الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 172 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

في هذا الباب من الكتاب الثاني لابد من أن نعرج على هوامش الصفحات 167 و216 و256 و295 و356 في كتابنا هذا – وما أدرج بها من ايضاح وقواعد ترتبط ربطاً وثيقاً في هذا الفصل من الباب الأول من الكتاب الثاني وموضوع الاختصاص.. ومحاكم الصلح.. وقضاة المناطق.
إذن لابد من أن نتصدى لموضوع الاختصاص هذا بايجاز. وقد نصت المادة 25 من قانون السلطة القضائية بفقرتها الأولى على أن المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها تفصل في جميع الدعاوى والمعاملات التي تعرض عليها في حدود اختصاصها إلا ما استثنى بنص خاص.
كما نصت المادة 29 من ذات القانون على أن محاكم الصلح تفصل في جميع الدعاوى المدنية والتجارية والجزائية المبينة في قوانين أصول المحاكمات وفي القوانين الأخرى ويقوم قضاة الصلح بأعمال القضاة المختارين وفاقاً للقوانين والأنظمة المتعلقة بتحديد العقارات وتحريرها.
ولا مانع من أن نتعرض للناحية المدنية في نص هذه المادة ونشير بأن من الاختصاصات العائدة لمحكمة الصلح والتي ورد النص عليها وما جاء بشأن حصر الارث القانوني المتعلق بالأراضي الأميرية حيث يعود لمحكمة الصلح بصفتها الولائة تنظيم وثيقة لحصر الارث القانوني طبقاً لقانون الانتقالات المشار اليه والصادر عن محمد رشاد والمنشورفي ملحق المرشد في قانون الأحوال الشخصية لمعد هذا الكتاب.
وقانون الأصول الجزائية وضع باباً خاصاً للاختصاص.. هو موضوع هذا الهامش. وما نصت عليه المواد 165 – 172 .
ويعرف الاختصاص بأنه السلطة التي خولها القانون للمحكمة لتبت في الدعوى أو في الدفع بعدم الاختصاص.
أي أن سلطة احدى المحاكم في نظر خصومة معينة والفصل فيها.. أول ما يتوجب عليها أو على قاضي التحقيق.. أو قاضي الاحالة.. أو قاضي تلك المحكمة البت في موضوع الاختصاص. لأن قضايا الاختصاص في المواد الجزائية من النظام العام ويمكن اثارتها في اي مرحلة من مراحل الدعوى وعلى المحكمة أن تثيرها تلقائياً.. وقواعد الاختصاص هذه لم توضع لصفحة الخصوم.. وإنما وضعت لمصلحة العدالة راجع القاعدة 102 و454 و455 في هذا الكتاب إذن لا يستطيع الخصوم أن يتفقوا على تغيير قواعده. كما أن رضاهم بمخالفة قواعده لا يمكن أن يجعل الاجراءات المخالفة لقواعده صحيحة.
وعلى المحكمة كما سبق وذكرنا من واجبها والحال هذه أن تقرر من تلقاء نفسها عدم اختصاصها. وهي غير ملزمة بالوصف الذي يعطيه للفعل قاضي التحيق أو قاضي الاحالة.. أو النيابة العامة.. أو محكمة الدرجة الأولى. انظر القاعدة 461 و462 و546 و547 و550.
وكل عمل يصدر عن سلطة غير مختصة قانوناً باطلاً بطلاناً مطلقاً.. لأن هذه السلطة لا تستطيع ارسال القضية إلى المحكمة التي تعتقد بأنها المحكمة المختصة. ولا يستثنى من ذلك في قانون أصول المحاكمات الجزائية إلا حالة واحدة هي.. إذا وجد قاضي التحقيق أن الفعل الذي حقق فيه هو مخالفة فإنه لا يقرر عدم الاختصاص.. بل يحيله إلى محكمة الصلح وهذه ملزمة باعمال المادة 133 من ذات القانون انظر صفحة 437 وما يليها في هذا الكتاب.
وصفة الاختصاص بأنه من النظام العام تراعى فيه أيضاً ما اختصت به المحاكم الاستثنائية فالمحكمة العسكرية هي التي تقرر اختصاصها أو عدم اختصاصها.. في حالة تنازع مع القضاء العادي انظر قسم الاختصاص في نهاية هذا الجزء.
وإذا كان الفاعل حدثاً.. فإن محكمة الأحداث هي المحكمة المختصة.
كذلك فإن محكمة الأمن الاقتصادي هي التي تفصل في موضوع الاختصاص. وقرارها بذلك مبرم. وهذا ما يجب أن يقال عن محاكم أمن الدولة العليا اتي استثنى قانونها من التقيد بالاجراءات الأصولية في جميع أدوار واجراءات الملاحقة والتحقيق والمحاكمة. قاعدة 468.
وخص الدكتور حومد والأستاذ عبد الهادي عباس الاختصاص الشخصي بالقاعدة العامة التي تقول إن كل من ارتكب جرماً في سورية يحاكم أمام محاكمها ويطبق عليه قانوننا الجزائي. وهذه القاعدة موجودة في كل التشريعات العالمية.. لأن قانون العقوبات جزء متمم لسيادة الدولة.. في حين أن القانون المدني بمادته 12 يقبل صراحة تطبيق قوانين الحالة المدنية للأشخاص والأهلية الخاصة بالأجانب في منازعاتهم أمام القضاء السوري دون أن يمس ذلك سيادة البلاد وهذا اتجاه ذو صفة عالمية.
وقواعد الاختصاص المحلي أو المكاني للمحاكم الجزائية تختلف نسبياً عن قواعد الاختصاص المحلي في القضايا المدنية.. وذلك لجهة تعلق ذلك بالنظام العام.. أو نسبة الاختصاص وأن لجهة تحديد المحكمة المختصة محلياً.. تحدد اختصاصاتها تبعاً لطبقتها واختصاصها النوعي للنظر في الجرم.. بمحكمة موضع اقتراف الجريمة أو محل إقامة المدعى عليه أو محل توقيفه.. أي أن لكل جريمة ثلاث محاكم يحق لكل منها النظر بها.. وهي محكمة محل ارتكاب الجرم ومحكمة محل اقامة المدعى عليه.. ومحكمة مكان توقيفه. ولكن هل يجب اتباع التسلسل. لقد عالجه الاجتهاد في عدد من أحكامه وإن كانت بعض الاجتهادات قد خالفت ما استقر عليه الرأي فإنه يمكن القول أن القضاء استقر على أن مراعاة التسلسل بالأولية أصبح من متعلقات النظام العام انظر قرار الهيئة العامة أمام 1983 موضوع القاعد 40 – كذلك القاعدة 525 و564 في هذا الكتاب (انظر التقنين المدني السوري الجزء الأول صفحة 69 وما يليها لمعد هذا الكتاب والدكتور حومد صفحة 450 أصول جزائية والأستاذ عبد الهادي عباس الاختصاص صفحة 384).
هذا موجز عن الاختصاص الجزائي وسندرج في نهاية هذا الجزء القواعد العامة في موضوع الاختصاص ككل.
وعن ما سبق نرى أن قانون الأصول الجزائية خصص عدة محاكم كلاً منها ينظر في نوع من أنواع الجرائم ومن هذه المحاكم ما نصت عليها المواد 165 – 172 المحاكم الصلحية والمحاكم البدائية والمحاكم الجنائية.
وعلى ما نصت عليه المادة 25 من قانون اللطة القضائية تقف محكمة الصلح في أسفل السلم القضائي.. وتتألف من قاض واحد في مركز المنطقة الادارية.. يساعده كاتب ومحضر أو محضرون. وفيه تتمثل وحدة القضاء الجزائي والمدني.
وتنظر محكمة الصلح في كل المخالفات سواء أكانت مذكورة في قانون العقوبات.. أو في القوانين الخاصة أي أنها مختصة في كل جرم لا تتجاوز عقوبة الحبس فيه عشرة أيام أو كان معاقباً بالغرامة التي تتراوح بين 25 ليرة و100 ليرة سورية انظر المادتان 60 و61 عقوبات.
غير أن الشارع ومع صلاحية محاكم الصلح بتخويلها حق النظر في بعض الجنح التي ذكرها في المادة 166 أصول جزائية من قانون العقوبات والتي تم نشرها في أول هذا الهامش يرجى الرجوع اليها.
وقد رأى الشارع في مقابل توسيع هذه الصلاحيات أن يخفف قليلاً من حكام الصلح.. فأوجد بالفصل الثاني من هذا الباب الأصول الموجزة التي ستأتي على شرحها في مكانها بذيل المادة 225 من هذا القانون.
وجاء في مقال للأستاذ الراشد – فرع حلب – نشر في مجلة المحامون صفحة 1212 لعام 1984 بعد أن أشار لتعليق سابق حول المادة 165 أصول جزائية قال أوضح ما في المادة 165 من أمور قد تبدو لمن يقرأها لأول وهلة أنها منطقية جداً.. فإذا تعمق في البحث وجد تناقضاً غريباً يرفضه المنطق السليم. ويأمل صدور تعديلات قانونية تشمل القوانين كلها العثمانية منها وحتى الحديثة. ونورد هذا المقال بكامله لأهميته العلمية متوخين منه الفائدة والايضاح للسادة العاملين في الحقل القانوني حيث قال الأستاذ الراشد ما يلي
1 – بادىء ذي بدء أحب أن أؤكد أن الفقرة (آ) من المادة 165 أصول جزائية صحيحة ولا يوجد أي مطعن في صياغتها أو مضمونها.
2 – كما أن النظرة الأولى للفقرة (ب) من ذات المادة تجعلها تبدو كأنها منطقية. ولكن هل هذا الفهم السطحي للنص صحيح.. في اعتقادي لا أو إن شاء البعض كلا – والسبب في ذلك بسيط وهو أن هذه الفقرة التي اعتبرت أن محاكم الصلح وبالتالي البداية تحكم في الدرحة الأولى وقرارها يقبل الطعن استئنافاً فقط.. أي يصدر مبرماً إذا قضت محاكم الصلح أو البداية الجزائية بالحبس حتى عشرة أيام أو بغرامة تزيد عن المائة ليرة سورية.
ولكن ما هو رأي السادة العاملين في الحقل القانوني وأخص بالذكر المهتمين والمطبقين للنصوص القانونية فيما إذا صدر قرار عن محكمة الاتئناف نتيجة لاستئناف النيابة العامة بعقوبة حبس تزيد عن عشرة أيام ولتكن ثلاثة أشهر أو سنة أو أكثر فهل يكون قرار محكمة الاستئناف مبرماً وغير قابل للطعن بطريق النقض كما هو نص الفقرة (ب).
القضية تستحق أكثر من علامة استفهام وتعجب إذ يكفي أن نتصور أن محكمة الصلح أو بداية الجزاء أصدرت قراراً بالحبس لمدة عشرة أيام مثلاص عندئذ وأمام صراحة الفقرة ب فإن هذا القرار يكون قابلاً للاستئناف فقط ولا يقبل الطعن بطريق النقض أي أن يصبح مبرماً.
كما أنه إذا أصدرت محكمة الاستئناف قراراً يقضي بالحبس لمدة سنة أو حتى ثلاث سنوات في مثل هذه القضية نتيجة لاستئناف النيابة العامة الأصلي أو التبعي في رأي البعض فإن هذا القرار يكون مبرماً أيضاً وغير قابل للطعن بطريق النقض حسب مفهوم النص وصراحته أما في ذلك بعد وتجاف عن المنطق السليم.
ولكن الأمر يبدو أكثر غرابة في الفقرة التالية
3 – وهنا لا بد من ايراد النص بالحرف حتى تكون القضية أكثر وضوحاً إذ ليس من المفروض على كل قارىء وضع النص القانوني أمامه حين قراءة الموضوع مثلاً.
جاء نص المادة 165 المعدلة من قانون أصول المحاكمات الجزائية بالحرف كما يلي
أ) – مبرمة…
ب) – في الدرجة الأولى…
ج) – في الدرجة الأولى وتقبل الطعن بطريق الاستئناف وحكم محكمة الاستئناف يقبل الطعن بطريق النقض إذا قضت بعقوبة أشد من العقوبة المنصوص عليها في الفقرة السابقة.
إذن النص صريح بأن قرار محكمة الدرجة الأولى إذا قضى بعقوبة أكثر من عشرة أيام وليكن على سبيل المثال خمسة عشر يوماً فإن هذا القرار قابل للاستئناف وقرار محكمة الاستئناف مهما كانت العقوبة التي قضت فيها ولتكن بالغرامة أكثر من مائة ليرة أو الحبس خمسة أيام فقط للأسباب التي ارتأتها فإن قرار محكمة الاستئناف هنا يكون ليس مبرماً وليس قابلاً للطعن عن طريق الاستئناف فقط وإنما يكون قرارها قابلاً للطعن بطريق النقض. لعل السادة القراء لا يزالون يذكرون أن الفقرة (ب) تجعل قرار محكمة الاستئناف مبرماً ولو قضت بعقوبة سنة وحتى ثلاث سنوات وفي الفقرة (ج) هذه فإن قرار محكمة الاستئناف يكون قابلاً للطعن بالنقض ولو قضى بأبسط عقوبة ولتكن الغرامة حتى الماية ليرة أو الحبس لمدة يومين فهل هناك أكثر من مثل هذا التناقض العجديب وإلا يستحق الموضوع أكثر من علامة تعجب.
إن المنطق والعدالة وحفظ حق المدعى عليه وقد وضعت قوانين العالم كل العالم لتصونه فكانت المحاكم على ثلاث درجات كلما ازدادت العقوبة صيانة الحق المدعى عليه من خطأ المحاكم الأدنى باستثناء محكمة الجنايات لأن لها وضعاً خاصاً وتمر القضية قبل أن تصل اليها أمام ثلاث درجات من التقاضي.
بقي علي أن أشير إلى النقاط التالية
أ) – إن أحداً فيما أعتقد لا يمكنه تفسير هذه المادة بطرية أخرى لأن الضمير في فعل قضت الواردة في الفقرة ج- … إذا قضت بعقوبة أشد… لا يمكن أن ينصرف إلا إلى محاكم الدرجة الأولى وليس محاكم الاستئناف يقيناً.
ب) – إن أي تفسير موسع لهذه المادة غير جائز كما يعلم الجميع من العاملين في الميدان القانوني بما يستبعد أي احتمال لتفسير مغاير.
ج-) – إن في هذا النص عدا عن الغرابة والبعد عن المنطق خطراً على القضاء حيث يمنع محاكم الاستئناف إذا تمسكت بالنص من زيادة العقوبة ولو رأت ذلك واجباً – في حال تطبيق الفقرة (ب) من المادة 165 أصول – تقيداً بمنطق العدل والانصاف ولأن رفع العقوبة إلى حد كبير – مع وجود النص المانع – حق من حقوق المدعى عليه باللجوء إلى الطعن وحرمانه من هذا الحق ويجرح جوهر العدالة ويبتعد عن المبادىء الإنسانية السامية. راجع القاعدة 525 وما يليها في كتابنا هذا.
د) – وأخيراً أرجو أن يعدل النص بشكل تكون فيه الأحكام مبرمة إذا كانت العقوبة الغرامة حتى المائة ليرة سورية فقط.
أما في حال صدور قرار من محاكم الدرجة الأولى بالحبس والغرامة أكثر من ألف ليرة مهما كانت مدته. فيترك المجال للمدعى عليه باللجوء إلى طريقي الطعن. استئنافاً ونقضاً حيث يلجأ إليهما من يشعر بظلم أو خطأ في تطبيق القانون.
والأمر نفسه يجب أن يكون للمدعي الشخصي فقد يشعر بالغبن في قرار استئنافي هو وغيره متأكد بأن التعويض يجب أن يكون مثلاً 100.000 مئة ألف ليرة سورية فقط حتى لا يبقى من يشعر بأنه قد غبن أو ظلم أو أن في القرار خطأ والقانون حرمه من درجة من درجات التقاضي والدستور قد نص على حق المواطن في التقاضي كما هو معلوم لدى السادة الزملاء.
وبذلك نسد باباً كبيراً من التناقض أو الاحساس بالغبن من بعض المتقاضين وتكون أبواب العدالة مشرعة أمام مثل هؤلاء. فهل نرى هذا النص قد عدل في وقت قريب أرجو ذلك وأشعر بتفاؤل كبير.
هذا ما جاء في مقال الأستاذ الراشد وإننا لنرى فيه الحق فيما قاله ورأينا من رأيه.
وقد جاءت المادة 167 خاصة بقضاة المراكز التي لا يوجد فيها قضاة تحقيق ليقوم قضاة الصلح في منطقتهم بوظائف الضابطة العدلية وبهذه الصفة يحب لهم أن يصدروا فيها قاضي التحقيق تفويضاً. انظر هامش صفحة 354 والقاعدة 209 في هذا الكتاب ومع ذلك استمر الالتباس يقع أمام القضاء في موضوع الحجز الذي تلقيه المحكمة الجزائية استناداً لأحكام المادة 185 أصول جزائية ولا سيما وأن المادتين 336 و337 من أصول المحاكمات الجزائية لا تسمحان بالطعن بمثل هذا القرار مستقلاً وإزاء صدور بعض الاجتهادات المتناقضة عرض الأمر على الهيئة العامة لمحكمة النقض فأصدرت قرارها بالأكثرية في هذا الشأن والذي أكد على جواز القاء الحجز أمام المحاكم المختصة بنظر أصل الحق مهما كان نوعها وليس استناداً للمادة 185 لأن هذه المادة لم تستهدف الحجز الاحتياطي وغرضها لا يتعدى اعطاء رئيس المحكمة الجزائية الحق في أن يقدر الأضرار الحاصلة أو أن يجري كشفاً أو أية معاملة مستعجلة أخرى قبل موعد الجلسة.
ولذلك لا محل لتطبيق المادتين 212 و213 أصول جزائية المحددة للقرارات التي لا تقبل الطعن أو لا تقبل الطعن بالاستئناف الخ القاعدة 564 هيئة عامة فتكون لهم عندئذ السلطة التي خولها القانون للقاضي ويكون لهم الحق بتخلية سبيل الموقوفين بحق أو بكفالة من غير أخذ مطالبة النيابة العامة.
هذا وقد أثير سؤال ما إذا كان لمحكمة الصلح الاختصاص المعطى لرئيس محكمة البداية بموجب المادة 185 من الأصول الجزائية بتقدير الاضرار الحاصلة أو اجراء الكشف رؤية معاملة مستعجلة قبل موعد الجلسة.. فأصدرت وزارة العدل كتاباً بهذا الشأن تعتبر فيه أن هذا النص عام يطبق على باقي المحاكم انظر القاعدة 565 كما أن محكمة النقض في أحكامها أجازت للمحكمة الجزائية التي تنظر في دعوى الحق الشخصي القاء الحجز الاحتياطي دون أن يسلب هذا اختصاص قاضي الأمور المستعجلة. علماً بأن القضاء المستعجل لا يتأثر بقاعدة الجزائي يعقل المدني ويبقى له الاختصاص بالمنازعات المستعجلة ولو جرى تحريك دعوى جزائية في موضوعها. انظر القضاء المستعجل محمد علي راتب صفحة 31 والقاعدة 570 وصفحة 397 الأستاذ منلا حيدر التنفيذ الجبري.
ومن نص المادة 169 أصول جزائية نرى أن محكمة البداية الجزائية اختصاصها يشمل كل جنحة لم يرفع حق النظر فيها ليعطى إلى محكمة أخرى بنص صريح سواء أكانت مذكورة في قانون العقوبات أو في قانو خاص.
ومن أمثلة الجنح التي انتزع حق النظر فيها من محكمة البداية وأعطي إلى جهات أخرى كما هو مقرر ي المادة 166 أصول جزائية وقانون الأحداث والعقوبات العسكرية.
وقد كانت محكمة البداية تشكل من ثلاثة قضاة. غير أن ملاك وزارةالعدل عام 1947 أدخل نظام القاضي المنفرد. وحافظ قانون اللطة القضاية الصادر بعد ذلك والنافذ حالياً.. وبقي محافظاً على هذه الحال. انظر الاختصاص القضائي للأستاذ عبد الهادي عباس.
وإذا أجاز القانون خروجاً على قواعد الاختصاص.. وجب العمل به.
وساق الدكتور حومد بكتابه الأصول الجزائية على مثالين لذلك
الأول إذا أقيمت دعوى جزائية أمام محكمة البداية ثم تبين أنها جنحة أو مخالفة داخلة في اختصاص قاضي الصلح فإن من حق وكيل النيابة أو المدعي الشخصي طلب احالتها إلى المحكمة الصلحية المختصة.. شريطة أن يتم هذا الطلب قبل أي تحقيق أي يجب الدفع بعدم الاختصاص قبل أي اجراء أمام المحكمة وعلى المحكمة أن تتخلى عن النظر فيها. أما إذا لم يطلب أحدهما ذلك وجب على المحكمة أن تفصل فيها انظر المادة 199 أصول جزائية.
ولا يملك المدعى عليه هذا الحق. لصراحة النص. وهذا الشيء عجيب.
الثاني إذا كان الفعل ملازم لجنحة من اختصاص محكمة البداية – في حين أنه أصلاً من اختصاص قاضي الصلح – فإن محكمة البداية تبت فيها بحكم واحد ويكون هذا الحكم قابلاً للاستئناف في مجموعه انظر المادة 199 ف2 وهذا ما سنأتي عليه مفصلاً في الباب الرابع بذيل المواد 183 – 215 أصول جزائية في الجزء الثاني من هذه المجموعة.
وما أتت به المادة 172 أصول جزائية واختصاص المحاكم الجنائية والمادة 43 من قانون السلطة القضائية من أن تفصل محكمة الاستئناف في القضايا الجنائية وفي القضايا التي تقبل الاستئناف والقضايا التي هي من اختصاصها بمقتضى القوانين النافذة…
نرى من هذا النص لقانون السلطة القضائية أن محكمة الاستئناف لها ثلاث اختصاصات
الاختصاص الأول بصفتها الجزائية تنظر فيه كمحكمة جنايات.
والثاني اختصاص بصفتها محكمة درجة ثانية بالنسبة للأحكام القابلة للاستئناف حسب قانون أصول المحاكمات المدنية.
الثالث اختصاص محدد لها في القوانين المتفرقة والنافذة.
ولكن من الرجوع إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية نرى أن محكمة الجنايات قد أعطي لها اختصاص بموجب أحكام المادة 172 منه وهو موضوع بحثنا هذا ونأتي على اختصاص محاكم الاستئناف في الطعن إلى مواقعها فنقول
إن محكمة الجنايات في الأصل هي غرفة استئنافية مشكلة من ثلاث مستشارين تختص بمحاكمة مرتكبي الجنايات.
ويدخل في اختصاص هذه المحكمة على وجه الاستثناء ما يلي
1 – محاكمة الجنح والمخالفات وهذا أمر نادر الحدوث فمثلاً إذا أحيلت اليها بقرار اتهام صادر عن قاضي الاحالة ومكتسب الدرجة النهائية.
لا يجوز لها أن تتخلى عن النظر فيها بحجة أنها غير داخلة في اختصاصها بل عليها إعمال نص المادة 320 من هذا القانون وتعليل ذلك.. إن محكمة الجنايات لا تكتشف طبيعة الجرم إلا بعد تحقيق قد يكون طويلاً. وعندها لا توجد مصلحة في إحالة الدعوى إلى محكمة ثانية ستعاود التحقيق فيها دون جدوى.. فيكون ذلك من باب اضاعة الوقت. ثم إن محكمة الجنايات ما دامت مختصة بنظر الجنايات وهي الأشد.. فلا ضرر من أن ترى الجنح والمخالفات وهي أخف.. علامً بالقاعدة القائلة أن من يملك الأكثر يملك الأقل كما هو عليه الاجتهاد القضائي وهذا ما سنأتي على شرحه مفصلاً بديل المادة 320 في الجزءالثاني من هذه المجموعة.
2 – الجناية التي يتبين أنها مقترنة بعذر قانوني مخفف.. ولو أنها ستعتبر جنحة.
3 – الجنح والمخالفات الملازمة للجناية.. غذا كان محالة اليها في قرار اتهام المادة 172 أصول جزائية.
وهنا لابد من الاشارة إلى أن المادة 172 المذكورة ذهلت عن ذكر المخالفة ولكن هذا الذهول لا يمنع محكمة الجنايات من الفصل في المخالفات المتلازمة مع الجناية لأنها ملزمة بذلك حكماً. ولكن إذا أحيلت اليها جنحة لسبب ما.. واكتشف أنها جناية فلا يحق لها أن تنظر فيها. لأن الجناية يجب أن تحال من قاضي الاحالة بقرار اتهام.