الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 259 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

إن أسباب التشديد هي ظروف تأتي في القانون الجزائي في مقابلة الأعذار لا في مقابلة الأسباب المخففة. والزمرتان مذكورتان في قانون صراحة وليس للقاضي حرية في الامتناع عن تطبيقهما.. أو في التوسع فيهما في حين أن حريته مطلقة في منح الأسباب المخففة. أو في عدم منحها.
إذاً هي حالات يجب فيها على القاضي.. أو يجوز له أن يحكم بعقوبة من نوع أشد مما يقرره القانون للجريمة.. أو يجاوز الحد الأقصى الذي وضعه القانون لعقوبة هذه الجريمة.
ومن ذلك يتضح أن أسباب تشديد العقاب تعرف بتأثيرها على حدود السلطة التقديرية للقاضي فهي تستبدل حدودها العادية.. بحدود جديدة حينما تكون وجوبية فتلزم القاضي أن يحكم بعقوبة من نوع أشد مما يقرره القانون للجريمة.. أو أن يحكم بعقوبة الجريمة مجاوزاً في مقدارها حدها الأقصى. أو هي توسع من نطاق هذه السلطة. حينما تكون جوازية بتمكينها القاضي.. بالإضافة إلى الحكم بالعقوبة العادية للجريمة – أن يحكم بعقوبة أشد منها نوعاً أو مقداراً.
وعلة هذه الأسباب هي تمكين القاضي من تحقيق ملاءمة كاملة بين العقوبة التي ينطق بها والظروف الواقعية للدعوى التي تقضي مزيداً من التشديد يجاوز ما يسمح به القانون في النص الخاص بالجريمة. ويعني ذلك أن وظيفة أسباب التشديد في النظام القانوني هي إتاحة السبيل لاستعمال أصوب للسلطة التقديرية للقاضي.. وشأنها في ذلك شأن أسباب التخفيف على أن يكون لكل منهما مجال خاصاً به للتطبيق وفي الحالتين يجب على القاضي التعليل وبيان الأسباب.
والأسباب المشددة بعضها ذو طبيعة مادية… وبعضها الآخر ذو طبيعة شخصية وبعضها الثالث ذو صفة مزدوجة.
الظروف المادية هي التي تتعلق بالجانب المادي للجريمة. وتعني ازدياد خطورته وقد تتصل بالفعل فهي تفترض ارتكابه على نحو يجعله أكثر خطورة. وقد ترجع هذه الخطورة إلى استخدام وسيلة معينة تزيد جسامته. كاستخدام السلاح والعنف والإكراه في السرقة أو في مكان عام ومسكون والسرقة ليلاً. وقد تتصل الظروف العادية بالنتيجة التي ترتبت على الفعل وتفترض جسامة الأذى الذي أحدثه الفعل. مثال ذلك حدوث الموت أو العاهة المستديمة أو العجز أو التعطيل عن العمل مدة تتجاوز عشرين يوماً كأثر لفعل الضرب أو الجرح أو غير ذلك من ألوان الإيذاء.
وأما لأسباب.. أو الظروف الشخصية فتتصل بالجانب المعنوي للجريمة.. وتعني ازدياد خطورة الإرادة الآثمة أو ازدياد الخطورة الكامنة في شخص الجاني ومثالها العمد الذي يعد ظرفاً مشدداً في جرائم القتل والإيذاء والعود والتكرار الذي يعد ظرفاً مشدداً عاماً في الجنايات والجنح والمخالفات. ومثال ذلك هذه الظروف أيضاً صفات معينة يرى القانون أنها إذا توافرت للجاني.. دلت على إساءة استغلاله الثقة التي وضعت فيه أو السلطة التي منحت له ومثال ذلك صفة الخادم التي تعد ظرفاً مشدداً في جرائم السرقة.
وحالة ما إذا كان الجاني أصلاً للمجنى عليه أو من المتولين تربيته أو ملاحظته أو ممن لهم عليه سلطة. إذ تعد هذه الصفات ظرفاً مشدداً في بعض الجرائم دون بعضها الآخر.
وقد نجد أن هناك أسباباً مشددة مزدوجة أي مادية وشخصية في آن واحد. وتنقسم الأسباب المشددة من ناحية أخرى إلى أسباب عامة وأسباب خاصة.. فالنوع الأول يسري على كل الجرائم ومثاله التكرار الذي يعتبره القانون ظرفاً مشدداً في الجنايات والجنح والمخالفات. أما النوع الثاني فيقتصر نطاقه على جريمة واحدة.. أو على عدد محدود من الجرائم ومثال ذلك محل العبادة الذي يعتبر ارتكاب السرقة فيه ظرفاً مشدداً لها والعمد الذي يقتصر نطاقه على جرائم القتل والإيذاء.
وقد عرف الفقهاء أن التكرار هو ارتكاب المتهم جريمة أو أكثر بعد أن حكم عليه نهائياً من أجل جريمة سابقة. فالتكرار يفترض ارتكاب المتهم عدداً من الجرائم ولكنه يفترض أن المتهم لم يرتكب إحدى هذه الجرائم.. أو بعضها إلا في وقت لاحق على الحكم عليه نهائياً من أجل جريمة سابقة. فالجرائم المتعددة يفصل بينها حكم نهائي بات في إحداها أو في بعضها.
ومما سبق يتضح الفرق بين اجتماع الجرائم والتكرار. فالاجتماع أو التعدد يفترض ارتكاب المتهم عدداً من الجرائم قبل أن يحكم عليه نهائياً من أجل إحداها.. في حين أ التكرار صدور حكم مبرم على المتهم قبل أن يقدم على ارتكاب الجريمة التالية.
وقد اعتبر الشارع السوري بأن التكرار سبب لتشديد العقوبة.. ويرى بأن العقاب المغلظ هو الذي يردع مثل هذا الشخص عن الجرائم.
والتكرار كما سبق وأشرنا سبب لتشديد العقاب في كل الجنايات والجنح والمخالفات. وقد جاء نص الشارع على أحكام التكرار في المواد 248 و249 و250 و251 من قانون العقوبات.
وللتكرار شرطين صدور حكم مبرم للعقاب.. وارتكاب جريمة تالية إلا أنه ليس كل حكم نهائي بالعقاب كافياً لكي يعد الشرط الأول من شرطي العقاب.. وليست كل جريمة تالية صالحة لكي يعد المتهم مكرراً لأن القانون يتطلب شروطاً في الحكم.. وفي الجريمة التالية حتى يتوافر شرطان
أولاً – أ) – في الحكم يتطلب الشارع الشروط التالية أولاً – يجب أن يكون الحكم مبرماً.. ويعد الحكم مبرماً إذا كان غير قابل للطعن بطريق من الطرق العادية أو غير العادية. ثانياً – يجب أن يكون الحكم صادراً بالعقاب.. وكل العقوبات سواء في نظر القانون فالحكم القاضي بالغرامة يعد سابقة في التكرار والشارع لا يعتبر المتهم قد تلقى إنذاراً حقيقياً إلا إذا قضي عليه بالعقاب. ثالثاً – يجب أن يكون الحكم قائماً حتى يرتكب المتهم جريمته التالية
وإذا زال هذا الحكم وأصبح غير قائم في نظر القانون.. فلا يعد إنذار يحاسب المتهم على عدم تأثره به وقت أن ارتكب جريمته التالية.
ويزول هذا الحكم بالعفو العام أو برد الاعتبار.. أو بانقضاء مدة وقف التنفيذ دون أن يلغى الوقف أو بصدور قانون جديد يلغي نص التجريم.. أو يجعل الفعل المرتكب غير معاقب عليه.
وهنا نلاحظ أنه انقضت العقوبة دون أن يزول الحكم الصادر بها كما إذا سقطت بالتقادم أو بالعفو الخاص فإن ذلك لا يحول دون توافر هذا الشرط.
ب) – أما ارتكاب الجريمة التالية شرطاً أساسياً للتكرار لأنه يثبت أن الحكم المبرم السابق لم يكن ذا أثر رادع على المتهم فلم يحل بينه وبين ارتكاب هذه الجريمة اللاحقة.
ويتطلب القانون أن تكون هذه الجريمة مستقلة عن الجريمة السابقة التي أدين المتهم بهما. ويستوي لدى القانون أن تقع هذه الجريمة اللاحقة تامة.. أو أن تتخذ صورة الشروع المعاقب عليه كما يستوي أن يسأل المتهم عنها باعتباره فاعلاً أصلياً بهما أو شريكاً.. أو متدخلاً أو متحرضاً.
وحالات التكرار قد لخصها المرحوم الدكتور الفاضل كما يلي
1 – عند ارتكاب جناية مهما كانت ثم جناية ثانية مهما كانت.. فالمجرم في حالة تكرار.
2 – عند ارتكاب جناية.. ثم جنحة مهما كانت فالمجرم في حالة تكرار أيضاً. 3 – عند ارتكاب جنحة ثم جنحة من الفئة نفسها.. فالمجرم في حالة تكرار.
4 – عن ارتكاب مخالفة ثم ارتكاب مخالفة أخرى.. فإن المجرم في حالة تكرار إذا كانت المخالفة هي نفسها في المرتين أو إذا كانت المخالفتان المقترفتان قد ارتكبتها خرقاً لنظام واحد.
وقد نصت المادة / 250 / على فئات الجنح المتماثلة وعددتها بعشر حالات.
ثانياً – عقوبات التكرار لقد وضع الشارع السوري قاعدة عامة للتشديد في صلب المادة / 247 / عقوبات في حال خلو النص القانوني في تحديد مقدار التشديد الذي يستلزمه السبب المشدد.
غير أن هذه القاعدة العامة التي جاءت بها المادة / 247 / عقوبات لا مجال لها في حالة التكرار. لأن الشارع قد ذكر بصراحة في المواد / 248 و249 و251 / مقدار التشديد الذي تستوجبه كل حالة من حالات التكرار وذلك على الوجه المذكور بالنص.
وأما اعتياد الإجرام وقد عرفته المادة / 252 / عقوبات فقالت المجرم المعتاد هو الذي يتم عمله الإجرامي على استعداد نفسي دائم فطرياً كان أو مكتسباً لارتكاب الجنايات والجنح.
والمادتان / 253و254 / قد نصت على أول مظهر من مظاهر اعتياد الإجرام وهناك أحكام مشتركة بين التكرار واعتياد الإجراموقد قضت بهذه الأحكام المشتركة المادتان 256 و257 عقوبات ويمكن تخليصها بما يلي
يمكن المنع من الحقوق المدنية ومنع الإقامة والإخراج من البلاد على من ثبت اعتياده للإجرام أو من حكم عليه كمكرر بعقوبة جنحية مانعة للحرية – إلى آخر النص من المادتان.
وفي حالة اجتماع الأسباب المشددة والمخففة في القضية الواحدة وفي آن واحد موضع تساؤل كيف ينبغي على القاضي أن يحدد مقدار العقوبة التي يجب الحكم بها في صلب القرار القضائي.
نقول قد وضع الشارع الحل في المادتين 258و259 من قانون العقوبات فأوجب على القاضي مثل هذه الحال أن يعين في صلب الحكم المقضى به مفعول كل من السباب المشددة أو المخففة على العقوبة المقضي بها وفق الترتيب التالي
1 – الأسباب المشددة 2 – الأعذار 3 – الأسباب المشددة الشخصية 4 – الأسباب المخففة.
وهكذا يبدأ القاضي عند تحديد مقدار العقوبة بتشديد العقوبة للسبب المشدد المادي (كالليل أو الكسر مثلاً) ثم يعمد إلى تخفيف العقوبة للعذر المخفف أو إذا وجد (كالقصر أو العته مثلاً) ثم تشدد العقوبة للسبب المشدد الشخصي إذا كان قائماً (كالتكرار والعمد) ثم يلجأ إلى التخفيف للأسباب المخففة التقديرية (كالفقر والتوبة) إلخ.
والعقوبة الناتجة عن هذه العملية الحسابية هي العقوبة التي يجب أن يقضى بها وان تطبق على الفاعل وإذا كان أحد هذه الأسباب المشددة.. أو المخففة غير قائم فيهمل عند إجراء الحساب من الترتيب ويؤخذ لما يليه وهذا ما اتجهت إليه محكمة النقض السورية بقرارها رقم 179 و711 لعام 1962.