Call us now:
الرأي الفقهي
من استقراء المواد 644 – 646 نجد بأن الشارع قد نص على جرائم ثلاث تجري مجرى الاحتيال. وقد رأى الشارع أن الوسيلة لضمان العقاب على هذه الأفعال هي اعتبارها جرائم في ذاتها متميزة عما عداها من جرائم الأموال.. وإن كان الشارع قرب بينها وبين الاحتيال لما يجمعها به من غش متمثل فيما ينطوي عليه السلوك الجرمي من ادعاء العزم على أداء مقابل ما يحصل عليه واستفادته من الثقة التي وضعها فيه المجنى عليه.. تلك الثقة التي منحها كي يستطيع ممارسة مهنته.
لذا ميز الشارع بين هذه الجرائم للاختلاف فيها من حيث الأفعال التي يقوم بها كل منها والظروف التي تصدر فيها ودرجة ما يكشف عنه السلوك الجرمي من غش.
ومن استقراء نص المادة 644 نجد بأن هذه الجريمة وثيقة الصلة بالجريمتين التاليتين لها في المواد 645 و646 من قانون العقوبات. فالمدعى عليه يصدر عنه سلوك مشوب بغش لا يرقى مع ذلك إلى مرتبة الدسائس ويحصل بذلك على مال ولكنها تفترق عنها في أن ما يسلم إلى المدعى عليه لا يسلم إليه ليستهلكه.. أو لينتفع به على الفور فثمة شرط أو أجل مشترط لمصلحته ولولا النص الخاص بهذه الجريمة لما ساغ عقابه بناء على النصين اللاحقين عليه.
وتقوم هذه الجريمة على ثلاثة أركان ركن مادي هو الحمل على التسليم مع حق الخيار أو لوعده. وموضوع جرمي هو البضاع وركن معنوي هو القصد الذي يضم من بين عناصره نية عدم دفع الثمن أو العلم بعدم استطاعة دفعه. وبالاضافة إلى هذه الأركان فإن الجريمة تتطلب شرط عقاب هو عدم رد البضاعة.. أو دفع ثمنها على الرغم من الانذار.
الركن المادي يتكون هذا الركن من فعل جرمي هو الحمل على تسليم شيء مع حق الخيار أو لوعده ونتيجة جرمية هي حصول ذلك التسليم وصلة سببية تربط بينهما. والحمل فعل ايجابي ويتخذ صورة المطالبة بالتسليم استناداً إلى عقد يفرض على أحد طرفيه ذلك التسليمن ويصطحب الحمل بغش يتمثل في الايهام بالعزم والقدرة على الوفاء بالموجب المقابل للتسليم. ولا يتطلب القانون تدعيم هذا الايهام بمظهر خارجي – وإلا كانت الجريمة احتيالاً – بل إنه لا يتطلب أن يكون ادعاء هذا العزم صريحاً فقد يكون ضمنياً مستخلصاً من طبيعة العقد الذي يتذرع به المدعى عليه للحمل على التسليم. واتجاه الحمل إلى التسليم فترض توافر ارادة تسلم الشيء أي اكتساب حيازته ويفترض كذلك نية خلق ارادة التسليم لدى المجنى عليه أي ارادة التخلي عن حيازة ذلك الشيء والتقاء الارادتين.
وقد تطلب الشارع أن يكون الحمل على تسليم مع حق الخيار للمتسلم أو أن يكون لوعده أي مصحوباً بتأجيل أداء الثمن كله أو بعضه. وبناء على ذلك فإن الجريمة لا تقوم إذا كان التسليم مصحوباً بأداء فورث للثمن إذ لا يكون مسلم الشيء في حاجة إلى حماية فقد اقتضى حقه وإنما استولى مدعي التعاقد على هذا الشيء دون أداء ثمنه فإن النصوص الخاصة بالسرعة هي التي تتكلف بحماية المجنى عليه.
ويفترض الركن المادي حصول التسليم أي انتقال الحيازة الكاملة للشيء من المدعى عليه إلى المجنى عليه وارتباط هذا التسليم بالفعل الجرمي بصلة السببية.
الموضوع الجرمي موضوع هذه الجريمة هو بضاعة أي مال ذو كيان مادي .. ويتطلب في هذا المال ذات الشروط التي تتطلب في موضوع السرقة والاحتيال فيتعين أن يكون مملوكاً للمجنى عليه ويفهم من لفظ بضاعة وجوب كونه منقولاً وتفترض طبيعة هذه الجريمة أن يكون المال في حيازة المجنى عليه وقت اقتراف الفعل الجرمي. وأمثلة البضائع لا تقع تحت حصر فهي تتسع لجميع الأموال التي يمكن أن يراد عليها العقد الذي يتذرع به المدعى عليه للمطالبة بالتسليم.
الركن المعنوي هذه الجريمة قصدية. ويتطلب القصد علم المدعى عليه أن من شأن فعله حمل شخص على تسليم ماله وعلمه أن هذا التسليم مع حق الخيار أو لوعده وعلمه أن البضاعة التي يتسلمها مملوكة لغيره وفي حيازته. ويتعين كذلك أن تتجه ارادته إلى اتيان فعله والى تسلم البضاعة. ويفترض القصد ارادة عدم أداء ثمن البضاعة أو بصفة عامة ارادة عدم تنفيذ الموجب المترتب على تسلم البضاعة. ولهذه الارادة صورتان فقد يعلم أنه لا يمكنه دفع الثمن ولا تكون لديه نية التماس وسيلة تتيح له ذلك كالافتراض أو بيع شيء يملكه والاستعانة بثمنه على ذلك أما الصورة الثانية فيكون فيها مستطيعاً دفع الثمن ولكنه عازم على عدم دفعه. ويتعين أن تتوافر هذه الارادة وقت اقتراف الفعل الجرمي تطبيقاً لقاعدة وجوب معاصرة القصد للفعل وبناء على ذلك فإنه لا يرتكب هذه الجريمة من كان يعتقد وقت حمله مالك البضاعة على تسليمها أنه يستطيع دفع ثمنها ثم تبين له بعد ذلك أنه عاجز عن ذلك ولكنه احتفظ بها ورفض ردها ولا يرتكب هذه الجريمة كذلك من كان منتوياً وقت فعله دفع الثمن ولكن ساءت نيته بعد ذلك فقرر عدم دفعه.
ولا يتوافر القصد لدى من كان وقت الفعل قادراً على دفع الثمن منوياً ذلك ولكن انتفت هذه القدرة بعد ذلك فعجز عن دفع الثمن ولا عبرة بسبب انتفائها فقد يرجع ذلك إلى قوة قاهرة أو تقصير أدى إلى هلاك ماله أو اسراف ذهب به ماله. ولا يتوافر القصد كذلك لدى من كان يعتقد أن البضاعة التي يتسلمها مملوكة له.
وقد جعل الشارع توقيع العقوبة مرتهنة بشرط ألا يرد المدعى عليه البضاعة أو يدفع ثمنها بعد انذاره ويعني ذلك أن رد البضاعة أو دفع الثمن يجعل العقاب غير ذي محل على الرغم من توافر أركان الجريمة. وللمدعى عليه الخيار بين رد البضاعة أو دفع الثمن ما لم يتحدد لديه أحد الطريقين كهلاك البضاعة مثلاً فيصبح سبيله إلى تفادي تحقق شرط العقاب هو أداء الثمن. ولا يتحقق هذا الشرط للعقاب إلا إذا أنذر المدعى عليه ويعني ذلك أنه إذا لم ينذر فلا يتوافر شرط العقاب بعدم الرد أو الدفع خلال المدة المتفق عليها في العقد. وأهمية تكييف عدم رد البضاعة أو دفع الثمن بأنه شرط عقاب – وليس ركناً للجريمة. لأنه يشترط انصراف القصد إليه وتطبيقاً لذلك فمن تمام البضاعة منوياً عدم دفع ثمنها أو عالماً أنه لا يستطيع دفعه يوقع عليه العقاب إذا لم يرد البضاعة أو يدفع ثمنها بعد انذاره ولو كان مرجع ذلك إلى هلاك البضاعة وزوال قدرته على دفع الثمن بناء على أسباب لم يتوقعها ولم يردها.
وقد حدد الشارع عقوبة هذ الجريمة بالحبس الذي لا تزيد مدته على ستة أشهر أما حده الأدنى فهو عشرة أيام والغرامة التي لا تزيد على مئة ليرةن أما حدها الأدنى فهو خمس وعشرون ليرة.
ولا عقاب على الشروع في هذه الجريمة ويجوز أن يقضي بنشر الحكم في حالة التكرار.
توفير منامة أو طعام أو شراب في محل عام نص الشارع على توفير منامة أو طعام أو شراب في محل عام في المادة 645 من قانون العقوبات. وقد هدف الشارع بهذا النص إلى حماية أصحاب المحال العامة الذين يقدمون إلى عملائهم أماكن النوم أو الطعام أو الشراب إذ أن عرف المعاملات لم يجر بأن يطالبونهم بأداء الأجر أو الثمن مقدماً فثمة ثقة اضطرارية يضعونها فيهم وينبغي أن يحميها القانون وليست الوسائل المدنية مجدية في تحقيق هذه الحماية فالغالب أن يكون العميل معسراً أو يستطيع الفرار دون أن تكون لدى المجنى عليه الوسيلة لمعرفة المكان الذي ذهب إليه. وقد سبق أن بينا أنه لا تقوم بالفعل الذي عاقب عليه الشارع بهذا النص جريمة سرقة أو جريمة احتيال.
أركان الجريمة وتقوم هذه الجريمة على أركان ثلاثة فعل جرمي هو توفير المنامة أو الطعام أو الشراب وركن متعلق بمكان ذلك الفعل وهو المحل العام وركن معنوي يتخذ صورة القصد.
الفعل الجرمي – لهذا الفعل شقان طلب المنامة – أي المأوى – أو الطعام أو الشراب ثم شغل المنامة أو استهلاك الطعام أو الشراب.
فيتعين أن يكون المدعى عليه قد طلب المنامة أو الطعام أو الشراب ذلك أن هذا الطلب هو الذي ينطوي ضمناً على وعد بأداء الأجر أو الثمن في حين أن المدعى عليه لا ينوي الوفاء به أو لا يستطيع ذلك ويحقق ذلك معنى الغش الذي تفترضه هذه الجريمة وتجري به مجرى الاحتيال. أما إذا قدم الطعام أو الشراب أو غرفة النوم دون طلب من المدعى عليه فالفرض أن ذلك كان على سبيل الضيافة أو الاحسان فلا تقوم بذلك جريمة ولو كان من قدمه ينتظر مقابلاً أو مكافأة.
ويتعين أن يكون المدعى عليه قد استعمل بالفعل المكان الذي قدم إليه في النوم أو استهلك الطعام أو الشراب وهذا العنصر مستخلص كذلزك من التعبير الذي استخدمه الشارع وفر لنفسه منامة أو طعاماً أو شراباً إذ يعني توفير الشيء الحصول عليه بالفعل. وتطبيقاً لذلك فإنه إذا طلب العميل الطعام أو الشراب فأعده له صاحب المطعم أو المقهى ثم شك في أمره فطالبه بالثمن فامتنع أو لم يستطيع فإن الجريمة لا تقوم بذلك على الرغم مما أصاب المجني عليه من ضرر ويتعين أن يكون الاستهلاك فورياً أي في المحل العام الذي قدم فيه وبناء على ذلك فإن الجريمة لا تقوم بارسال صاحب مطعم أو مقهى طعاماً أو شراباً إلى مسكن عميل لكي يستهلكه فيه. ولكن الشارع لا يتطلب أن يكون الاستهلاك كلياً فإذا استهلك العميل جزءاً من الطعام أو الشراب ثم شك المجنى عليه في أمره فطالبه بأداء الثمن فامتنع أو لم يستطع فإن الجريمة تقوم بذلك إذا توافرت سائر أركانها.
مكان الجريمة تطلب الشارع أن يكون توفير المنامة أو الطعام أو الشراب في محل عام ويراد بهذا التعبير كل محل معد لاستقبال الناس بغير تمييز وتقديم مكان للنوم إليهم أو الطعام أو الشراب نظير مقابل نقدي. وهذا الركن مستمد من علة العقاب إذ أصحاب هذه المحال هم الذين يفرض عليهم عرف المعاملات الثقة فيمن يرتادون محالهم وتقديم خدماتهم أو سلعهم إليهم دون اقتضاء الثمن مقدماً. وتطبيقاً لذلك فإن الجريمة لا تقوم بفعل من ينزل لدى أحد الأفراد ويسأله تقديم مكان للنوم أو طعام أو شراب ثم يمتنع عن دفع الأجر أو الثمن الذي وعد بأدائه أو كان عزمه على الدفع مستخلصاً ضمناً من الظروف. ولا تقوم الجريمة كذلك بفعل من يحصل على طعام أو شراب من تأجر لم يعد محله ليكون مطعماً أو مقهى ويستهلك ما قدم ثم يتسلل دون أداء الثمن.
الركن المعنوي هذه الجريمة قصدية. ويقوم القصد بنية المدعى عليه دفع أجر المنامة أو ثمن الطعام أو الشراب أو بعلمه أنه لا يمكنه دفع ذلك. والغرض في الصورة الأولى أنه قادر على الدفع ولكن لا يريده والغرض في الصورة الثانية أنه عاجز عن الدفع ويعلم بذلك ويريد تبعاً لذلك ألا يدفع. ويتعين توافر القصد وقت اقتراف الفعل الجرمي لا بعد ذلك وفق التفصيل الذي سلف تقديمه.
وينتفي القصد إذا كان المدعى عليه منتوياً الدفع ولكن باجل أو اعتقد أن الشخص الذي يصحبه قد دعاه إلى المطعم أو المقهى وسيؤدي عنه ثمن ما استهلك أو سها عن الدفع وغادر المحل. وينتفي القصد كذلك إذا كان المدعى عليه يعتقد أنه قادر على الدفع – أي يجهل أنه لا يمكنه الدفع – كما لو تبين له عند مطالبته بالحساب أنه نسي حافظة نقوده في منزله أو أنها قد ضاعت أو سرقت منه.
وغني عن البيان أن المدعى عليه لا يعتبر منوياً عدم الدفع إذا كان ثمة مبرر مشروح لامتناعه عنه – أو كان يعتقد وجود ذلك المبرر – كما لو كان داتئماً لصاحب المطعم أو المقهى واحتج بالمقاصة أو قام خلاف على الحساب ورفض أداء ما اعتقد أنه يزيد على ما يتوجب عليه.
عقوبة الجريمة حدد الشارع عقوبة هذه الجريمة بالتوقيف التكديري بين حديه الأدنى والأقصى العامين أي بين يوم واحد وعشرة أيام والغرامة من خمسة وعشرين إلى مائة ليرة. وعلى الرغم من أن الشارع يقرر لهذه الجريمة عقوبة التوقيف التكديري فهي جنحة أو أن الغرامة المقررة لها جناحية باعتبار أن حدها الأقصى يجاوز المائة ليرة فتكون العبرة بها في تحديد نوع الجريمة (المادة 179 من قانون العقوبات الفقرة الثانية). ولا عقاب على الشروع في هذه الجريمة. ويجوز عند التكرار الأمر بنشر الحكم.
اتخاذ واسطة نقل بالغش ونصت على هذه جريمة اتخاذ واسطة نقل بالغش المادة 646 من قانون العقوبات. وهذه الجريمة تشتبه بالجريمة السابقة عليها وإن اختلفت عنها في نوع ما يحصل عليه مرتكبها فهو يحصل على محضر منفعة هي استعمال وسيلة نقل على غير النحو الذي حدده حائز هذه الوسيلة لاستعمالها أي دون استيفاء الشرط الذي عينه لذلك وهو دفع أجر مقرر. وبناء على ذلك فإنه لا محل لهذه الجريمة إذا حصل المدعى عليه على تذكرة النقل غشاً وإنما قد تقوم بفعله جريمة الاحتيال إن توافرت سائر أركانها وأحصها استعمال الدسائس. ويهدف النص الخاص بهذه الجريمة إلى سد ثغرة في القانون نشأت عن اشتراط أن تكون لموضوع السرقة والاحتيال طبيعة مادية مما يؤدي إلى عدم العقاب على الفعل الذي تقوم به هذه الجريمة على الرغم من خطورتها الاجتماعية.
وتقوم هذه الجريمة على أركان ثلاثة اتخاذ واسطة النقل وعدم دفع أجرة الطريق والقصد الجرمي الذي عبر عنه الشارع بلفظ الغش.
فإتخاذ واسطة النقل يعني استخدامها في الانتقال من مكان إلى آخر. ويريد الشارع بواسطة النقل وسيلة نقل عامة أي يستطيع أي شخص استعمالها نظير أجر مقرر وهذا التحديد مستخلص من اشارة الشارع إلى أجرة الطريق مما يعني افتراض أن ثمة أجراً مقرراً يخول دفعه استخداع وسيلة النقل. وسواء أن تكون وسيلة النقل حخافلة عامة أو أن تكون سيارة أجرة صغيرة أي تاكسي. وقد صرح الشارع بأنه سواء أن تكون سيارة النقل برية أو بحرية أو جوية ويستوي كذلك أن تكون واسطة نقل اشخاص أو أشياء فتوقع عقوبة الجريمة على من وضع بضائع له على وسيلة النقل واستطاع بذلك نقلها إلى المكان الذي يريده دون أداء الأجر المقرر. واشتراط أن تكون وسيلة النقل عامة يخرج من نطاق هذا النص من يستعمل سيارة خاصة دون حق بنية ردها ومن يوهم سائق سيارة خاصة بأن مالكها يكلفه بنقله من مكان إلى آخر.
ويفترض القصد علم المدعى عليه بأنه يتوجب عليه دفع الأجرة واتجاه ارادته إلى عدم دفعها. ومن ثم ينتفي القصد لدى من اعتقد أنه يحق له اتخاذ وسيلة النقل دون دفع الأجر إذ توهم أنه يحمل تصريحاً مجانياً وينتفي كذلك لدى من كان منتوياً دفع الأجرة عند اتخاذه وسيلة النقل ثم عجز عن ذلك لسرقة حافظة نقوده أو لاكتشافه أنه قد نسيها.
وقد جعل الشارع عقوبة هذه الجريمة هي ذات عقوبة الجريمة السابقة عليهان أي التوقيف التكديري والغرامة من خمسة وعشرين إلى مائة ليرةن وفقاً لذات القواعد التي تخضع لها هذه العقوبة حين توقع من أجل الجريمة السابقة.