Call us now:
الرأي الفقهي
نص الشارع على عديد من الجرائم ألحقها بالاحتيال وعلة الحاقها به أنها تقوم مثله على الغش والخداع وإن كانت لا تتوافر لها جميع العناصر التي يقوم بها الركن المادي للاحتيال وفي الغالب يتمثل الخداع في كذب مجرد مما يعني استحالة العقاب على هذه الجرائم باعتبارها صوراً من الاحتيال فإذا كان الشارع لم يضع نصوص تجريم خاصة بها لما وقع عقاب من أجل الأفعال التي تقوم بها وهي نتيجة لم يقبل بها لخطورة هذه الأفعال خطورة كامنة فيها ذاتها أو راجعة إلى الظروف التي ترتكب فيها. وقد نص الشارع على هذه الجرائم في المواد 644 – 655 من قانون العقوبات.
وهذه الجرائم متنوعة وهي مختلفة فيما بينها من حيث الأحكام التي تخضع لها فثمة جريمة استغلال عديمي الأهلية وناقصيها وثمة مجموعة من الجرائم تجتمع تحت اسم ما جرى مجرى الاحتيال وتأتي بعد ذلك جرائم المراباة والقروض لقاء رهن ومن ثم جريمة الشك دون مؤونة.. أو دون رصيد ثم جريمة الغش بالمهاجرة.
ومن استقراء نص المادة 643 من قانون العقوبات نجد بأن هدف الشارع بالعقاب على جريمة من استغل عديمي الأهلية وناقصيها. هو حماية هذه الفئة من الناس ومن استغلال المرابين وما شابههم من غش وخداع.. ووجهو الغش في هذه الجريمة أن مسلك المدعى عليه قد جانب حسن النية الذي يجب أن يكون طابع المعاملات فقد انتهز الظروف الخاصة بالمجنى عليه التي جعلته عاجزاً عن رعاية مصالحه وعن التصرف ازاءها على نحو ما يفعل الشخص المعتاد فاستغله وحمله على الاضرار بمصالحه أو مصالح غيره وهو في الغالب يحقق لنفسه نفعاً مالياً غير مشروع. أما وجه الاختلاف بين هذه الجريمة والاحتيال فهو أنها لا تفترض أن وجود المجنى عليه في الظروف السابقة كان نتيجة لسعي المدعى عليه. بل هو يعاني منها قبل صدور النشاط الجرمي الذي اقتصر على مجرد استغلالها وهي بالاضافة إلى ذلك لا تفترض دائماً وقوع المجنى عليه في غلط فقد يكون على بينة تامة من الضرر الذي سوف يصيبه بالعمل الذي يحمل عليه ولكنه لا يستطيع تفاديه لخضوعه لضغط الحاجة أو الهوى.
تقوم الجريمة على أركان ثلاثة فالركن الأول يتعلق بحالة المجنى عليه الذي يتعين أن يكون قاصراً دون الثامنة عشرة أو مجذوباً أو معتوهاً. أما الركن الثاني فهو الركن المادي للجريمة ويتمثل في فعل جرمي هو استغلال احتياجات أو عدم خبرة أو أهواء المجنى عليه ثم نتيجة جرمية هي حمله على عمل قانوني من شأنه الاضرار بمصالحه أو مصالح غيره ويفترض هذا الركن صلة سببية بين الفعل والنتيجة. وفي النهاية تتطلب هذه الجريمة ركناً معنوياً يتمثل في القصد.
ونلاحظ بأن الركن الأول قد حدد الشارع حالة المجنى عليه بأنها القصر أو الانجذاب أو العته. ويعتبر المجنى عليه قاصراً إذا لم يكن قد أتم الثامنة عشرة من عمره. ويراد بالانجذاب الضعف العقلي أي خلل العقل وفي عبارة أدق الانحراف المرضي للنشاط الذهني أو المجنون. أما العته فيعني النقص العقلي أي وقوف الملكات الذهنية في نموها دون النضج الطبيعي. ويجمع بين الحالات الثلاث التي نص عليها الشارع أنها تفترض القوى الذهنية دون مستواها المعتاد لعدم النضج الطبيعي أو للمرض في دلالته الواسعة.
وبناء على ذلك فإنه تخرج من نطاق القانون حالتا الغفلة والسفه كما تخرج من نطاقه حالة المأجور عليه قانوناً للحكم بالاشغال الشاقة أو الاعتقال. وإذا نقصت أهلية المرأة لزواجها وفقاً لقانون أحوالها الشخصية فهي لا تصلح مجنية عليها بهذه الجريمة. وتخرج من نطاق هذا النص كذلك حالة الشيخوخة إذا أضعفت من الارادة أو جدعلت صاحبها منقاداً لأهواء شخص سواه.
الركن المادي للجريمة قوام هذا الركن كما قدمنا فعل جرمي هو استغلال احتياجات أو عدم خبرة أو أهواء المجنى عليه ونتيجة جرمية هي الحمل على عمل قانوني من شأنه الاضرار وصلة سببية بينهما. استغلال المجنى عليه و… حمله على اجراء عمل قانوني … والضرر.
وقد عبر الشارع عن عنصر الضرر .. بأن يكون من شأن العمل القانوني الذي يجريه المجنى عليه الاضرار بمصالحه أو مصالح غيره وتعني هذه الصياغة أن الشارع لا يتطلب ضرراً حالاً بل يكتفي بالضرر المحتمل. فإذا ترتب على العمل القانوني ضرر حال فإنه لا شك في قيام الجريمة.
والركن المعنوي لهذه الجريمة قصدية.. ويفترض القصد علم المدعى عليه بحالة المجنى عليه أي علمه بقصره أو انجذابه أو عتهه وعلمه كذلك بظروفه التي يتجه إلى استغلالها أي علمه باحتياجه أو عدم خبرته أو أهوائه ويفترض في النهاية علمه باحتمال أن يصيب المجني عليه ضرر أي علمه بالضرر المحتمل. ويتطلب القصد بالاضافة إلى ذلك اتجاه ارادة المدعى عليه إلى حمل المجدنى عليه على عمل قانوني واتجاه ارادته إلى انزال ضرر به ولو في صورته الاحتماليةن ويقوم القصد كذلك إذا توقع المدعى عليه أن اجراء العمل وتحقق الضرر نتيجة ممكنة لاستغلاله المجنى عليه فقبل بهذا الاحتمال.
وتطبيقاً لذلك فإن القصد ينتفي إذا ثبت جهل المدعى عليه بقصر المجنى عليه أو انجذابه أو عتهه أو جهله باحتياجه أو عدم خبرته أو هواه وينتفي كذلك باعتقاده أن ليس ثمة احتمالاً في أن يناله ضرر.
وقد حدد الشارع عقوبة هذه الجريمة بالمادة 643 من قانون العقوبات السوري وأجاز في حالة التكرار الأمر بنشر الحكم (المادة 65 من قانون العقوبات). والجدير بالذكر بأن الشارع لم ينص على عقاب الشروع في هذه الجريمة.
يوقع عقاب على المجنى عليه باعتباره متدخلاً استناداً إلى أنه لولا مساهمته باتجاه ارادته إلى العمل لما تحققت الجريمة فثمة تناقض بين صفتي المجنى عليه بالجريمة والمتدخل فيها.