Call us now:
الرأي الفقهي
الحكم كما عرفته المادة 203 من قانون الأصول الجزائية وكما عرفه الكثير من الشراح ومنهم الدكتور محمود محمود مصطفى بكتابه شرح قانون الاجراءات الجنائية ص 438 هو الحكم بمعناه الواسع كل القرارات التي تصدرها جهات التحقيق.. أو الحكم في المنازعات التي تطرح عليهان ولكنه بالمعنى الدقيق تطلق على القرارات التي تصدرها المحاكم.
والحكم بصفة عامة هو القرار الصادر من محكمة مشكلة قانوناً في منازعة مطروحة عليها بخصومات رفعت اليها وفقاً للقانون (ادوار غالي الذهبي ص 50).
وكما أشرنا في بداية هذا البحث من المادة 183 – 192 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بأن اشترط لصحة الحكم الصادر من محكمة البداية شروطاً كثيرة. منها ما نصت عليه المادة 203 وشمول الحكم وإن أمعنا النظر بالمادة 308 من هذا القانون نرى أنها أوجبت على رئيس المحكمة اعلان ختام المحاكمة. وهذا النص جاء خاصاً بمحكمة الجنايات ولم يرد نص مماثل له بالنسبة للمحاكم الأخرى.
إلا أن محكمة النقض ترى وجوب اعلان ختام المحاكمة في أي محكمة.. لأن المحاكمة واصدار الحكم قبل اعلام الطرفين بختام المحاكمة يشكل نفعاً وخللاً قانونياً معدوداً عن أسباب النقض.. – الدكتور حومد ص 944 .
وإذا أعلن القاضي ختام المحاكمة دون أن يسبق تلاوة أوراق الدعوى والادعاء كان حكمها معرضاً للنقض انظر القاعدة 898.
وبعد إعلان الرئيس ختام المحاكمة انتهى حق الخصوم بتقديم أي مطالبات جديدة من حيث المبدأ.. لأنه إذا أجيز لهم ذلك.. فقد يتمادون فيه الى درجة يشلون معها أعمال القضاء بحمل المحكمة على تأخير البت في القضايا. وإذا قدمت مثل هذه الطلبات فإن المححمة لا تكون ملزمة بقبولها أو الردعليها أحكام النقض المصرية من 12 ق 67.
وقد نصت المادة 196 أصول مدنية على أنه لا يجوز للمحكمة أثناء المداولة أن تسمع أحد الخصوم أو وكيله إلا بحضور خصمه.
ورأي الدكتور حومد أن القانون نص على إعلان ختام المحاكمة في محكمة الجنايات فقط ولذلك لا تغلق المناقشة في المخالفات والجنح إلا حين يصدر الرئيس الحكم.
إذا كانت المحكمة مؤلفة من قاض واحد كان من حقه ومن واجبه أن يفكر منفرداً في الموضوع الحكم الذي سيصدره.
وإذا كانت المحكمة مؤلفة من ثلاثة قضاة وجب عليهم أن يتداولوا فيما بينهم في الموضوع مداولة قانونية وموضوعية.
ويجب أن تتم المداولة بصورة سرية أما على قوس المحكمة أو في غرفة المداولة الخاصة.
فإن تمت على القوس وجب أن تتم بصوت خفيض لا يسمعه أحد.. وإلا كان الحكم باطلاً. وقد نصت المادة 195 أصول مدنية على ذلك بقوله تكون المداولة في الأحكام بين القضاةالمجتمعين سراً.
ويجب أن يكون جميع قضاة المحكمة حاضرين أثناء المداولة وهذا ما سنأتي على ذكره مفصلاً في الفصل الرابع من هذا القانون والمادة 309 وما يليها.
وقد استقر اجتهاد محكمة النقض بقرارها رقم 1166 لعام 1982 على وجوب بيان مؤدى الأدلة في الحكم بياناً كافياً.. ولا تكفي الاشارة والتنويه عنها تنويهاً مقتضباً بل ينبغي سرد مضمون كل دليل يبين فيه مدى تأييده للواقعة ومدى اتفاقه مع باقي الأدلة التي أقرها الحكم القاعدة 1063 وما يليها.
والأصل في الحكم أن يصدر في الحال بعد انتهاء مرافعات الخصوم.. وسؤال المتهم أو الظنين عن أقواله الأخيرة وعلى ما نصت عليه المادة 204 أصول جزائية يجوز تأجيل اصداره الى جلسة تالية.
وعلى القاضي المنفرد أن يكتب الحكم ويوقع عليه قبل تفهيمه أي قبل إصداره وبعد الانتهاء من تلاوته يوقع عليه الكاتب.. ويجوز له أن يكلف الكاتب بكتابته تحت اشرافه.
وقد عاقب القانون الكاتب الذي لم يوقع على الحكم بغرامة تتراوح بين 25 – 100 ليرة سورية وأجاز ملاحقة القضاة بطريقة الشكوى من الحكام أي مخاصمة القضاة في حال عدم توقيعهم على الحكم وبديهي بأن هذا التوقيع من القضاة والكاتب ضمان لصحة الحكم قاعدة 1105.
وقد جاء في قرار لمحكمة النقض رقم 901 تاريخ 9 / 5 / 1982 ما يلي لكي يكون للحكم وجود قانوني ويكون حجة بما اشتمل عليه يجب أن تكون مسودته موقعة من الهيئة التي اشتركت في اصداره وإلا كان عبارة عن ورقة تحمل بيانات لا قيمة لها قانوناً لأن توقيع الهيئة على مسودة الحكم هو الذي يضفي عليه الصفة القانونية ويجعله حجة على الغير.
وإذا وقعت مسودة الحكم من قبل قاضيين فقط.. فالحكم يكون باطلاً ولا قيمة قانونية له. لأنه يكون معدوم وهذا ما سنأتي علىذكره في مواضعه كما سبق وأشرنا.
ويحفظ أصل الحكم الموقع عليه في اضبارة الدعوى نفسها – المادة 204 – ويسجل في سجل المحكمة الخاص بالأحكام خلال ثلاثة ايام في القضايا الصلحية وسبعة أيام في القضايا الأخرى / المادة 203 أصول مدنية / وفي رأي محكمة النقض إذا لم يسجل فإن ذلك لا يجعله باطلاً (قاعدة 1089).
وفور النطق بالحكم تخرج القضية من سلطة المحكمة ويصبح الحكم حقاً للخصوم. إلا أنه يجوز للمحكمة أن تصحح من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحدالخصوم الأخطاء المادية الكتابية أو الحسابية فقط ويدون هذا التصحيح على نسخة الحكم الأصلية وفي سجل الأحكام ويوقع عليه الرئيس والكاتب انظر المادة 214 أصول مدنية.
ولا تعود القضية الى المحكمة إلا في حالة الاعتراض على الحكم الصلحي أو الجنحي أو في حالة سقوط الحكم الغيابي في الجنايات بسبب صراحة القانون انظر الدكتور حومد الأصول الجزائية.
وللحكم الصادر عن المحاكم البدائية شروطاً كثيرة كما سبق وأشرنا يجب أن يشتمل على ثلاثة أجزاء. الديباجة والأسباب والمنطوق.
1 – الديباجة هي عنوان الحكم ومقدمته التي يجب أن تتضمن المعلومات التي تدل على أن هذا الحكم قد صدر من محكمة مختصة.. في خصومة قانونية وفي قضية معينة. ويها يجب النص على أن الحكم اصادر قد صدر باسم الشعب العربي في سورية انظر المادة 134 من دستور عام 1973 نشر في ملحق هذه المجموعة.
والحكمة في وجوب صدور الحكم باسم الشعب.. هي أن الحكم الصادر خلواً من استناده الى سلطة قادرة على تنفيذه. يكون حبراً على ورق. واستناده الى الشعب.. يلزم هذا الشعب بتنفيذه بقوة الدولة.
ولكن هذه القاعدة لا تسري على قرارات قاضي التحقيق.. أو قاضي الاحالة.. لأنهما لا يصدران أحكاماً.. ولا على أحكام محكمة الاستئناف إذا ردت الاستئناف. لأنها تكون كما لو أنها هي التي أصدرت الحكم الابتدائي بما فيه ديباجته.
ويجب أن تشتمل الديباجة على المعلومات التي تضمنتها المادة 206 من قانون أصول المحاكمات المدنية وهي اسم المحكمة. حتى يعرف المرجع القضائي الذي أصدر الحكم وتاريخ اصداره وهذا ضروري لأن الحكم ورقة رسمية ويجب أن تتضمن تاريخ اتخاذه الشكل الرسمي.. ولمعرفة مبدأ المهل القانونية للطعن فيه.. وأسماء القضاة الذين أصدروه.
وقد استقر راي محكمة النقض بقرارها رقم 788 تاريخ 29 / 6 / 1982 والكثير من القرارات المماثلة قولها إذا لم يتوج القرار باسم الشعب العربي في سورية ولم تدرج أسماء الهيئة الحاكمة فإنه معرض للطعن وكذلك يجب ذكر اسم ممثل النيابة.. أو على الأقل ذكر حضوره. وهذا يوضح بأن المحكمة كانت مشكلة تشكيلاً صحيحاً بوجود النيابة العامة بوصفها الخصم الأصلي في الدعوى الجزائية. ومن ثم منعه من النظر في هذه القضية مستقبلاً كقاضي حكم. واسم كاتب المحكمة زيادة في الحرص على توثيق سلامة الحكم واسم المتهم والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال وصفاتهم في الدعوى.. وأسماء وكلائهم والتهمة أو التهم الموجهة الى المدعى عليه وتاريخ ارتكابها بدقة.. وقد ذهبت محكمة النقض السورية بقرارها رقم 199 لعام 1966 أن عدم ايضاح اسم المحكوم عليه في الحكم بشكل ينفي الجهالة.. يجعله صادراً بحق مجهول.
وأشار الدكتور حومد بكتابه الأصول الجزائية بأن القضاء المصري والفرنسي يميلان الى عدم التشدد في التمسك بأخطاء الديباجة إذا لم تكن جسيمة تتسبب بالجهالة.
وقد جاء في كتاب أصول الاجراءات الجنائية للدكتور حسن المرصفاوي ص 815 والذي يجري عليه العمل هو أنه إذا كان في الديباجة بعض النواقص أو الأخطاء وكانت مذكورة في محضر الجلسات. فإنها لا تكون سبباً للبطلان. ذلك أن محضر الجلسة يكمل الحكم في خصوص بيانات الديباجة.
2 – الأسباب أوجبت المادة 202 أصول مدنية على النطق بالحكم علناً بتلاوة منطوقه مع أسبابه وقد نصت المادة 204 من ذات القانون على أنه يجب أن تكون الأحكام مشتملة على السباب التي بنيت عليها والرد على جميع الدفوع التي أثارها الخصوم تحت طائلة البطلان. وهذا ما استقر عليه رأي محكمة النقض المنشور بالقاعدة 1043.
وأسباب الحكم هذه هي حيثياته أو أسانيده القانونية الواقعية التي تبرر وتعطيه الحقيقة الاقناعية حيث تبرهن لمن يقرؤه بأن المحكمة فكرت بالأمر جيداً قبل إصداره. وأنها اعتمدت على منطق سليم واستخلاص قويم من نصوص القانون بانطباقها على الواقعة وبأن الأدلة التي اعتمدتها المحكمة قاطعة بأن المتهم هو حقاً وصدقاً ومنطقاً وقانوناً مرتكب الجريمة.. أو هو بريء منها إذا جنحت الى براءته انظر الأصول الجزائية حومد ص 953.
وقد جاء في الكثير من قرارات محكمة النقض بأنه لابد من إبراز واقعة الاعتبار في الحكم بشكل واضح والتحدث عنها بصورة مستقلة وأن يكون الدليل عليها مقبولاً ومقنعاً والاحاطة بواقعة الدعوى وملابساتها.. وذكر كافة مؤيداتها والرد على الدفوع رداً سليماً مستمداً من وقائع الدعوى وأدلتها انظر القاعدة 1041 و1034 وما يليهما.
3 – المنطوق ويمكن تعريفه بأنه الاستنتاج الذي يستنتجه القاضي من الأسباب والمنطوق والأسباب يتعاملان.. فإذا حدث ي أحدهما نقص أمكن تلافيه من الآخر.
ويتضمن المنطوق عقوبة الفاعل أو براءته.. ومنح التعويض المدني أو منعه والردن ونفقات المحاكمة. وينص على تضامن المتهمين في البنود الحالية وهو الذي يتلى علناً في الجلسة من قبل الرئيس.
وكان ما لم يرد في المنطوق (أو في الأسباب التي تكمله) لا يجوزاعتباره ولا يصح تنفيذه.
وإذا حدث وكان المنطوق غامضاً. وهذا ما يحدث خاصة في حالة تعدد الجرائم ودعم العقوبات فإن على المتضرر أن يرجع الى المحكمة التي أصدرته لتفسيره غير أن هذا الغموض يجب أن يكون قد ورد على (محو من فاته أن يعدى سبيل تفهم المعنى المراد منه) انظر القاعدة 1048.
وبعد النطق بالحكم يترتب عليه النتائجالتالية
أولاً – يرفع يد المحكمة عن القضية لأنها تكون قد استنفذت سلطتها وفصلت في المسائل المحالة اليها. لذلك لا يعود من حقها أن تعيد النظر فيها بين نفس الخصوم.. ولا أن تغير في قرارها باستثناء التصحيحات المادية وتفسير المنطوق الغامض.
ثانياً – يسجل الحكم في السجل العدلي حتى تسهل معرفة سوابق المتهم.
ثالثاً – تتوجب المصروفات والنفقات على الفريق الخاسر.
رابعاً – يرسل الحكم الى القضاء المدني إذا طلبه للنظر في تعويض المضرور الذي أقام دعواه أمامه ولم يمثل كمدعي مدني أمام القضاء الجزائي.
خامساً – إذا أصبح الحكم مبرماً وجب تنفيذه وأصبح حجة على الجميع ويعتبر كل ما ذكر في الحكم من شكليات واجراءات بأنها تمت صحيحاً وسليماً طالما أن أحد الخصوم لم يعترض على عدم سلامتها ويسجل اعتراضه في المحاكمة.
وعلى هذا فإذا ذكر في المحضر أو في الحكم أن الاجراءات المذكورة فيها روعيت فإنه لا يجوز لمن يزعم خلاف ذلك أن يثبت مزاعمه إلا بطريق اقامة دعوى تزوير مستقلة المادة 342 / 6.
ولكن إذا زعم أحد الخصوم بأن اجراء هاماً قد تم خبره مثلاً وقدم الخبير تقريره لصالحه. إلا أن المحكمة ذهلت عن هذا الاجراء فلم يرد له ذكر في الحكم أو المحضر فإن من حق هذا الخصم أن يثبت صحة زعمه بكل طرق الاثبات انظر المادة 342 / 6.
وإذا حدث اشكال حين تنفيذ الحكم كالغموض في نصه أو وجود تناقض فيه لا يمكن من تنفيذه.. أو صدور حكمين من محكمتين مختلفتين في نفس الجريمة لا يمكن التأليف بينهما وجب على صاحب المصلحة أن يراجع المحكمة التي أصدرته بتقديم دعوى مستقلة اليها.. بالأوضاع المعتادة لرفع الدعوى كما تقول محكمة النقض. وهذا الحكم يعتبر من كل الوجوه حتماً للحكم الذي يفسره ويسري عليه ما يسري على هذا الحكم من القواعد الخاصة بطرق الطعن العادية وغير العادية انظر المادة 216 و217 أصول مدنية وهذا ما أخذت به محكمة النقض موضوع القاعدة / 1049 / وللتوسع راجع الأصول الجزائية للدكتور حومد ص 943 وما يليها والدكتور بسيسو ص 415 وما يليها والأستاذ عبد الوهاب بدرا الحكمالجزائي ص 31 وما يليها والاجراءات الجنائية للدكتور مرصفاوي.