الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 101 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

التفتيش من اجراءات التحقيق الابتدائي يقوم به القاضي حين تتوافر لديه الادلة على وقوع الجريمة ونسبتها إلى شخص معين. ويترتب على ذلك أن المحقق لا يملك الأمر بتفتيش عام في جميع المنازل الموجودة في جهة محددة بحثاً عن الجريمة وفاعلها.. ولا يجوز أن يتولاه رجال الضابطة العدلية إلا في أحوال معينة جاءت على سبيل الحصر في القانون وإنما هو حق خاص لمن خوله الشارع سلطة التحقيق. انظر هامش صفحة 167.
إذا إن أعمال التحقيق واجراءاته متعددة.. يدخل فيها الاستجواب وسماع الشهود وتوقيف الأشخاص وتحريهم.. وتفتيش منازلهم وضبط الأشياء والأوراق.. والكشف عن موقع الجريمة وغيرها.
إلا أن هناك حالة نصت عليها المادة 101 أصول جزائية.. ألا وهي الانابة. وأعطت المادة المذكورة الحق لقاضي التحقيق أن ينيب عنه قاض آخر لاجراء معاملة من معاملات التحقيق في الأمكنة التابعة للقاضي المستناب أو أن ينيب أحد موظفي الضابطة العدلية لأي معاملة تحقيقية عدا استجواب المدعى عليه وهذا يخص موظفي الضابطة العدلية فقط.
وعرف الشراح الانابة بأنها الصك الذي ينقل بموجبه القاضي المختص صلاحياته إلى قاض آخر.. أو ضابط عدلي.. ليقوم مقامه باجراء عمل تحقيقي يتعذر عليه أن يقوم به شخصياً.
وللانابات نفع جزيل.. لأنها تخفف على القاضي أعباء الارتحال والانتقال. فإذا افترضنا أن في مقدور القاضي أن يحضر كل شاهد فإنه فيما يتعلق في الانتقال إلى موقع الجريمة أو اجراء تفتيش في البيوت مضطر إلى أن ينيب سواه.. إذا كان الموقع خارج منطقته لأن اختصاصه ينتهي عند حدودها. انظر حومد صفحة 748.
وعلى هذا فإن من حق قاضي التحقيق أن ينيب أحد الأشخاص التاليين للقيام بعمل تحقيقي يندبه اليه
1 – قاضي تحقيق آخر خارج منطقة اختصاصه. ولم يقيد القانون نوع العمل التحقيقي كسماع شاهد.. أو الانتقال إلى مكان الجريمة لاعداد تقرير عنه أو اجراء خبرة.. أو استجواب المدعى عليه.
والأصل أن توجه الانابة اليه رأساً.. كسب للوقت ويقتصر عمله على الموضوع الوارد في الانابة وليس له أن يتعداه ولكن لا يجوز له أن يعمل خارج منطقة اختصاصه المكاني.
ويبدو أنه لا يوجد مانع قانوني يمنع هذا القاضي المناب من اصدار مذكرة من المذكرات الثلاث لانجاز العمل التحقيقي المطلوب منه.. بما فيها مذكرة التوقيف.
غير أن محكمة النقض بقرار رقم 675 لعام 1962 لا ترى هذا الرأي انظر القاعدة 264.
2 – قاضي الصلح الذي يعمل في منطقة قاضي التحقيق الذي أصدر الانابة لصراحة النص المادة الأولى الفقرة واحد وعلى قاضي الصلح المناب أن يعمل ضمن منطقة اختصاصه القاعدة 266.
لذلك لا يجوز لقاضي التحقيق أن يندب قاضي صلح معين خارج منطقة اختصاصه.
ويكون لقاضي الصلح المناب نفس اختصاصات قاضي التحقيق الذي وجه اليه الانابة.
ومعلوم أن قاضي الصلح في المناطق يقوم في منطقة اختصاصه أصلاً بأعمال قاضي التحقيق وله بهذه الصفة اصدار مذكرات دعوة.. واحضار وتوقيف.
ومن الرجوع إلى المادة 167 نرى أنها استعاضت عن كلمة انابة يفوض. واشترط هذا التفويض بأن يكون خطياً فعندها لقاضي صلح المنطقة نفس حقوق وسلطات قاضي التحقيق المفوض.. أي المناب.
ويكون من حق قاضي الصلح هذا أن يقرر الافراج عن المدعى عليه بحق أو بكفالة من دون أخذ مطالبة النيابة العامة مع أن قاضي التحقيق نفسه ملزم بذلك انظر الفقرة 2 من المادة 167.
ورأي الدكتور حومد إن تعطيل هذا الشذوذ أنه لو فرض على قاضي الصلح أخذ مطالبة وكيل النيابةن وهو موجود في مركز جغرافي بعيد.. فقد يتأخر وصول جوابه وبذلك يلحق الضرر بالوقوف.. لأن حجز حريته يطول كثيراً.
3 – أحد موظفي الضابطة العدلية والأحسن توجيه الانابة إلى رياسة الدائرة المختصة بأعمال الضابطة العدلية في المنطقة المطلوب اجراء التحقق فيها. دون ذكر اسم شخص معين..وعلى رئيس الدائرة أن يختار الضابط العدلي المناسب للقيام بالعمل التحقيقي المطلوب انجازه.
وعلى ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 101 يجوز أن يتضمن الندب بجميع أعمال التحقيق.. هذا استجواب المدعى عليه.
وأضاف الدكتور حومد بأنه قد توسع التعاون القضائي بين الدول. واحتلت الانابات محلاً رفيعاً فيما بينها وخاصة الأمم المتجاورة. وحددت المعاهدات الدولية مدى التعاون القضائي.
وعلى المستوى الفقهي تكون الانابات عامة.. وخاصة
أما الخاصة فتتضمن تفويضاً بعمل تحقيقي محدد.. وخاص بجريمة معينة.
وأما العامة فإنها تفوض المناب بإجراء التحقيق في مجموعة من الجرائم غير محددة.
ومن المؤكد أن حماية الحريات الفردية تقتضي اصدار انابات خاصة فقط.. وقاصرة على اجراء عمل تحقيقي معين.. كسماع شاهد أو اجراء كشف. وتعليل ذلك أن الانابات العامة تعطي الشخص المناب صلاحيات واسعة جداً قد لا يحسن التصرف بها. لذلك أوجب قانوننا في المادة 85 / ف2 تعيين النقاط التي يجب الافادة عنها. كما أن المادة 101 حددت موضوع الانابة باجراء معاملة من معاملات التحقيق.
ويتضح من هذا العرض أن تشريعنا لا يفسح صدره الا للانابة الخاصة. ويرفض الانابات العامة لتجنب المحاذير التي تنجم عنها.
والانابة عمل رسمي له آثاره القانونية. لذلك يجب أن تكون مؤرخة وموقعاً عليها من الذي أصدرها ومتضمنة اسم الموظف الموجهة اليه (أو الادارة) وموضوع العمل الذي فوض اليه القيام به.
وينجز المناب ما أوكل اليه ثم يعيد المعاملة كلها إلى قاضي التحقيق الذي أنابه بأسرع ما يمكن.
ومن حق القاضي.. بل من واجبه أن يتحقق من سلامة هذه الاجراءات التي قام بها الموظف المناب.
انظر الدكتور حومد صفحة 748 وما يليها