Call us now:
الرأي الفقهي
وتبدأ هذا الجزء في الباب الرابع وأصول المحاكمات أمام المحاكم البدائية فنلاحظ أن الشارع السوري ذكر أحكام أصول المحاكمات أمام محكمة البداية أولاً.. ثم قضى بالمادة 216 بتطبيقها أمام محاكم الصلح مع مراعاة بعض الأحكام الخاصة بهذه المحاكم.
وقد وضع قواعد عامة أساسية للمحاكمات. وأمام ذلك يجب علينا قبل كل شيء أن نبين بعض هذه القواعد العامة لأصول المحاكمات جميعاً والتي تتميز بها عن اجراءات التحقيق الابتدائي السابقة لاقامة الدعوى. وسر ذلك. هو أن المحاكمة أمام محاكم الموضوع تختلف في نواحي كثيرة عن معاملات التحقيق الابتدائية وبخاصة فإن المحاكم تهدف الى كشف حقيقة الادعاء.. وتقصي اليقين فيما يتعلق بالتهمة وصحتها أو بطلانها أما التحقيق الابتدائي فلا يهتم إلا بجمع عناصر الدعوى بصورة أولية وتهيئتها لمحاكم الموضوع للبت فيها وفصلها بحكم قضائي على أساس الثبوت الحقيقي للجريمة ومسؤولية الفاعل عنها أو عدم ثبوتها وبراءة الفاعل أو عدم مسؤوليته.
وهذه القواعد العامة نلخصها بما يلي علنية الجلسات وشفوية المرافعات وحضور الخصوم واجراء تحقيق تكميلي وندب عضو المحكمة للتحقيق وتقيد المحكمة بحدود الدعوى وحق المحكمة في تغيير وصف الجريمة وإضافة الوقائع المشددة الداخلة في التهمة وتدوين محضر المحاكمة وإصلاح الأخطاء الماديةن وسنأتي على تفصيل كل منها في مواضعه.
فخلاصة ما سبق نرى أنه تطبق أمام محكمة البداية القواعد والأصول المنصوص عليها في الباب الرابع من قانون أصول المحاكمات الجزائية المادة 183 – 215 وترتبط ببعض المواد الأخرى من ذات القانون ومن قانون أصول المحاكمات المدنية.
وتشمل هذه الأصول الأمور التالية إقامة الدعوى العامة – تبليغ مذكرة الدعوى المادة 186 – حضور الخصوم والمحاكمة الغيابية المادة 187 – 189 – علانية المحاكمة المادة 190 – اجراءات المحاكمة المادة 191 – 196 – نظام الجلسات المادة 396 – 398 – صدور الحكم المادة 197 – 210 – رسوم الدعوى ونفقاتها الماد 215 – أصول المحاكمات في الجنح المشهودة المادة 231 – 237 – الاعتراض على الأحكام الغيابية المادة 205 – 210 – الطعن بطريق الاستئناف المادة 212 – 214 – حالات عدم تنفيذ الحكم 215 . هذا ملخص عن القواعد العامة الأساسية التي وضعها الشارع لقانون أصول المحاكمات الجزائية.
أشرنا في أول هذا البحث بأن لاقامة الدعوى العامة أمام المحاكم الجزائية ثلاث طرق منها
الادعاء الشخصي ويتقدم به المضرور مباشرة الى المحكمة باستدعاء يتخذ فيه المضرور صفة المدعي الشخصي. فتكلفه المحكمة دفع نفقات تقدرها. وبذلك تتحرك الدعوى العامة والدعوى المدنية دون حاجة الى ادعاء النيابة العامة. إلا أنه يجب على المضرور أن يقيم نفسه مدعياً شخصياً وأن يتخذ في استدعاء دعواه موطناً له في مركز المحكمة كمكتب محام أو غيره.. ويوضح شكواه توضيحاً كافياً انظر المادة 184 والجزء الأول من هذه المجموعة صفحة 249 وما يليها.
وقد جرت العادة أن تلجأ النيابة العامة الى طريق الادعاء المباشر إلا إذا كانت الدعوى كاملة الوضوح مكتملة الأدلة والتحقيق.. وإلا قدمتها أولاً لقاضي التحقيق لاستجلاء غوامضها واستكمال عناصرها وأدلتها.
ولابد من الاشارة لفوائد الادعاء المباشر أن النيابة تستطيع الادعاء على كل شخص رفض قاضي التحقيق أن يظن عليه بعد أن استمع الى مختلف الأشخاص.. لقناعته بعدم وجود علاقة له بالجريمة.
فإذا ظن قاضي التحقيق على شخص ولم يظن على آخر وكانت النيابة قائمة بجريمة الثاني.. فإنها تقيم الدعوى عليه مباشرة أمام المحكمة. وهذا الحق معطى أيضاً للمضرور حين يقيم نفسه مدعياً مدنياً على الشخص الذي لم يظن عليه قاضي التحقيق وتوحد المحكمة محاكمة الزمرتين.
ولكن إذا أصدر قاضي التحقيق قراراً بمنع محاكمة شخص فإن الادعاء المباشر لا يعود مقبولاً ضده. ولا بد من انتظار دليل جديد.
وإذا أقيمت الدعوى مباشرة أمام محكمة البداية.. فإن هذه الاقامة نهائية وعلى المحكمة أن تنظر في الموضوع وتصدر قرار فيه وليس لها أن تحيلها على قاضي التحقيق ليحقق فيها كما أنه ليس للنيابة العامة أن ترجع عن ادعائها. بحجة التوسع في التحقيق. أو بحجة القضية أنها معقدة أو أن الفعل جناية لا جنحة.. لأن هذا الأمر تقدره المحكمة التي وضعت يدها على الموضوع.
ولا بد من الاشارة بأنه ليس للادعاء المباشر شكل معين ولكن يجب أن تتضمن صحيفة الدعوى كل المعلومات التي تعرف المدعى عليه بالتهمة الموجهة ضده تعريفاً دقيقاً وفي الغالب توجد أوراق مطبوعة تكمل بالكتابة حين الضرورة وقد أتت على ذكره المادة 94 أصول محاكمات مدنية ونصت على مايلي
نص المادة 94 أصول مدنية
1 – ترفع الدعوى باستدعاء يتضمن
أ) – اسم المحكمة التي ترفع الدعوى أمامها.
ب) – تاريخ تحرير الاستدعاء.
ج-) – اسم كل من المدعي والمدعى عليه ولقبه ومهنته وموطنه.
د) – بيان موضوع الدعوى فإن كان من المنقولات وجب ذكر جنسه ونوعه وقيمته وأوصافه وإن كان من العقارات وجب تعيين موقعه وحدوده أو بيان رقم محضره.
ه-) – عرض الأوجه القانونية التي تؤسس عليها الدعوى.
و) – ذكر البيانات والأدلة التي يستند اليها المدعي في تأييد دعواه.
ز) – توقيع المدعي أو وكيله متى كان الوكيل مفوضاً بسند رسمي ويجب ذكر تاريخ هذا السند والجهة التي صدقت عليه.
2 – على المدعي الذي ليس له موطن في دائرة المحكمة أن يختار موطناً له فيها وإذا لم يفعل جاز تبليغه وفاقاً للمادة 24 .
ويلاحظ أحياناً أن بعض المحاكم ترفض قبول الادعاء المباشر وتحيل الادعاء الشخصي على النيابة العامة التي تحيله بدورها على قاضي التحقيق.. أو تعيده للمحكمة ذاتها.
إلا أنه نرى أن هذا التصرف خاطىء ومخالف لصراحة القانون. ويجب أن تعطى صورة من الادعاء الى كل من مدعى عليه والى المسؤولين بالمال أيضاً عملاً بنص المادة / 142 / عقوبات إذ تنص يدعى المسؤولون مدنياً وشركات التأمين الى المحاكمة ويلزمون متضامنين مع فاعل الجريمة بالردود والنفقات المتوجبة للدولة ويحكم عليهم بسائر الالزامات المدنية إذا طلب المدعي الشخصي ذلك…
ويوجب والحال هذه أن يذكر في استدعاء الدعوى أنه مقدم من النيابة… أو يذكر فيه اسم المدعي الشخصي ويدعي عن الوزارات والادارات العامة الوزير أو المدير العام اضافة لمنصبه.
وهذا لابد من الاشارة الى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية بمادته 185 أعطى الحق لرئيس محكمة البداية بتقدير الأضرار الحاصلة ويجري عليها الكشف أو أية معاملة مستعجلة أخرى بنفسه أو بواسطة غيره إلا أنه اشترط الشارع طلب المدعي الشخصي بذلك.
والناحية الواجب بحثها هي هل يحق للقاضي الجزائي الناظر في دعوى الحق العام أن يقرر الحجز الاحتياطي في نطاق دعوى الحق الشخصي المقامة أمامه تأميناً للحق المذكور عند البت في الأساس.
لقد اختلف الشراح بهذا الحق ومدى صلاحية القضاء الجزائي به… فمنهم من أيده ومنهم من عارضه وحصره بقاضي الأمور المستعجلة. وباعتبار أن القضاء المستعجل هو مؤسسة قانونية مستقلة أناط المشرع السوري لقاضي الأمور المستعجلة رؤية المنازعات المستعجلة وحدد له اختصاصاته بالمادة 78 من قانون أصول المحاكمات المدنية.
نص المادة 78 أصول مدنية
1 – يحكم رئيس محكمة البداية في الأمور المستعجلة بدون تعد للموضوع أو لاختصاص رئيس التنفيذ.
2 – في المراكز التي لا يوجد فيها محاكم بداية يتولى قاضي الصلح الفصل في هذه الأمور.
3 – يبقى من اختصاص محكمة الموضوع الحكم بهذه الأمور إذا رفعت لها بطريق التبعية.
4 – يقصد بالأمور المستعجلة المسائل التي يخشى عليها من فوات الوقت.
5 – لا يجوز أن تمس التدابير المتخذة من قبل قاضي الأمور المستعجلة حقوق السلطة الادارية.
6 – يحق لقاضي الأمور المستعجلة أن يقرر بناء على الطلب المقدم اليه وقبل دعوة الخصوم اجراء معاينة أو خبرة فنية وذلك في حالة العجلة الزائدة.
وإذا كان النص القانوني للمادة سالفة الذكر قد أوضح ماهية الأمور المستعجلة ووصفها بأنها هي المسائل التي يخشى عليها من فوات الوقت.. إلا أنه ترك للفقه والقضاء تحديدها الذي لا يدخل تحت عد وحصر. وإن الفقرة الخامسة من ذات المادة المشار اليها اشارة الى عدم جواز مساس التدابير المستعجلة المتخذة من قبل قاضي الأمور المستعجلة لحقوق السلطة الادارية.
ونرى وفق ما نصت عليه المادة 185 أصول جزائية أجازت للقاضي الجزائي الحق بإجراء المعاينة والخبرة قبل دعوة الخصوم فقط. ولا يجيز له اتخاذ تدابير مستعجلة. لأن القاضي الجزائي وعلى ضوء نص المادة 185 أصول جزائية لا يتخذ أحكاماً ذات صفة قضائية.. وإنما يقرر إجراء معيناً. وإن كان هذا النص ورد في باب أصول المحاكمات لدى المحاكم البدائية غير أنه يعتبر مبدأ عاماً يطبق على باقي المحاكم.
إذن لابد من أن نتساءل هل يحق للقاضي الجزائي الناظر في دعوى الحق العام أن يقرر الحجز الاحتياطي في نطاق دعوى الحق الشخصي المقامة أمامه تأميناً للحق المذكور عند البت في الأساس.
فنقول إن للقاضي الجزائي له كل الحق في أن يتخذ تدابير مستعجلة عند النظر بدعوى الحق الشخصي تبعاً لدعوى الحق العام وهذا ما نصت عليه المادة 185 و217 أصول جزائية. وكانت الهيئة العامة لمحكمة النقض قد استقر اجتهادها على أن سكوت الأصول الجزائية عن مبدأ قانوني يوجب الرجوع الى المبادىء العامة الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية. انظر القاعدة 805 في هذا الجزء.
فالمبادىء العامة المعنية بقرار الهيئة العامة وغيرها من القرارات المماثلة هي ما نصت عليه المادة 315 و316 أصول محاكمات مدنية ونصها كما يلي
المادة 315 أصول مدنية
1 – يوقع الحجز الاحتياطي في الأحوال المتقدمة الذكر بقرار من قاضي الأمور المستعجلة.
2 – إذا لم يكن طلب الحجز مستنداً إلى حكم أو سند قابل للتنفيذ يزول أثر الحجز المقرر وفاقاً للفقرة السابقة إذا لم يقدم الحاجز الدعوى بأصل الحق خلال ثمانية أيام تبدا من تاريخ تنفيذ الحكم بالحجز.
المادة 316 أصول مدنية
يجوز القاء الحجز الاحتياطي بقرار من المحكمة المختصة للنظر في أصل الحق بالأوضاع المقررة لاستدعاء الدعوى وفي هذه الحالة يجب أن يشتمل استدعاء طلب الحجز على مطالب المدعي بأصل الحق ما لم تكن الدعوى به قائمة أمام المحكمة.
وإن كانت المادة 315 من قانون أصول المحاكمات المدنية أعطت الحق بايقاع الحجز الاحتياطي الى قاضي الأمور المستعجلة غير أن المادة 316 من القانون المذكور أعطت هذا الحق أيضاً الى المحكمة المختصة للنظر في أصل الحق دونما تحديد لنوع هذه المحكمة. فقد تكون مدنية أو شرعية أو جزائية.. إلا أنه ن المهم ألا تكون المحكمة ممنوعة من نظر دعوى الحق الشخصي كالمحاكم العسكرية.
يضاف الى ذلك أن عبارة أي معاملة مستعجلة أخرى الواردة في المادة 185 أصول جزائية تشمل الحجز الاحتياطي نظراً لأنه يعتبر بطبيعته من التدابير المستعجلة.
هذا وإن محكمة النقض أيدت وجهة النظر السابقة في الكثير من القرارات وفي قرارها رقم 143 لعام 1963 القاعدة 811 كذلك الهيئة العامة بقرار رقم 43 لعام 1974 القاعدة 806 في هذا الجزء حيث قالت إن طلب ايقاع الحجز يمكن أن يقدم الى المحكمة الجزائية الناظرة في دعوى الحق الشخصي.. كما ويمكن أن يقدم الى قاضي الأمور المستعجلة وفي الحالة الأخيرة تقوم دعوى المطالبة بالحق الشخصي مقام دعوى اثبات الحجز. وهذا ما ذهبت اليه ادارة التشريع بوزارة العدل بكتابها موضوع القاعدة 810 في هذا الكتاب.
وبعد هذا الموجز لابد لنا من العودة للمادة 5 أصول جزائية ولا ترى مانعاً من إعادة نصها في هذا الجزء تسهيلاً للقارىء.
نصت المادة 5 أصول جزائية على ما يلي
1 – يجوز إقامة دعوى الحق الشخصي تبعاً لدعوى الحق العام أمام المرجع القضائي المقامة لديه هذه الدعوى كما تجوز اقامتها على حدة لدى القضاء المدني وفي هذه الحال يتوقف النظر فيها الى أن تفصل دعوى الحق العام بحكم مبرم.
2 – إذا أقام المدعي الشخصي دعواه لدى القضاء المدني فلا يسوغ له العدول عنها واقامتها لدى المرجع الجزائي.
3 – ولكن إذا أقامت النيابة العامة دعوى الحق العام جاز للمدعي الشخصي نقل دعواه الى المحكمة الجزائية ما لم يكن القضاء المدني قد فصل فيها بحكم في الأساس.
انظر صفحة 66 وما يليها والقاعدة 54 وما يليها في الجزء الأول من هذه المجموعة.
وعلى ضوء أحكام هذه المادة نجزم بأن المشرع أجاز للمتضرر من جرم جزائي اقامة دعوى الحق الشخصي أمام القضاء الجزائي.. وترك له حق الخيار فله إن شاء أقام دعواه أمام القضاء المدني.. وإن شاء أقامها أمام المرجع الجزائي. فإذا أقامها أمام المرجع المدني انتهى الخلاف بالرأي لأن القضاء المدني صاحب الاختصاص الأول في قضايا الأمور المستعجلة.
إلا أنه باعتبار أن المشرع قد خير المتضرر من جرم جزائي الحق باقامة دعواه أمام المدني.. أو المرجع الجزائي تبعاً لدعوى الحق العام وعند اقامتها أمام المرجع المدني أجاز له المشرع أن يطلب اتخاذ تدابير مستعجلةن وذلك عند توفر شروط معينة لذلك.. إذن من الطبيعي أن يحق له طلب اتخاذ تدابير مستعجلة عند اختياره الطريق الجزائي تبعاً لدعوى الحق العام عند توفر الشروط اللازمة.
إذن إن القاضي الجزائي هو قاضي موضوع. وحكمه بدعوى الحق الشخصي يتناول موضوع النزاع وأساسه فهو يحكم بالتعويض وبالرد.. وبإزالة التجاوز.. ونزع اليد الخ.. وجميع أحكامه هذه تتعلق بالموضوع وفي أساس النزاع ولا يجوز عرضها عليه ثانية وهذا يؤكد بأن أحكام القاضي الجزائي هي أحكام تتعلق بالموضوع وبالأحرى يعتبر قاضياً يحكم بالموضوع.
وهنا لابد لنا من لفت النظر بأن قاضي الموضوع هو القاضي الذي يفصل في أساس النزاع وفي أصل الحق.. أي ان أحكامه تعتبر حجة بما فصل فيه ولها صفة الديمومة خلافاً للأحكام الصادرة بدعاوى الحيازة.. فهي أحكام مؤقتة لا تتعلق بأصل الحق وقابلة للتغيير بتغيير الظروف والأسباب الداعية لها ولا تشكل حجية أمام المحكمة الناظرة بالموضوع.. بل لا تشكل حجية أمام المحكمة التي أصدرتها. لأن مثل هذه الأحكام تعتبر أحكاماً مؤقتة لا تتعلق بالموضوع. وعلى هذا نؤكد بأن القاضي الجزائي هو .. قاضي موضوع ويفصل في الموضوع وليست أحكامه مؤقتة.. وبالتالي فإن قضايا الأمور المستعجلة يمكن ان ترفع اليه عن طريق التبعية عند النظر في دعوى الحق الشخصي تبعاً لدعوى الحق العام كما سبق وذكرنا… وإن الأمور المستعجلة هي الأمور التي يخشى عليها من فوات الوقت ومنها اجراء الكشف والخبرة واتخاذ التدابير المستعجلة التي تدخل ضمن اختصاص القضاء المستعجل.
وكان رأي الأستاذ خالد المالكي مثل هذا الرأي بمقاله المنشور في مجلة المحامون لعام 1985 صفحة 252 حيث قال وإذا كانت المادة 185 أصول جزائية أجازت لرئيس محكمة البداية قبل موعد الجلسة أن يقدر الأضرار أو أن يجري كشفاً أو معاملة مستعجلة أخرى بنفسه أو بواسطة غيره إذا طلب المدعي الشخصي.
إلا أن هذا النص لا يعتبر استثناء عن القاعدة العامة المبينة في المادة 78 أصول مدنية والتي أجازت لقاضي الموضوع النظر في الأمور المستعجلة إذا رفعت اليه بطريق التبعية.
فالقاضي الجزائي كالقاضي المستعجل فالقاضي المدني لا يملك اتخاذ تدابير مستعجلة قبل دعوى الخصوم. لأن تلك التدابير المستعجلة هي أحكام لا يجوز أن تصدرإلا في جلسة علنية.. وبعد دعوة الطرفين لموعد المحاكمة أو حضورهما موعد الجلسة.. فللقاضي الجزائي كغيره من قضاة الموضوع.. أو قضاة الأمور المستعجلة اتخاذ تدابير مستعجلة ولا فرق بينهم على الاطلاق.. فقاضي الأمور المستعجلة يختص باجراء الكشف المستعجل وفتح جلسة علنية خارج قاعدة المحكمة وأن يتخذ تدابير مستعجلة بحضور الطرفين. وكذلك فإن القاضي الجزائي يملك نفس الحق استناداً الى أحكام الفقرة / 3 / من المادة 78 أصول مدنية.
وأحكام المادة 185 أصول جزائية ليس استثناء من القواعد المقررة بأحكام المادة / 78 / أصول مدنية. إنما توكيداً لها. وإذا كانت المادة 185 أصول جزائية أجازت للقاضي الجزائي إنابة غيره من الأمور الداخلة في اختصاصه قبل موعد الجلسة فإن ذلك لا يعتبر خروجاً عن القواعد العامة. لأن القاضي الجزائي نفسه لا يملك اتخاذ تدابير مستعجلة قبل موعد الجلسة ولا يجوز أن تصدر الأحكام إلا بعد دعوة الأطراف الى موعد جلسة علنية أصولاً.
إذن إن الانابة المعنية بالمادة المشار اليها لا تشمل سوى الأمور المتعلقة بالكشف والخبرة ولا سيما أن المادة 8 أصول جزائية عددت مساعدي الضابطة العدلية ومن الطبيعي أن ينيب رئيس الضابطة العدلية مساعديه لاكمال التحقيق بالكشف وتقدير الأضرار. والانابة المبينة بالمادة / 185 / تشمل اجراء الكشف والخبرة وتقدير الأضرار ولا يمكن أن تشمل صلاحيات القاضي الجزائي. في إصدار الأحكام والتدابير المستعجلة والتي لا يمكن اصدارها إلا في جلسة علنية وبعد دعوة الأطراف أصولاً فورود الانابة في نص المادة 185 أصول جزائية لا يعني سلب اختصاص القاضي الجزائي من اختصاصاته في اتخاذ تدابير مستعجلة المناطة به بصفته قاضياً للموضوع استناداً الى أحكام الفقرة 3 من المادة 78 أصول مدنية. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن القاضي المدني لا يستطيع انابة غيره ضمن اختصاصه المكاني. بينما يجوز للقاضي الجزائي انابة أحد مساعديه المذكورين في المادة 8 أصول جزائية.
وإن الالتجاء الى المحاكم الجزائية لاتخاذ اجراء مستعجل على الوجه الذي أباحه القانون ليس من شأنه أن يسلب قاضي الأمور المستعجلة الاختصاص المقرر له بهذا الصدد على اعتبار أن اختصاص المحكمة الجزائية للبت في أي تدبير مستعجل عند النظر في أصل الحق أنه جوازي.
وهذا ما ذهب اليه الأستاذ ياسين غانم في مقاله المنشور في مجلة المحامون لعام 1982 كما جاء في كتاب قاضي الأمور المستعجلة للأستاذ محمد علي راتب ص 37 بقوله إن القاضي الجزائي يملك اتخاذ تدابير مستعجلة سواء رفعت اليه مع المطلب الأصلي أم رفعت لاحقاً بصورة طلب عارض.
إلا أن هناك قراران متناقضان لمحكمة النقض السورية موضوع القاعدة 814 و816 في هذا الكتاب حيث جاء في القرار الأول يتعين على قاضي الجزائي أن يتحقق بأن الدعوى المطروحة عليه ينطبق عليهما الوصف أو التكييف الذي يبرر اختصاصه قبل القيام بأي معاملة مستعجلة إذ لا يجوز النظر بدعوى الحق الشخصي إلا إذا كان الضرر المدعى به ناتجاً عن جريمة ولا يجوز للقاضي الجزائي أن يمنح تدابيراً مستعجلاً لوقف الأعمال أو الاجازة بالاصلاحات.. أو منع التعرض. لاختلاف هذه الاجراءات المستعجلة في المعاملات المستعجلة موضوع القاعدة 814.
وأما القرار الثاني موضوع القاعدة 816 جاء فيه ما يلي إن القرارات التي تصدرها محاكم الاستئناف في الأمور المستعجلة تكون مبرمة ولا تقبل الطعن أسوة بالقضاء المدني.
إلا أنه لابد من الاشارة بسبب اختلاف الآراء.. ألا وهو أن المشرع أورد في الفقرة الأولى من الأولى من المادة 78 أصول مدنية يحكم الأمور المستعجلة وأورد في الفقرة السادسة يقرر ويلاحظ بأن هنالك فرق بين الحالتين. ففي الحالة الأولى ذات صلاحية قضائية. وفي الحالة الثانية ذات صلاحية ولائية.
وقد جاء في كتاب أصول المحاكمات المدنية للأستاذ أنطاكي قوله بأن الحقيقة هي أن لا فرق بين يحكم الواردة في الفقرة الأولى من المادة / 78 / وبين يقرر الواردة في الفقرة السادسة من ذات المادة. لأن القرارات التي يصدرها القاضي تتصف بالصفة القضائية ولا مجال للتفريق في تلك الأحكام لأنه ي الواقع العملي لا فرق بين الأحكام والقرارات.. وإن وجد فهو تفريق فقهي. فالأحكام التي تصدر عن محاكم الصلح والبدائية والشرعية تسمى أحكاماً.. والأحكام التي تصدر عن محاكم الاستئناف والنقض وقاضي الأمور المستعجلة تسمى قرارات وإن الأحكام أكثر شمولاً من القرارات علماً بأن الفقهاء يعرفون الحكم بأنه القرار الصادر عن سلطة قضائية مؤلفة قانوناً وحسب الأصول. وقد أوردنا الكثير من القواعد المرتبطة بالقضاء المستعجل في هذا الجزء يرجى الرجوع اليها.
للتوسع في هذا البحث انظر أصول المحاكمات الجزائية للدكتور بسيسو وكتاب التنفيذ الجبري للأستاذ نصرت منلا حيدر والمقال المنشور في مجلة المحامون صفحة 275 للأستاذ خالد المالكي والمقال المنشور في مجلة المحامون صفحة 1203 لعام 1982 للأستاذ ياسين غانم.