو تسهيل ضبط الفاعلين الآخرين لها.. وتشجيعاً لمن يتطور من الجناة في بعض الجرائم على عدم الاسترسال فيها. كحالة الإعفاء المقررة في الجرائم الواقعة على أمن الدولة (المادة 262) والراشي والمرتشي (المادة 344) وتقليد خاتم الدولة (المادة 429) وتزوير العملة (المادة 442).
وقد يكون الإعفاء مقرراً بقصد تشجيع الجاني على عدم الاسترسال في عمله الإجرامي كما هو في الإعفاء المقرر في زمرة العصبات (المادة 300) وقد يكون هذا الإعفاء مقرراً أيضاً بسبب إصلاح الجاني الضرر الناتج عن جريمته كما هو الشأن في (المادة 508) التي تنص على أنه إذا تزوج الخاطف أو المغتصب بمن اغتصبها أو خطفها زواجاً شرعياً لا يحكم عليه بالعقوبة. وأخيراً قد يكون مقرراً إبقاء على صلة القربى بين الجاني والمجني عليه.
والأثر القانوني للعذر المحل هو رفع العقوبة عن الجاني فقط. مع قيام المسؤولية ومع بقاء الفعل جريمة. فمن أجل ذلك يرى فقهاء القانون أن تقرير الإعفاء لابد له من أن يكون بمعرفة سلطة الحكم. فلا تملك سلطات التحقيق حفظ الأوراق لهذا السبب لأن الإعفاء من العقوبة يدخل في تطبيق العقوبة وهذا ليس خصائص سلطة التحقيق. ويترتب بعضهم على ذلك القول بأماكن الحكم على المتهم الذي يستفيد من العذر المحل بأحد تدابير الإصلاح.. أو التدابير الاحترازية ما عدا العزلة (المادة 240 عقوبات) التقرير بإجرام المتهم من غير توقيع عقوبة عليه إذا كان من شأن إعفاؤه من كل عقوبة أصلية أو فرعية أو إضافية. ومن أجل ذلك جرى العمل في مصر على أن سلطة التحقيق إذا ما رأت توافر العذر المحل من العقاب تقرر حفظ الأوراق قطعياً لامتناع العقاب إلا أن في القطر العربي السوري جرى على أن قضاء التحقيق لا يملك حق تقرير منع المحاكمة في حال توافر شروط العذر المحل في الواقعة المدعى بها. بل يحيل الأوراق للمحكمة صاحبة الاختصاص.
وأما الأعذار المخففة ( )هي حالات حددها الشارع على سبيل الحصر يلتزم فيها القاضي بأن يهبط بالعقوبة المقررة للجريمة وفقاً لقواعد معينة في القانون.. إلا أنها متروكة لتقدير القاضي.
والأعذار القانونية المخففة قد تكون عامة.. وقد تكون خاصة.
فالأعذار المخففة العامة لها صفة الشمول وتعم كل الجرائم.. وتسري في كل جريمة متى توافرت فيها شروط العذر. وأهم هذه الأعذار في التشريع الجزائي السوري.. عذر العته (المادة 232 عقوبات) وعذر القصر (الأحداث) والدافع الشريف (المادة 192) والإثارة (المادة 242).
وكذلك يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم بثورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه (المادة 242 عقوبات).
وعندما ينص القانون على عذر مخفف فإنه يعين مقدار التخفيف الوجوبي.. فإذا أغفل النص ذكر مقدار التخفيف. وجب تطبيق الحكم العام الوارد في المادة / 241 / عقوبات على الوجه التي فصلته المادة / 243 / عقوبات.
وجدير بالذكر أن تخفيض العقوبة أو تحويلها على الشكل الوارد في المادة / 243 / لا يمنع من أن ينزل بالمستفيد ما كان يتعرض له من تدابير الاحتراز ما خلا العزلة.. ولو كان قضي عليه بالعقوبة الأصلية التي نص عليها القانون.
وأما الأعذار المخففة الخاصة فيقتصر نطاقها على جريمة معينة أو عدد محدود من الجرائم وقد نص القانون عليها صراحة. ومثال ذلك العذر المخفف الوارد في المادة / 262 / من قانون العقوبات وكذلك العذر المخفف الوارد في المادة / 548 / والممنوح لمن يفاجئ زوجته أو أحد أصوله أو فروعه إلخ.. في حالة مريبة مع شخص آخر إذا قتلهما أو أذى أحدهما. ومن هذا القبيل العذر المخفف في المادة / 549 / والممنوح لمن يقتل أو يؤذي لصاً دخل أو حاول إلخ… ويمكن أن نشير في هذا المجال إلى أمثلة أخرى كثيرة أتى بها الشارع في المواد 356 و400 و401 و418 و442 و461 و483 و503 و531 و555 و662 وغيرها من قانون العقوبات السوري.
والأثر المترتب على الأعذار المخففة هو تخفيض العقوبة وجوباً بحكم القانون.. وللقاضي الحرية المطلقة في تقدير العقوبة والنزول بها في حدود النص القانوني كما تقدم ومن البديهي أن العذر القانوني المخفف يؤثر في التكييف ويبدل الجناية جنحة إلا في عذر القصر.
وأما الظروف المخفف ( ) فقد اقتصر الشارع على أنه أباحها بصفة عامة في المواد 243 – 246 المعدلة من قانون العقوبات الفصل الثاني في الأسباب المخففة وتخفيف العقوبة عن المتهم في الحدود المبينة. وترك تقدير الظروف التي تبرر هذا التخفيف إلى القضاة حسبما يظهر لهم من وقائع كل دعوى.
إذاً فالظروف المخففة تتفق مع الأعذار المخففة والفرق بينهما هو أن الاعتذار مبينة في القانون على سبيل الحصر والتخفيف فيها وجوبي في الحدود التي رسمها النص الذي يقررها.. أما الظروف المخففة. فإنها غير مبينة في القانون والقاضي هو الذي يقدرها.. والتخفيف فيها جوازي ومن أجل ذلك تسمى بالظروف القضائية المخففة أو الأسباب المخففة التقديرية كما سبق وأشرنا في أول الهامش.
ونظام الظروف القضائية المخففة كبير الفائدة . لأنه مكن القاضي بصلاحية تقدير العقوبة الملائمة لكل منهم على انفراده تبعاً لحالته وظروف الجريمة خاصة إذا كان القانون يقرر للجريمة عقوبة ثابتة. أي ذات حد واحد كالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة. فهذه الحالات تقدر في القانون تبعاً لجسامة العمل في ذاته بغير مراعاة لظروف ارتكابه.. ولا لظروف الجاني الخاصة.
وظروف ارتكاب الجرائم وظروف جناتها ليست واحدة. فليس من العدل أن تكون العقوبة واحدة لا تتغير.
وإن تمكين القاضي من التصرف في العقوبة بما يجعلها متلائمة مع ظروف الجريمة وظروف الجاني هو الوسيلة لجعل النصوص القانونية في شأن العقوبة متمشية مع مقتضيات الواقع. والسبيل إلى ذلك هو تقدير نظام الظروف المخففة. وما يقال بشأن العقوبة الثابتة ذات الحد الواحد.. يقال في العقوبة ذات الحدين الأدنى والأقصى.. فقد يكون لأحوال الجريمة وظروف الجاني ما يدعو إلى النزول بالعقوبة عن حدها الأدنى ولم يتم ذلك إلا بتطبيق نظام الظروف القضائية المخففة.
ونطاق الظروف المخففة وأثرها هو نظام من مبتدعات التشريع الحديث فهو لا يتصور إلا مع قاعدة شرعية العقوبة.. ولا يقتصر على الجنايات وحدها.. كما هي الحال في بعض البلدان العربية ولكنه يشمل في التشريع الجزائي السوري جميع أنواع الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات.
ففي الجنايات أفصحت المادة / 243 / عقوبات المعدلة أثر الأسباب المخففة في تخفيض العقوبات الجنائية وفق التدرج الذي نصت عليه المادة الملمع إليها.
وفي الجنح تقضي المادة / 244 / عقوبات على أنه إذا أخذت المحكمة بالأسباب المخففة لمصلحة من ارتكب جنحة فلها أن تخفض العقوبة إلى حدها الأدنى المبين في المواد 51 – 53 عقوبات أي أن عقوبة الحبس يمكن أن تغدو بعد التخفيض عشرة أيام وعقوبة الإقامة ثلاثة أشهر وعقوبة الغرامة مائة ليرة.. الخ. إلا أن الشارع قيد القاضي وأوجب عليه أن يكون القرار المانع للظروف التخفيفية معللاً تعليلاً خاصاً سواء في الجنايات أو الجنح أو المخالفات.
ومن الجدير بالذكر أن الأخذ بالأسباب المخففة لا يمكن أن يفضي إلى تبديل الوصف القانوني للجريمة. فإذا كانت العقوبة جنائية وأدى وجوب أسباب التخفيف إلى الاستعاضة عنها بعقوبة جنحية.. فإن الوصف القانوني للجريمة يبقى جناية ولا ينقلب إلى جنحة إطلاقاً وهذا صريح بنص المادة / 179 / من قانون العقوبات.
ولا يقتصر أثر الأسباب المخففة التقديرية على الجرائم الواردة في قانون العقوبات وإنما يتناول أيضاً جميع الجرائم المنصوص عليها في القوانين الخاصة ما لم تنطو هذه القوانين على نص يحظر الأخذ بالظروف المخففة في تطبيق العقوبات على معترفي الجرائم التي تقررها هذه القوانين ذاتها. مثلاً النص الوارد في قانون مكافحة المخدرات على عدم جواز تطبيق حكم التخفيف الوارد في المادة 243 من قانون العقوبات على بعض جرائم المخدرات. كما ورد النص في صلب قانون العقوبات الاقتصادية على تحظير تطبيق الظروف والأسباب المخففة في الجرائم التي تطبق عليها أحكام المادة 28 / عقوبات اقتصادية.
وختاماً على القاضي تعليل أسباب تخفيف العقوبة حال استعماله صلاحيته التقديرية وحسن تطبيق القانون.
وللتوسع أنظر الدكتور الفاضل والدكتور حومد والدكتور حسني والدكتور سعيد السعيد.