Call us now:
الرأي الفقهي
من الامعان في الباب الرابع من قانون الأصول الجزائية ووظائف قضاة التحقيق وسماع الشهود نرى أن لابد من أن نتناول النصوص بشأن الشهادة من المادة 74 وحتى المادة 88 من هذا الباب والأصول المتبعة بموجبه. بل لابد من ربطها أيضاً ببعض المواد اللاحقة ليتكامل هذا الفصل من الباب الرابع.
وقد جاء في الكتب الجزائية لكثيرين من الشراح كالدكتور المرحوم محمد الفاضل والدكتور حومد والدكتور بسيسو والدكتور عبيد وغيرهم نخلص إلى أهمية الشاهد بما يلي
إن أهمية الشاهد تنقسم إلى حالات
أولاً – الشاهد شخص يروي ما رآه بعينه.. وما سمعه بإذنه.
وقد جاء في الحديث الشريف إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع.
ولقد شاعت الشهادة كوسيلة من وسائل الاثبات في جميع العصور والأزمنة وازدادت أهميتها في القضاة الجزائي منذ القرن الثالث عشر ثم بلغت الأوج حينما حرمت نظم الأصول الجزائية الحديثة استعمال أساليب التعذيب وأتاحت للقاضي أن يبني قناعته الوجدانية على أي نوع من أنواع البينات.
بيد أن اعتماد اقوال الشهود في الأحكام الجزائية كان وما يزال موضع نقد شديد لأن ضعف الحس المدني بين المواطنين ونقص الشعور لديهم بالمسؤولية حيال العدالة والرغبة في الخلود إلى الراحة والتهرب من المسؤولية كل ذلك يجعل كثيراً من الأشخاص ممن لديهم معلومات قيمة تفيد العدالة يتوزعون عن التقدم للادلاء بها أمام السلطات القضائية المختصة.. وهكذا تضيع معالم الحقيقة لتخلف من يصلح أن يكون شاهداً عن القيام بواجبه المدني.
ثانياً – أهم الشهود هم أولئك الذين شهدوا الواقعة الإجرايمة وبالتالي هم أولئك الذين يستطيعون أن يرسموا سيرها ويفصحوا عن كيفية وقوعها. ثم إن من الشهود من قام شخصياً بمعاينات مادية غابت عن أذهان رجال الضابطة.. وسماعها القضاة. وقد لا يتناول موضوع الشهادة وقائع الجريمة ساعة تنفيذها وإنما قد يتناول ايضاح بعض الحقائق التي سبقت ارتكاب الجريمة أو لحقت بها كما لو كان الشاهد من بين الأشخاص الذين رافقوا الجاني.. أو المشتبه به وتسنى لهم مراقبة سلوكه عن كثب ومعرفة حقيقة أغراضه ودوافعه ونواياه.
وقد يكون مضمون الشهادة متعلقاً بوقائع ليس بينها وبين الجريمة صلة مباشرة ولكن الاطلاع عليها يفيد في استنباط بعض القرائن المتعلقة بركن الجريمة المادي أو المعنوي.
إذن الشاهد الحقيقي في نظر القواعد الأصولية هو الذي استمعت أقواله بعد تحليفه اليمين القانونية. بيد أن عدداً كبيراً من الناس يقدمون إلى القضاة معلومات كثيرة ومفيدة دون أن يقسموا اليمين إما لأنهم استمعوا من خلال التحقيق الأولي وهو التحقيق الذي يقوم به رجال الضابطة القضائية. وإما لأن رئيس محكمة الجنايات مثلاً استعمل سلطته التنسيبية بسبب وجود مانع قانوني المادة 81 و193 و292 أصول جزائية وقد أراد واضع القانون أن يعرب في تحريمه أداء اليمين على طائفة من الأشخاص عن الاستماع اليهم يفقد احدى الضمانات التي وضعها ليكفل بها صدق الشهادة وانطباقها على الحقيقة والواقع.
أما من الناحية العملية فليس ثمة أي فارق اطلاقاً بين شهادة من استمع على سبيل المعلومات ودون أن يحلف اليمين القانونيةن وشهادة من استمع بعد أن أقسم اليمين القانونية فالأقوال التي يدلى بها هنا وهناك سواء.. من حيث قيمتها الاثباتبة والقاضي حر في أن يكون قناعته من الأقوال التي استمع اليها على سبيل المعلومات.. وأن يبني حكمه عليها إذا اطمأن إلى صحتها وصدقها ولو أن ما ورد فيها لا يتفق وأقوال الشهود الذين استمعوا بعد تحليف اليمين.
وعلى هذا فنحن نستطيع أن نطلق تعبير الشهادة على الأقوال التي أدلى بها أصحابها دون تحليف اليمين وعلى سبيل المعلومات.
ومن الأشخاص الذين يجوز استماعهم على سبيل المعلومات ودون تحليف المجنى عليه الذي نصب نفسه مدعياً مدنياً. أما إذا لم يتخذ صفة الادعاء الشخصي فليس ثمة ما يمنع اعتباره شاهداً بعد تحليفه اليمين القانونيةز والأشخاص الذين لم يبلغوا الخامسة عشر من عمرهم.
وهناك الشهود اصحاب الامتياز أو الخطوة وهم الأشخاص الذين قاموا بحكم وظائفهم في بداية المرحلة الأولى من مراحل الدعوى الجزائية بمعاينات مادية دونوها في ضبوطهم ومحاضرهم وهم في الأعم الأغلب رجال الضابطة القضائية فهولاء قد تدعو الحاجة إلى الاستماع إلى أقوالهم كشهود في الدعوى الجزائية. وفي هذه الحال يجب التفريق بين العمل الذي يقوم به رجل الضابطة القضائية عندما يدعي ليدلي بأقواله كشاهد أمام المحكمة.
وإذا كان القانون يضفي في بعض الحالات النادرة على الضبوط الخطية التي يحررها رجال الضابطة القضائية قوة اثبات خاصة ويمنحها بذلك امتيازاً على غيرها.. فإن القانون لا يضفي هذا الامتياز اطلاقاً على الأقوال الشفهية التي يدلي بها رجال الضابطة القضائية أمام المحكمة كشهود في القضايا الجزائية.. فهم وسواهم من الشهود سواء بسواء. فإذا كان الضبط الذي حرروه باطلاً.. أو لاغياً لعدم توافر الشروط القانونية فيه فإن شهادتهم أمام المحكمة لا يمكن أن تسد مسده ولا يجوز أن يكون لها نفس القوة الثبوتية الخاصة به. ومن ناحية ثانية فإن الضبوط التي يحررها رجال الضابطة القضائية ليست لها صفة الشهادات المكتوبة.. ولا شكلها ولا الضمانات فيها ولا المؤيدات الموضوعة ضد من ينحرف عن جادة الصدق والواقع فيها. وعندما يدعى منظم الضبط للادلاء بمعلومات كشاهد.. فهو يملك أن يضيف.. أو يوضح النقاط الغامضة والأمور المبهمة في ضبطه. ثم إن الاستماع اليه كشاهد أمام المحكمة فرصة طيبة تتاح لفرقاء الدعوى ولا سيما المتهم ووكيله.. لمناقشته وطرح الأسئلة عليه والاستيضاح منه عن الوقائع التي أوردها في الضبط المنظم من قبله. فمهما يكن فإن رجل الضابطة القضائية ليس لهن إذا ما دعي للادلاء بأقواله ومعلوماته كشاهد أمام المحكمة أية ميزة على غيره من سائر الشهود المستمعين وليس لشهادته أية قوة اثبات خاصة تميزها من سواها من الشهادات الأخرى.
وكذلك يجب التفريق بين الشهود العاديين… والخبراء الذين قد تدعوهم المحكمة لتزويدها بالايضاحات الضرورية عن المعاينات المادية التي قاموا بها والنتائج التي أوصلتهم اليها خبرتهم. ذلك أننا إذا فرضنا على المخبر للادلاء بمعلوماته الغنية أمام المحكمة.. الشكليات والواجبات ذاتها التي تفرض على الشاهد العادي. فإن هذا قد يعيق الخبير.. الشاهد عن القيام بواجبه في الادلاء بخبرته ومعلوماته الفنية على الوجه الآتم.
أولاً – من مقتضيات العدالة دعوى جميع الأشخاص الذين لديهم معلومات تفيد القضاء.
وقد أوجبت المادة 26 أصول جزائية على كل من شاهد اعتداء على الأمن العام أو على حياة أحد الناس أو على ماله أن يخبر النيابة العامة كما أباحت لكل من علم في الأحوال الأخرى بوقوع جريمة أن يخبر عنها أيضاً النيابة العامة. وهذا لا يعدو أن يؤلف واجباً أدبياً فقط. وقانون العقوبات السوري بمادته 388 نصت كل سوري علم بجناية على أمن الدولة ولم ينبىء بها السلطة العامة في الحال عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالمنع من الحقوق المدنية.
فمن المقارنة بين المادتان 25 و26 من قانون الأصول الجزائية والمادتين 388 و389 عقوبات تخلص بأنها لا تعدو من فرض عقوبة جنحية وهذا لا يكفي برأينا معد الكتاب.
وعلى ما نصت عليه المادة 74 أصول جزائية يحق للقاضي المحقق أن يدعو كشهود في الدعوى الجزائية جميع الأشخاص الذين يبلغه أن لديهم معلومات عن الجريمة أو أحوالها وكذلك الأشخاص الذين يعينهم المدعى عليه.. أو الذين ترد أسماؤهم في الأخبار أو الشكوى أو طلب النائب العام.
ويمكن للقاضي المحقق أن يسمعهم بنفسه.. أو أن يستنيب غيره لاستماعهم. وكل من يدعى لأداء الشهادة مجبر على الحضور أمام القاضي المحقق فإذا تخلف جاز للقاضي أن يقرر احضاره بالقوة.. وأن يحكم عليه بجزاء نقدي المادة 82 و102 أصول جزائية ويمكن أن تتخذ المحكمة أو رئيس محكمة الجنايات التدابير ذاتها.
وإذا كان المجرم مشهوداً.. فإن لموظفي الضابطة القضائية أن يدعو للادلاء بالشهادة وكل من شاهد الجريمة ومن كانت لديه معلومات عنها أو أمور أخرى تفيد التحقيق.
وحتى يعرفوا رجال الضابطة هؤلاء الناس.. أجاز لهم القانون أن يمنعوا من الخروج من البيت.. أو مكان وقوع الجريمة أو الابتعاد عنه حتى انتهاء عمليات التحقيق.
والمخالف لهذا المنع يوضع في محل التوقيف ويعاقب والمستنكف عن الادلاء بالشهادة عن الحضور .. جاز احضاره بالقوة المادة 31 أصول جزائية.
ولرجال الضابطة في الجرائم المشهودة حق الاحتفاظ بمن يستمعون إلى أقوالهم مدة لا تتجاوز الثماني والأربعين ساعة.
وإذا كانت الجريمة غير مشهودة جاز لرجال الضابطة في التحقيق الأولي أن يستمعوا إلى أقوال أي شخص يعتقدون أن لديه معلومات مفيدة. إلا أن رجال الضابطة لا يملكون في هذه الحال أية قوة اكراهية.. فهم لا يستطيعون اجبار هذا الشخص المدعو للادلاء بأقواله عن الحضور.. أو على الادلاء بأية معلومات.
وفي التحقيق الابتدائي لا يجوز لغير القاضي المحقق أن يدعو الشهود وقد يتم ذلك بناء على اقتراح فرقاء الدعوى الجزائية. أما خلال المحاكمة فإن الأصول الجزائية الفرنسية تبيح لكل فريق من فرقاء الدعوى الجزائية أن يدعو إلى المحكمة جميع الشهود الذين يعتقد بأن حضورهم ينشأ عن فائدة أو مصلحة.
ثانياً – واجبات الشهود وحقوقهم
أ) – أول واجب من الواجبات التي تترتب على الشاهد هو المثول أي أن يلبي الدعوى إلى الحضور فيمثل أمام القاضي المحقق أو المحكمة وإن لم يفعل يعرض نفسه لغرامة يقضي بها المرجع الذي كان يجب المثول أمامه المادة 82.
وإذا حضر الشاهد وأبدى عذراً لتبرير تخلفه.. عوقب بعوبة جنحية وفقاً لأحكام المادة 397 قانون العقوبات السوري. وقد أعفى القانون في حالات استثنائية نادرة الشاهد من واجب الحضور وأباح للمرجع القضائي المختص الانتقال اليه وتدوين شهادته حيث هو المادة 85 (انظر هامش صفحة 349).
وأما الواجب الثاني من الواجبات التي تترتب على الشاهد هو .. أن يحلف اليمين بأن يشهد بواقع الحال دون زيادة أو نقصان المادة 77 غير أن بعض الأشخاص يعفون من حلف اليمين.. وتستمع أقوالهم على سبيل المعلومات وإذا كان أحد الأشخاص قد ورد اسمه في عداد من أسندت الواقعة الاجرامية اليهم فعلى القاضي المحقق الذي يرغب في دعوته والاستماع اليه كشاهد أن يلفت انتباهه إلى أنه من حقه أن يرفض الادلاء بأقواله كشاهد.. إذ أن القسم من شأنه أن يدخل اليه الحرج في الدفاع عن نفسه.. وليس من الجائز اطلاقاً أن يكون المدعى عليه شاهداً في دعواه.
وإذا استعمل هذا الشخص الرفض لم يعد من الممكن الاستماع إلى أقواله إلا بعد تحريك الدعوى العامة ضده وعندئذ تدون أقواله في الدفاع عن نفسه ودرء التهمة عنه دون أن يحلف اليمين طبعاً.
والواجب الثالث الذي يترتب على الشاهد هو الصدق في القول أي أن يفضي بكل ما يعرفه عن الوقائع التي يستمع من أجلها. والشاهد الذي يكتم معلوماته فلا يقضي بها يعرض نفسه لعقوبة شهادة الزور وهذا سنتناوله بشرح المادة 299 وما يليها من هذا القانون وكذلك إذا صرح أحد الناس علناً مزهواً بنفسه أن يعرف فاعلي الجناية أو الجنحة المقترفة.. فدعي للشهادة فرفض أن يجيب على أسئلة القاضي المحقق فإنه يعرض نفسه للعقوبة.
وللشاهد أن يعتصم بالصمت فلا يجيب إذا كان افضاؤه بما لديه يؤول إلى افشاء سر مسلكي.. بل إلى ارتكاب الجريمة المنصوص عنها في المادة 565 عقوبات سوري وهذه حالة من حالات الضرورة التي يمتنع فيها العقاب انظر القاعدة 270 وقد استقر الاجتهاد الفرنسي على صحة اعتصام الطبيب والمحامي والكاهن بالصمت وحقهم في رفض الادلاء بالشهادة واعفائهم من هذا الواجب محافظة على السر المسلكي انظر الدكتور الفاضل ص 407 ولكن مثل هذا المبدأ استثناء للقاعدة العامة التي تجعل للعدالة في عنق كل مواطن حقاً وتضع على عاتقه حيالها واجباً. هو أن يقول الحق أمام القضاء. ولذلك فإن مبدأ الاعفاء من واجب الادلاء بالشهادة ينبغي أن يفسر وأن يطبق في أضيق الحدود. فمثلاً ليس للموظف أن يتذرع بالحافظة على السر المسلكي. ويبدو أن الاجتهاد الفرنسي يقر امتناع رجال الضابطة القضائية عن الافضاء أمام القضاء بأسماء المخبرين انظر الدكتور الفاضل صفحة 408 وهذا الاجتها.. في رأينا محل نظر لأنه قد يقضي إلى حماية المخبرين الكاذبين ويؤول إلى الحيلولة دون اقامة الدعوى العامة بجرم الافتراء عليهم. ولو ثبت كذبهم.
فإذا رفض الشاهد المثول أو رفضه أن يحلف اليمين.. أو الاجابة فهو في كل هذا يعرض نفسه للعقاب. ومن الطبيعي أن ذلك لا يشمل سوى الشهود بالمعنى القانوني الدقيق.. الذين دعوا للشهادة بصورة أصولية أما سائر الأشخاص الآخرين الذين قد تستجمع أقوالهم أمام السلطات القضائية فلا يتناولهم هذا الحكم انظر القاعدة 258 – 259 في هذا الكتاب.
ب) – فمن حقوق الشاهد فله أن يطالب بنفقات الانتقال.. إذا رغب بذلك. ويسلك القاضي حق تقدير المبلغ الواجب أداؤه للشاهد ويدفع من ميزانية الدولة إذا كان الشاهد من شهود الحق العام أي إذا كانت الدعوى قد وجهت اليه بناء على طلب النيابة العامة. وأما إذا كان من شهود الدفاع أو دعي بناء على طلب المدعي الشخصي أو المسؤول مدنياً فإن الفريق الطالب هو الذي يؤدي النفقات وهذا ما سنأتي على ذكره بهامش المواد 191 وما يليها من الباب الرابع والمادة 281 وما يليها من الفصل الثالث الاجراءات.
إلا أنه لا بد أن ننوه بأن القانون يخص الشاهد بحصانة بحيث يمنع عليه أن تقام عليه أية دعوى عامة من أجل جرائم الدم أو القدح أو غيرها التي قد يرتكبها في قيامه بواجب الادلاء بالشهادة. والقانون من جهة ثانية يحمي الشاهد جزائياً ضد جرائم الدم والقدح التي قد تستهدفه من جراء شهادته.
بل وأكثر من ذلك بأن الشاهد لا يتمتع بهذه الحصانة من الناحية الجزائية فحسب. بل هو في نجوة أيضاً من أية مسؤولية مدنية.
– انظر الدكتور المرحوم الفاضل الأصول الجزائية صفحة 401 والدكتور حومد صفحة 575 – كذلك الدكتور بسيسو صفحة 222 وما يليها.
– كذلك انظر هامش المادة 437 رأي الأستاذ نصرت منلا حيدر