الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 640 من قانون العقوبات

الرأي الفقهي

الحق الشارع بالسرقة جرائم ثلاث هي الاغتصاب والتهويل واستعمال أشياء الغير بدون حق. ويبرر مذهب الشارع في الحاق هذه الجرائم بالسرقة أنها مثل جرائم الاعتداء على المال وتدفع إليها نية الاثراء وبالاضافة إلى ذلك فإن خطة المدعى عليه هي تجاهل ارادة المجنى عليه بل وقهرها وهي خطة تقترب من خطة السارق وتبتعد كثيراً عن خطة المحتال أو مسيء الائتمان. ولكن يفسر من ناحية أخرى مذهب الشارع في التمييز بين هذه الجرائم والسرقة – فقد اعتبرها جرائم متميزة عن السرقة ولم يجعلها صوراً من السرقة. لأن أركان السرقة جميعاً لا تتوافر لكل منها فقد لا تتوافر لموضوع الجريمة الطبيعية المادية وقد لا يتخذ الفعل الجرمي صورة الأخذ وقد لا تتوافر نية التملك فلو اكتفى الشارع بالنصوص الخاصة بالسرقة لما دخلت في الغالب الأفعال التي تقوم بها هذه الجرائم في نطاق التجريم وهي نتيجة لم يقبل بها الشارع لتقديره خطورة هذه الأفعال على المجتمع.
ومن استقراء نص المادة 635 و636 عقوبات سوري نجد بأن الشارع قد هدف بهذا النص إلى حماية ثروة المجنى عليه وارادته معاً فالفعل الجرمي ينصب على توقيع يوضع على سند ذي قيمة مالية أو ينصب على هذا السند مباشرة أو يتجه إلى الحمل على فعل أو امتناع من شأنه الاضرار بثروة المجنى عليه أو غيره والفعل الجرمي اكراه أو تهديد أي أنه في جوهره اضعاف لارادة المجنى عليه بحيث تفقد قيمتها القانونية وتتجه على غير الوجه الذي كانت تتجه إليه لو تركت حرة. وقد أردف الشارع بيان أركان هذه الجريمة بالنص على ظرف مشدد يتحقق بحمل المدعى عليه سلاحاً واستعماله في تهديد المجنى عليه.
وتقوم جريمة الاغتصاب على أركان ثلاثة موضوع جرمي هو توقيع أو كتابة تتضمن تعهداً أو ابراء أو عملاً أو امتناعاً من شأنه الاضرار بثروة المجنى عليه أو غيره. وفعل جرمي هو الاكراه أو التهديد. وقصد جرمي يتضمن من بين عناصره نية المدعى عليه اجتلاب نفع غير مشروع له أو لغيره.
والفرق بين الاغتصاب والسرقة. هو إذا اتجه الفعل الجرمي إلى الحمل على وضع امضاء أو القيام بعمل أو الامتناع عنه فإن الفرق يكون واضحاً بين الاغتصاب والسرقة فليس وضع الامضاء أو العمل أو الامتناع شيئاً ذا كيان مادي يصلح أن يكون في ذاته موضوعاً لسرقة. أما إذا كان اتجاه الفعل الجرمي إلى الحمل على تسليم سند فقد لا يكون واضحاً الفرق بين الاغتصاب والسرقة ذلك أن السند ذو كيان مادي ويصلح من غير شك موضوعاً للسرقة ولكن ثمة اعتبارات حملت الشارع على استبعاد هذا الفعل من نطاق السرقة ذلك أن السند ليست له قفيمة في ذاته وإنما هو أداة اثبات لحق وحين يغتصبه شخص فمشروعه لن يقف عند ذلك إذ لن يحقق السند في ذاته النفع الذي يريده وإنما يسعى بعد ذلك إلى المطالبة بالحق المثبت فيه وقد تصادفه في هذا السبيل عقابت خاصة وأن المجنى عليه ينشط عقب الجريمة لابطال مفعول ذلك السند ومن ثم لا يحقق المدعى عليه غايته. ويعني ذلك أن هذه الجريمة أقل من السرقة خطورة ومن ثم جعل الشارع عقوبتها أقل.
والنتيجة الهامة التي تترتب على التمييز بين الاغتصاب والسرقة أنه إذا ارتكب الاغتصاب عن طريق العنف فلن يكون العنف مجرد ظرف كالوضع في السرقة وإنما هو ركن إذ هو الفعل الجرمي ذاته. وإذا تجرد الاغتصاب من العنف فلا يعني حتماً اعتبار الجريمة سرقة إذ يرتهن ذلك بمعرفة ما إذا كان تسليم السند الذي صدر إلى المدعى عليه لم ينف فعل الأخذ أم قد نفاه.
الركن الأول – الموضوع الجرمي الامضاء أو الكتابة أو العمل أو الامتناع عنه قد يتجه الفعل الجرمي إلى حمل المجنى عليه على وضع امضائه في ذيل سند على وجه يوحي بصدور هذا السند عنه. والامضاء علامة تدل على شخصية صاحبها ويعني وضعها في ذيل السند – وفق عرف المعاملات – صدوره عنه والتزامه بما يتضمنه من التزامات ويغلب أن تكون الامضاء كيفية معينة في كتابة الاسم ولكن يجوز أن تتخذ شكلاً آخر طالما كانت ليها ذات القوة في الاثبات. ويتعين أن تكون الامضاء لذات المجنى عليه إذ لو وضع امضاء شخص آخر فلن تكون لها قيمة. وينبغي أن توضع الامضاء في ذيل سند ذي قيمة مالية إذ الاغتصاب جريمة ضد المال وهي لذلك لا تقوم بالحمل على وضع الامضاء في ذيل سند متجرد من القيمة المالية.
وقد يتجه الفعل الجرمي إلى حمل المجنى عليه على تسليم كتابة تتضمن تعهداً أو ابراء وهذه الكتابة تعني سنداً مالياً ومناط الصفة المالية للسند هي صلاحيته لأن يكون دليل اثبات على وجود موجب أو على انقضائه وجميع الموجبات وأسباب انقضائها سواء في ذلك ولا فرق بين الموجبات المدنية والتجارية. فقد يكون موضوع السند اثبات قرض أو بيع أو هية أو إيجار أو وكالة أو وصية أو مخالصة من دين أياً كان مصدره ومقداره ويجوز أن يكون سند سحب أو سنداً لأمر أو شكاً. ولا يتطلب القانون أن يكون السند للمجنى عليه فقد يكون مودعاً لديه فحسب أو في يده العارضة بل من الجائز أن يكون السند للمدعى عليه كما لو استعمل المدين الاكراه أو التهديد لحمل الدائن على تسليمه سند الدين كي يأمن مطالبته به. ويترتب على تطلب الصفة المالية للسند أنه لا تصلح موضوعاً لهذه الجريمة المحررة غير ذات القيمة المالية كمحرر يعترف به شخص باقترافه فعلاً مخلاً بالحياء. وإذا كان السند باطلاً كما لو كان المجنى عليه قاصراً أو أغفلت بعض البيانات المتطلبة في هذا النوع من السندات فإن صلاحيته موضوعاً للجريمة مرتهنة بما إذا كان سبب البطلان قد أزال قوة المحرر كدليل اثبات أم أبقاها فإن أبقاها ظلت الجريمة قائمة.
وقد يتجه الفعل الجرمي إلى حمل المجني عليه على اجراء عمل أو الامتناع عنه اضراراً بثروته أو ثروة غيره. وتعبير القانون يتسع لكل عمل أو امتناع أياً كانت طبيعته أو درجة جسامته والشرط الوحيد المتطلب هو اضرار هذا العمل أو الامتناع بالثروة وكل صور الاضرار سواء لدى القانون فلا فرق بين اضرار في صورة الانقاص من الحقوق الداخلة في نطاق الذمة أو أضرار في صورة الزيادة من الموجبات التي تتحمل بها فيرتكب جريمة الاغتصاب من يحمل غيره على اتلاف مال أو اخلاء مبنى كان يشغله أو طرد خادم أو عامل لديه أو شراء شيء ومن يحمله على عدم اقامة بناء على أرض يملكها أو عدم زراعتها أو عدم تأجير بناية يملكها أو عدم استخدام شخص.
والركن الثاني – الفعل الجرمي الاكراه أو التهديد وقد حدد الشارع صورتين للفعل الجرمي هما الاكراه والتهديد ويكفي أن يتخذ الفعل احداهما ومن ثم فلا يشترط اجتماعهما.
ويعني الاكراه العنف أي الاكراه المادي في المعنى الذي سبق تفصيله عند البحث في السرقة التي يرافقها العنف. ويعني ذلك أن كل فعل عنيف يمس سلامة البدن أو مطلق حصانته يكفي لتحقق الاكراه ولكن شرط ذلك أن يقع الفعل على الشخص. ومن ثم يستبعد كل فعل يقع على شيء أو حيوان. ويلحق بالاكراه تنويم المجنى عليه مغناطيسياً أو اعطاؤه مخدراً أو مسكراً ومحو ارادته عن هذا الطريق إذ الفكرة الأساسية في اكراه أنه افساد للارادة عن طريق فعل يمس حصانة البدن وهو ما يتحقق بالتنويم أو التخدير.
أما التهديد فيعني الوعيد بالشر فهو فعل يجرد ارادة المجنى عليه من الحرية دون أن يمس سلامة البدن أو حصانته ومن ثم فالفكرة الأساسية في التهديد أنه محو لحرية الارادة ويقتضي ذلك أن يكون من الأهمية بحيث ينتج هذا التأثير على الارادة وقاضي الأساس هو المنوط بأن يحدد هذه الأهمية مراعياً في ذلك الظروف الخاصة بالمجنى عليه كسنه وجنسه وظروف الزمان والمكان الذي صدر التهديد فيها. وسواء أن يتجه التهديد إلى البدن أو إلى المال طالما أن له التأثير السابق على الارادة. ومن ثم يتعين أن تتوافر صلة السببية بين الفعل والنتيجة. ويقتضي ذلك سبق الفعل الجرمي للفعل المجنى عليه وبناء على ذلك فإنه إذا حصل شخص على توقيع آخر أو تسلم منه سنداً دون اكراه أو تهديد ثم استعمل الاكراه أو التهديد بعد ذلك ليحول بينه وبين محو توقيعه أو استرداد السند فهو لا يرتكب هذه الجريمة.
الركن الثالث – القصد الاغتصاب جريمة قصدية بل إن الشارع يتطلب القصد الخاص فيها وقوام هذا القصد نية المدعى عليه اجتلاب نفع غير مشروع لنفسه أو لغيره.
يقوم القصد العام على علم المدعى عليه بالتأثير المحتمل للاكراه أو التهديد على ارادة المجنى عليه وتوقعه أن يكون من شأنه حمله على وضع توقيعه أو تسليم سند أو اجراء عمل أو الامتناع عنه في حين أنه لم يكن ليفعل ذلك لو كانت ارادته حرة. ويجب بالاضافة إلى ذلك أن تتجه ارادة المدعى عليه إلى اقتراف الأفعال التي يقوم بها الاكراه أو التهديد والى قيام المجنى عليه بذلك التصرف الذي توقع اقدامه عليه نتيجة للاكراه أو التهديد.
أما القصد الخاص فيقوم بنية المدعى عليه اجتلاب نفع غير مشروع لنفسه أو لغيره. فإذا لم يكن يستهدف الحصول على نفع وإنما كان هدفه الانتقام فإن القصد الخاص لا يتوافر بذلك. ويتعين أن يكون النفع الذي ينبغي الحصول عليه نفعاً غير مشروع فإن كان يبغي نفعاً مشروعاً فلا يتوافر القصد الخاص. وشرط انتفاء القصد الخاص هو أن تتجه نية صاحب الحق إلى الحصول – عن طريق الاكراه أو التهديد – على حقه فحسب ممن التزم به قبله.
وقد حدد الشارع عقوبة الاغتصاب بالحبس مع الشغل المنحصر بين حد أدنى هو سنة واحدة وحد أقصى هو الحد الأقصى العام للحبس في الجنح أي ثلاث سنوات والغرامة المنحصرة بين مائة ليرة وألف ليرة انظر المادة 53 عقوبات ويعاقب على الشروع في الاغتصاب ولكن لا ينزل بمرتكبه أحد التدبيرين الاحترازيين اللذين نصت عليهما المادة 653 من قانون العقوبات.
ويقرر الشارع توقيع عقوبة الأشغال الشاقة بين حديها الأدنى والأقصى العامين إذا ان المدعى عليه حاملاً سلاحاً هدد به المجنى عليه. ويفهم حمل السلاح في المعنى الذي سلف تحديده في جرائم السرقة.
التهويل – يهدف الشارع بنص المادة 536 عقوبات إلى حماية حرية ارادة المجنى عليه من أن يفسدها التهديد فيحملها على أن تتجه إلى غير ما كانت تتجه إليه لو كانت حرةن ويهدف بعد ذلك إلى وقاية مال المجنى عليه من الخطر الذي يهدده باحتمال اتجاه ارادته على النحو المضر بهن ويعني ذلك أن هذه الجريمة هي جريمة خطر وليست جريمة ضرر فليس من عناصرها أن يأتي المجنى عليه المتصرف الضار بماله أو أن يحقق المدعى عليه النفع غير المشروع الذي يبتغيه لنفسه أو لغيره. بل يكفي لتمامها اقتراف الفعل الجرمي بنية تحقق ذلك النفع.
وتتضح ذاتية التهويل إزاء السرقة بملاحظة أن مرتكب التهويل لا يسعى حتماً إلى الحصول على شيء ذي طبيعة مادية فقد يستهدف فحسب حمل المجنى عليه على القيام بعمل أو الامتناع عنه وإذا اتجهت نيته إلى حمله على تسليمه شيئاً مادياً فإن الجريمة تختلف عن السرقة من وجهين من حيث أن تمامها لا يتوقف على انتقال حيازة ذلك الشيء إلى المدعى عليه وإنما يكفي ارتكاب المدعى عليه فعل التهديد بنية جلب المنفعة غير المشروعة لنفسه أو لغيره ومن ناحية ثانية فإن تسليم الشيء تحت تأثير التهديد لا ينبغي ارادة نقل الحيازة وبالتالي فهو ينفي فعل الأخذ الذي تفترضه السرقة.
ويتضح التقارب بين التهويل والاحتيال حين تكون الواقعة موضوع التهديد وهمية فيسعى المدعى عليه إلى ايهام المجني عليه بصحتها وحمله على تسليم ماله. والفارق بين الجريمتين واضح حين تكون هذه الواقعة صحيحة أو تكون وهمية.
وتتطلب جريمة التهويل أركاناً ثلاثة موضوعاً جرمياً هو أمر من شأنه أن ينال من قدر المجنى عليه أو شرفه أو قدر أحد أقاربه أو شرفه وفعلاً جرمياً هو التهديد بفضح ذلك الأمر أو افشائه أو الاخبار عنه وقصداً جرمياً يتطلب من بين عناصره نية المدعى عليه جلب منفعة غير مشروعة لنفسه وغيره.
الركن الأول تفترض جريمة التهويل أن موضوع الفعل الجرمي أي التهديد هو واقعة من شأن نسبتها إلى المجنى عليه أو غيره المساس بشرفه أو قدره. ويمكن توضيح قصد الشارع بتقرير أنه يريد أن تكون الواقعة صالحة لتقوم بنسبتها جريمة الذم والحجة في ذلك هي تماثل التعبير الذي حدد به هذه الواقعة بالتعبير الذي أفرغ فيه تعريف جريمة الذم في المادة 375 من قانون العقوبات وهو النيل من الشرف أو القدر أو الكرامة. ويترتب على ذلك وجوب أن تستمد من جريمة الذم الأحكام التي تحدد موضوعها لتطبق على موضوع جريمة التهويل. ويسمح ذلك في الوقت ذاته باستظهار الفكرة الأساسية في التهويل هذه الفكرة هي أن المدعى عليه يرهب المجنى عليه بتهديده أن ينسب إليه واقعة تمس من مكانته في مجتمعه ما لم يقم بالعمل الذي من شأنه جلب المنفعة غير المشروعة له أو لغيره وهذا الفعل يفسد ارادة المجنى عليه وقد يحمله على شراء سكوت المدعى عليه وانقاذ سمعته التي باتت مهددة وذلك بقيامه بالعمل الذي يراد منه القيام به.
ويكون من شأن الواقعة النيل من شرف المجنى عليه أو قدره إذا كان من شأنها الهبوط بمكانته في مجتمعه أي كان من شأنها الاقلال من مقدار الاحترام الذي يحظى به في ذلك المجتمع. وأوضح أمثلة لهذه الواقعة الجريمة والخطأ المسلكي والمهني والخطيئة الأخلاقية وكل أمر يثير نفور الناس واشمئزازهم ممن ينسب إليه.
ويستوي أن تكون الواقعة موهومة أو صحيحةن ومن باب أولى فإنه لا يقبل من المدعى عليه دفاعاً قوله أنه يسعه اثبات صحة الواقعة اتي هدد المجنى عليه بنسبتها إليه وتطبيقاً لذلك فإنه يسأل عن هذه الجريمة من هدد شخصاً صدر عليه حكم قضائي بعقوبة من أجل جريمة بأن يذيع هذا الحكم في نشرات يوزعها على الناس ما لم يدفع إليه مبلغاً من النقود.
ولم يتطلب الشارع أن يكون من شأن الواقعة النيل من شرف أو قدر المجنى عليه بالذات بل يستوي بذلك أن يكون من شأنها النيل من شرف أو قدر شخص آخر طالما كانت الصلة بينه وبين المجنى عليه بحيث تجعل للتهديد تأثيراً على ارادته فتفسدخها وتوجهها على النحو الذي يريده المدعى عليه. وتطبيقاً لذلك فإنه يرتكب هذه الجريمة من يهدد أماً أو زوجة بأن ينسب إلى ابنها أو زوجها ارتكاب تزوير مالم تدفع إليه مبلغاً من النقود.
الركن الثاني – الفعل الجرمي – التهديد بالفضح أو الاخبار أو الافشاء قوام الفعل الجرمي هو التهديد ولا اختلاف من حيث الطبيعة بينه وبين التهديد الذي تقوم به جريمة الاغتصاب فهو في الحالين وعيد بشر ولكن الاختلاف بينهما هو من حيث الموضوع فموضوعه في الاغتصاب هو شر يصيب سلامة البدن أو المال وموضوعه في التهويل هو نسبة واقعة من شأنها النيل من الشرف أو القدر. والعنصر الجوهري في التهديد أنه يتضمن ضغطاً على ارادة المجنى عليه يكون من شأنه افسادها وتوجهها على غير النحو الذي تتجه إليه لو كانت حرة وقاضي الأساس هو الذي يناط به تقدير ما ينطوي عليه التهديد من ضغط وافساد للارادة وأهم ضابط يسترشد به في ذلك هو درجة المساس بالشرف أو القدر الذي تحدثه نسبة الواقعة إلى المجنى عليه أو غيره ويرتبط ذلك بمقدار حساسية مركز المجنى عليه في المجتمع.
وليس من عناصر الركن المادي لجريمة التهويل تحقق نتيجة جرمية معينة فالجريمة تتم بفعل التهديد ولو لم يترتب عليه قيام المجنى عليه بالعمل الذي استهدف المدعى عليه حمله عليه. ولكن شرط تمام الجريمة هو ارتكاب فعل التهديد كاملاً وهو ما يفترض أن يصل هذا التهديد إلى علم المجنى عليه وتطبيقاً لذلك فإنه إذا كلف المدعى عليه شخصاً أن يبلغ المجنى عليه تهديده فلم يقم بابلاغه إليه اقتصرت المسؤولية على الشروع في التهويل.
الركن الثالث – جريمة التهويل قصدية والقصد المتطلب فيها هو قصد خاص يتطلب القصد العام علم المدعى عليه بأن من شأن الواقعة التي يهدد بنسبتها إلى المجنى عليه أو غيره النيل من الشرف أو القدر وعلمه بطبيعة فعله وتوقعه أن ينتج تأثيراً على ارادة اتلمجدنى عليه فيفسدها واتجاه ارادته إلى نسبة هذه الواقعة وافساد الارادة. ويتعين أن يكون القصد معاصراً للتهديد فإذا قدم شخص شكوى في شأن جريمة نسبها إلى شخص ثم خطر له بعد ذلك أن يطالبه بمبلغ من النقود نظير عدم اصراره عليها أو عدم تقديمه الأدلة المثبتة لها فهو لا يرتكب هذه الجريمة.
ويقوم القصد الخاص بنية المدعى عليه أن يجلب لنفسه أو لغيره منفعة غير مشروعة. ومقتضى ذلك أن هذا القصد ينتفي لدى من استهدف بالتهديد مجرد الازعاج فلم يكن تهديده مقترناً بطلب شيء أو طلب شيئاً لا يتحقق به نفع لأحد أو يتحقق به نفع للمجنى عليه وحده كمن يهدد شخصاً يبالكشف عن جريمة ارتكبها ما لم يكف عن تناول الخمر أو تعاطي المخدرات. وينتفي القصد الخاص كذلك إذا استهدف بالتهديد الحصول لنفسه أو غيره على منفعة مشروعة وأوضح مثال لذلك الدائن الذي يهدد مدينه بفضحه إذا لم يوف له دينه.
وقد حدد الشارع عقوبة التهويل فجعلها الحبس الذي لا يزيد على سنة واحدة أما حده الأدنى فهو الحد الأدنى العام للحبس الجناحي أي عشرة أيام والغرامة اتي لا تزيد على ثلاثمائة ليرة أما حدها الأدنى فهو الحد الأدنى العام للغرامة الجناحية أي خمس وعشرون ليرة. ويعاقب على الشروع في التهويل ولكن لا ينزل بمرتكبه أحد التدبيرين اللذين نصت عليهما المادة 639 من قانون العقوبات.
استعمال أشياء الغير بدون حق من استقراء نص المادة 637 من قانون العقوبات نجد بأن هذه الجريمة تتصل بالسرقة بروابط وثيقة وإن تميزت عنها بذاتيتها فقد هدف بها الشارع أن يسد النقص الذي يكشف عنه الاقتصار على تطبيق نص السرقة الذي يتطلب من بين أركانها نية التملك فمن يعتدي على حيازة غيره بنية استعمال شيئه أو الانتفاع به ثم يرده دون أن يكون قاصداً تملكه لا يعاقب كسارق ولكن فعله قد يكون من الخطورة بحيث لا يجوز أن يترك دون عقاب فهو يتضمن اعتداء على الحيازة وحرماناً لمالك الشيء من مزايا مالية كان من المحتمل أن يحصل عليها لو اقتصر استعماله عليه وقد استهدف ذلك النص العقاب على هذا الفعل. وعلى هذا النحو. وقال الدكتور عبيد والدكتور حسني في ذلك نحن نعتقد أن السبيل إلى تحديد صحيح للأحكام التي تخضع لها هذه الجريمة هو مقارنتها بالسرقة واستظهار ما بينهما من أوجه للشبه والاختلاف تفترض هذه الجريمة اعتداء على الحيازة ولكنها لا تفترض اعتداء على الملكية وإنما تفترض اعتداء على حق الاستعمال وتفترض أنها نصيب مالاً مملوكاً للغير على وجه يناله بالضرر ولكنها لا تفترض نية تملكه بل أنها تفترض انتفاء هذه النية.
وتقوم هذه الجريمة على أركان ثلاثة موضوعي جرمي هو المال المملوك للغير.. وفعل جرمي هو الاستعمال بدون حق وعلى وجه من شأنه أن يلحق بالمجنى عليه ضرراً. وقصد جرمي يفترض انتفاء نية التملك.
الركن الأول تطلب الشارع في موضوع هذه الجريمة أن يكون مالاً مملوكاً لغير المدعى عليه وقد عبر عن هذا الشرط بتطلبه أن يخص الشيء غيره وهذا الشرط بديهي إذ الاعتداء على حق الاستعمال الذي تفترضه هذه الجريمة غير متصور ما لم يتعلق بالفعل بمال مملوك لغير م يصدر عنه ذلك الفعل لأنه إن كان مملوكاً له ففعله صورة لاحدى السلطات المتفرعة عن حق ملكيته. ويحدد هذا الشرط وفقاً لذات القواعد اتي يخضع لها تحديده باعتبار أحد الشروط المتطلبة في موضوع السرقة.
وعلى أساس الصلة بين هذه الجريمة والسرقة فنحن نرى بأنها تتطلب سائر الشروط المتطلبة في موضوع السرقةن فيتعين أن يكون المال ذا طبيعة مادية وأن يكون منقولاً وفي حيازة غير المدعى عليه فتطلب الطبيعة المادية يفسره أن الاستعمال كحق عقني أو كعنصر لحق الملكية لا يرد إلا على شيء ذي طبيعة مادية واشتراط كونه منقولاً يبرره أن استعمال العقار بما يفترضه ذلك من حيازته تقوم به جرائم أخرى واشتراط كونه في حيازة الغير يفسره ما تنطوي عليه هذه الجريمة من اعتداء على الحيازة.
الركن الثاني – الفعل الجرمي ويراد بالاستعمال فعل يستخدم به الشيء في أداء خدمة للمدعى عليه أو غيره ومن ثم يعتبر الانتفاع بالشيء – أي تمكين الغير من استعماله صورة لفعل الاستعمال فيدخل لذلك في نطاق التجريم. ويفترض الاستعمال فعلاً يخرج به الدعى عليه اليء من حيازة المجنى عليه ويدخله بعد ذلك في حيازته ليستعمله ذلك أن هذه الجريمة اعتداء على الحيازة وهي كما قدمنا ملحقة بالسرقة تشترك معها في مادياتها وإن اختلفت عنها في معنوياتها. وأهم أمثلة لهذه الجريمة من يأخذ دراجة غيره أو دابته ليستعملها في الوصول إلى مكان بنية ردها ومن يستخدم سيارة غيره أو يمكن غيره من ذلك بشرط ألا يستهلك وقوداً أو مواداً أياً كانت مملوكة للمجنى عليه.
ولكن يستوي في هذه الجريمة من يعتدى على الحيازة ليستعمل الشيء في الغرض المعد له ومن يعتدي عليها ليستعمله في غرض آخر.
وقد تطلب الشارع أن يكون من شأن فعل الاستعمال احداث ضرر ولم يحدد نوع الضرر فيجوز أن يكون معنوياً أو ضئيلاً ولم يحدد كذلك من يصيبه الضرر فمن الجائز أن يكون شخصاً غير المالك. وليس بشرط أن يتحقق ضرر فعلي بل يكفي احتمال أن يحدث ضرر ويعني ذلك أن الضرر الاحتمالي كاف. والأصل أن يترتب على استعمال شيء ضرر يتمثل ي الانقاص من قيمة مبادلته أو من مدة صلاحيته للاستعمال فيما بعد ولكن إذا ثبت أنه ليس من شأن الاستعمال احداث ضرر فلا تقوم الجريمة وأبرز مثال لذلك أن يكون الاستعمال نافعاً كما لو كان من شأنه انقاذ الشيء من تلف أو نقصان من القيمة يتعرض له بعدم الاستعمال.
الركن الثالث – القصد الجرمي
جريمة استعمال أشياء الغير بدون حق جريمة مقصودة ويكفي لتحقق أركانها أن يتوافر القصد العام. ويقتضي القصد على علم المدعى عليه بأن الشيء الذي يستعمله هو مملوك لغيره وفي حيازته وأنه يستعمله بغير حق وأن من شأن استعماله احداث ضرر واتجاه ارادته إلى ذلك. وينتفي هذا القصد إذا اعتقد المدعى عليه أن الشيء مملوك له أو مباح أو متروك أو اعتقد أنه في حيازته أو ليس في حيازة أحد أو اعتقد أن ثمة سنداً قانونياً يخوله استعمال الشيء أو أنه لا يحتمل أن يترتب على ذلك الاستعمال ضرر. ويفترض القصد الجرمي أنه قد انتفت لدى المدعى عليه نية تملك الشيء وفي انتفاء هذه النية ضابط التمييز الأساسي بين استعمال أشياء الغير بدون حق والسرقة.
وقد حدد الشارع عقوبة هذه الجريمة بالحبس الذي لا يزيد على ستة أشهر أما حده الأدنى فهو الحد الأدنى العام للحبس الجناحي أي عشرة أيام والغرامة المنحصرة بين مائة وألف ليرة أو احدى هاتين العقوبتين.