Call us now:
الرأي الفقهي
أشرنا بذيل المادتين 203 و304 صفحة 1118 وما يليها بأن الحكم الصادر عن المحاكم البدائية له شروطاً أوجزناها بالديباجة والأسباب والمنطوق.
وأشرنا بأنه بعد اعلان الرئيس ختام المحاكمة انتهى حق الخصوم بتقديم مطالبات جديدة من حيث المبدأ. وأوضحنا السبب بأنه إذا أجيز لهم ذلك. فقد يتعادون فيه الى درجة يشلون معها أعمال القضاء. واستناداً لقرار صادر عن محكمة النقض المصرية إذا قدمت مثل هذه الطلبات فإن المحكمة لا تكون ملزمة بقبولها أو الرد عليها.
وعلى ما نصت عليه المادة 196 أصول مدنية لا يجوز للمحكمة أثناء المداولة أن تسمع أحد الخصوم أو وكيله إلا بحضور خصمه.
والقانون نص على اعلان ختام المحاكمة في محكمة الجناياتت فقط ولذلك لا تغلق المناقشة في المخالفات والجنح إلا حين يصدر الرئيس الحكم.
وعلى القاضي أو الهيئة الحاكمة وجوب بيان مؤدى الأدلة ي الحكم بياناً كافياً.. ولا تكفي الاشارة والتنويه عنها تنويهاً مقتضباً.. بل ينبغي سرد مضمون كل دليل يبين فيه مدى تأييده للواقعة ومدى اتفاقه مع باقي الأدلة التي أقرها الحكم (القاعدة 741 في الجزء الأول والقاعدة 1063 و1405 في هذا الجزء).
والأصل في الحكم أن يصدر في الحال بعد انتهاء مرافعات الخصوم.. وسؤال المتهم أو الظنين عن أقواله الأخيرة.
وأشرنا بهامش صفحة 1238 وما يليها الى السلطة الشخصية التي يتمتع بها رئيس محكمة الجنايات.
وصرحت المادة 309 من قانون الأصول الجزائية بأنه بعد أن يعلن الرئيس ختام المحاكمة… لا يعود من الجائز البحث في أي موضوع متعلق بالدعوى. وعندها تختلي المحكمة الرئيس والعضوان فقط في غرفة المذاكرة. لتقرر مصير الدعوى. فتدقق قرار الاتهام وأوراق الضبط… وادعاءات النائب العام ومطالبته ومرافعات المدعي الشخصي والمتهم والمسؤول بالمال. ثم تتذاكر فيها وتضع حكمها باجماع الآراء أي بالأصوات الثلاثة.. أو بالأكثرية أي بصوتين ضد صوت واحد. وهذا الحكم يكون عقوبة من العقوبات التي تضمنها قانون العقوبات انظر القاعدة 1364.
ولكن إذا نص القانون على تدبير آخر غير العقوبة طبق التدبير الذي نص عليه القانون. فالمادة 37 من قانون المخدرات مثلاً.. تعاقب بالسجن وبغرامة تتراوح بين خمسة آلاف وثلاثين ألف ليرة على من يتعاطى المخدر. إلا أنه إذا كان مدمناً جاز للمحكمة وضعه في مصحة لمعالجته مدة لا تقل عن ستة أشهر.
هذا وبعد المذاكرة.. وتقرير مصير الدعوى فإذا اقتنعت المحكمة بجريمة الفاعل. تقضي المحكمة بالتجريم.. وأما إذا لم تقتنع بها فإنها تقرر عدم مسؤوليته إذا وجدت أن الفعل ليس بجرم.. أو تقرر براءته إذا اقتنعت بأنه لم يرتكب اجرم وتطلق سراحه في الحال ما لم يكن موقوفاً لداع آخر. انظر المادة 312 والقاعدة 1490 و1520 و1521 .
وأما المادة 310 صرحت بأن يكون الحكم موقعاً من الرئيس… بل اشترطت لصحة الحكم بأن يشتمل على ملخص الوقائع الواردة في الاتهام.. والمحاكمة العلنية.. وملخص عن مطالب المدعي الشخصي والنائب العام ودفاع المتهم.. وعلى الأسباب الموجبة للتجريم.. والمادة القانونية المنطبق عليها الفعل القاعدة 1504 وما يليها.
والمقصود بالحكم الجنائي المنصوص عنه في الفقرة الأولى من المادة 310 أصول جزائية والذي يجب أن يصدر مشتملاً على موجباته.. هو الحكم الذي يوقعه الرئيس والقاضيان قبل تفهيمه هو مسودة القرار. لأن مسودة الحكم هي السند الرسمي الذي يحمل القوة الثبوتية المطلقة وهي الأساس الذي يعتمد عليه وإن أي خطأ يقع في متن القرار المدون على ضبط المحاكمة لا يعتد به ويجب استبعاده.
وإن صدور القرار ضمن مسودة خالية من الحيثيات والموجبات ابتداء.. لا يمكن أطراف الدعوى من ممارسة حقهم في الطعن. لعدم التعرف على حيثياته في حينه والبحث والمناقشة القاعدة 1496 وما يليها.
وإذا ظهر للمحكمة بعد أن ثبت لديها عدم مسؤولية المتهم أو براءته أنه مرتكب جريمة أخرى فعليها أن تنتظر ادعاء النائب العام.. فإن ادعى على المتهم وحرك به الدعوى العامة عليه من أجل الجريمة الجديدة. فيترتب على رئيس المحكمة أن يقرر احالة المتهم الى قاضي التحقيق.. إن كان الجرم المنسوب اليه جناية أو جنحة معقدة موقوفاً.. أو غير موقوف حسب أهمية ووضع المتهم وإن كان الجرم المنسوب اليه جنحة بسيطة أو مخالفة قرر احالته الى محكمة الجنحة.. أو قاضي الصلح حسب الاختصاص القاعدة 1364 و1520 و1521.
والبراءة تصدر في قرار اعدادي. ومن واجب المحكمة أن تذكر في قرار البراءة مجمل الواقعة والأسباب التي استندت اليها في تقرير البراءة كأي قرار آخر. لتمارس محكمة النقض حق الاشراف لأن النقض أصبح يؤثر على الشخص الذي برئت ساحته ولم يعد نقض حكم البراءة لمصلحة القانون فقط. كما كان الأمر قبل تعديل عام 1958 لقانون الأصول الجزائية. ومع ذلك فإن محكمة النقض تكتفي في بعض أحكامها في تعليل البراءة بعدم قناعة المحكمة لمجرد وجود شك في جريمة المتهم.
وقد أشار الدكتور حومد بما كان عليه قرار البراءة وعدم المسؤولية قبل التعديل الذي أدخله القانون رقم 84 لعام 1958 على المادة 312 .
فقد كان التشريع السوري شأنه في ذلك شأن التشريع اللبناني والمصري والعراقي يعتبر قرار البراءة الصادر عن محكمة الجنايات مبرماً فور صدوره.. ولو ثبت خطؤه.
كما أن التشريع الفرنسي أدخل هذا المبدأ الى هذه التشريعات في المادة 395 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي لعام 1810 والتي انتقلت الى المادة 368 من القانون الفرنسي الجديد. والعلة في ذلك أن المحلفين يجيبون بكلمة لا على السؤال الموجه اليهم عن التهمة وهذا الجواب يكفي للبراءة دون حاجة الى تعليل.. والفرنسيون يعتبرون المحلفين صوت العدالة الشعبية ولا زالوا يحتفظون بهذه المؤسسة بعد أن حاولوا اصلاحها. فبعد أن كان المحلفون يقررون بمفردهم الجرمية أو عدمها. أصبح التشريع الجديد الذي خفض عددهم الى تسعة لكل دعوى يجمعهم مع رئيس المحكمة ومستشاريها للتداول معهم ولم يعودوا منفردين بتقرير المسؤولية تحت وطأة العاطفة وحدها.
ولما نقل العثمانيون قانون أصول المحاكمات الفرنسي الجديد.. لم يأخذوا بمؤسسة المحلفين ولكنهم ذهلوا عن اصلاح المادة 359 العثمانية التي كانت مطبقة عندنا.. وكان هذا خطأ ليس لها ما يبرره.. ونظراً لصدور بعض القرارات بالبراءة كان لها وقع سيء في نفوس المواطنين رأى المشرع السوري أن يصلح هذا الخطأ وهكذا تم اصلاحه عام 1958 وكان بمسمى الشخصي للدكتور عبد الوهاب حومد حين كان وزيراً للعدل في أول عهد الوحدة بين سورية ومصر.
كذلك حل قانون الأصول الجزائية السورية مسألة التعويض المالي في حالة الحكم ببراءة المتهم وأعطاه الحق بأن يطلب تعويضاً من الشخص الذي أخبر عنه لافترائه عليه ومنع اقامة هذه الدعوى على الموظفين الرسميين لأنهم مجبرون على تقديم الاخبارات المتعلقة بحكم وظائفهم لطفاً راجع المادة 314 كذلك صفحة 135 وما يليها في الجزء الأول.
وقد نصت المادة 132 عقوبات على أن للمدعى عليه وللمسؤول بالمال أن يطلبا من المدعي الشخصي تعويضاً مدنياً. إذا تبين أنه متجاوز في دعواه.
كذلك المادة 315 أصول جزائية نصت على أن للمدعي الشخصي في حال اعلان براءة المتهم أو عدم مسؤوليته أن يطلب منه تعويضاً عن الضرر الحاصل بخطئه المستفاد من الأفعال الواردة في قرار الاتهام.
والقاعدة العامة أن المحاكم الجزائية مكلفة بحث المسائل الجزائية فقط ولا ترى دعوى التعويضات المدنية إلا بطريق التبعية توفيراً للجهود والنفقات واعتقاداً من الشارع أنها بعد دراستها القضية أصبحت تعرف حقيقة الضرر وكميته. فإذا سقطت الدعوى الجزائية كما هو الحال في البراءة وعدم المسؤولية القاعدة 1528 وما يليها فإن المنطق يقضي بعدم سماع الدعوى المدنية من قبل المدعي الشخصي.. لأنه قد يكون أقامها جزائياً لسهولة البينة في الجزائيات.. أي تهرباً من الطريق المدني. وهذا المبدأ مطبق أمام محاكم الصلح والبداية والاستئناف فيما عدا الجنح المنصوص عنها في فصلي التقليد والافلاس لطفاً انظر المادة 143 عقوبات.
إلا أن الشارع قرر قاعدة شاذة في الجنايات. فأجاز لهذه المحكمة أن تقضي بالتعويض المدني للمدعى عليه والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال على السواء وفي هذه الحال لابد من اعمال النص.
ولكن متى يجب أن يقدم طلب التعويض. للجواب على ذلك يحسن أن نجري التفريق بين ثلاث حالات التالية
1 – للمتهم الذي برئت ساحته أو تقرير عدم مسؤوليته أن يطلب تعويضاً من الشخص الذي أخبر عنه لافترائه وعلى النائب العام أن يعلمه باسمه إلا إذا كانت المحكمة ترى في ذلك محذوراً واتخذت قراراً بوجوب كتمان اسمه.
وقد استثنت المادة 314 الموظفين المكلفين قانوناً بتقديم الاضبارات عن الجرائم التي علموا بها بسبب وظائفهم.
فإذا تمكن من معرفته أثناء المحاكمات الجزائية فإن عليه أن يطالبه بتعويض عن الضرر الذي ألحقه به افتراؤه أمام محكمة الجنايات. وهذه هي القاعدة. ولكن إذ لم يكن قد عرفه في هذا الوقت فإنه يستطيع أن يقيم عليه دعوى مدنية بعد صدور الحكم انظر المادة 317 كذلك صفحة 135 وما يليها في الجزء الأول.
وللمتهم أن يطالب المدعي الشخصي أيضاً بتعويض فيما إذا كان متجاوزاً في دعواه. وعليه أن يتقدم بطلبه الى محكمة الجنايات قبل صدور الحكم وإلا كان طلبه مردود.
ومن مقارنة نصوص المواد 315 و316 و317 أصول جزائية نرى أن المتهم الذي لا يطلب التعويض من المدعي الشخصي ومن المخبر الذي يكون قد عرفه.. والمحاكمة الجزائية لا تزال قائمة وقبل صدور الحكم فإن طلبه يرفق. وليس له أن يقيم عليه الدعوى المدنية أمام المحاكم المدنية.
وهذا الاستنتاج مؤيد بنص المادة 317 أصول جزائية التي أعطت المدعي الشخصي حق مراجعة المحكمة المدنيةن وهذا الحق أعطته للمتهم في حالة عدم معرفة المخبر اثناء المحاكمة مما يدل استنتاجاً على منعه من مراجعة المحكمة المدنية في الحالات الأخرى.. وهذا هو التفسير الذي يعطيه الفرنسيون للمادة 364 من قانونهم القديم التي أصبحت بحرفيتها المادة 372 من القانون الجديد – انظر الدكتور حومد هامش صفحة 931.
والعقل نفسه لا يرفض هذا الوضع. لأن المتهم الذي يجد التحقيق الابتدائي بدرجتيه أدلة قوية توجب احالته الى محكمة الجنايات.. لا يكون في الغالب من المضطهدين. ومع ذلك فله أن يتقدم بطلب التعويض حين يجد الدعوى قد أخذت تسير في صالحه وخاصة في مرافعة محاميه التي تلقى آخر الاجراءات.
2 – للمدعي الشخصي أن يطلب تعويضاً من الذي برئت ساحته أو تقرر عدم مسؤوليته أو حكم عليه بعقوبة أمام محكمة الجنايات وعليه أن يتقدم بطلبه قبل صدور الحكم. ولكن غذا لم يتقدم بطلبه أمام المحكمة الجوائية فإن القانون أجاز له طرق أبواب المحكمة المدنية المادة 317 أي أن امكانات المدعي الشخصي في المطالبة بالتعويض أوسع من امكانات المتهم.
3 – للمسؤول بالمال أن يطالب المدعي الشخصي المتجاوز في دعواه بتعويض مدني أيضاً المادة 132 ف3 عقوبات القاعدة 1532 وإذا كان قانون الأصول الجزائية قد سكت عنه كخصم في الدعوى الجزائية هذه فإن المادة 142 من قانون العقوبات أوجبت استدعاءه ليحكم عليه بالالزامات المدنية. فكان من العدل أن يفسح له باب المحاكم الجزائية ما دامت الدعوى قائمة.. وله الحق كالمتهم. انظر القاعدة 1532 و1533.
ورأي الدكتور حومد واعتقاده أن المسؤول بالمال إذ لم يطلب تعويضاً مدنياً حين تبرئة المتهم.. أوتقرير عدم مسؤوليته فله أن يطرق ابواب المحاكم المدنية ولا يمكن أن يعامل كالمتهم. لأن المتهم حرم هذا الحق بنص صريح.
ولم ينسى القانون أن يبحث موضوع الغرباء عن الدعوى الذين تضرروا من الجريمة فجاء النص صريحاً يبالمادة 317 أصول جزائية.
ولا يجوز صدور الحكم الجنائي من قاضيين ما لم يبين الثالث مخالفته في جميع فقرات الحكم.
وفي حال صدور الحكم بالأكثرية من حيث وصف الجرم وموضوع المتهم منه يجب الانتقال الى المذاكرة في تحديد العقوبة وفق التجريم الصادرة عن الأكثرية إذ يجب على العضو المخالف في هذه الحال أن ينصاع لرأيها انظر القاعدة 1475 وما يليها.
إذ لا يجوز صدور الحكم الجنائي من قاضيين ما لم يبين الثالث مخالفته في جميع فقرات الحكم. القاعدة 1473 وما يلها وفي هذه الحال يجب وضع مخالفة المستشار المخالف موضع المناقشة والرد عليها للتأكيد على أن رأي الأكثرية هو الرأي الصواب وأنها محقة فيما ذهبت اليه.
والنيابة العامة هي ممثلة الحق العام ولا بد من أن تقول كلمتها في القضية والحكم الصادر ودون هذه المطالبة وإلا يكون الحكم مشوب بخلل جوهري يورثه البطلان كما سبق وأشرنا في بداية هذا الهامش القاعدة 1481 و1495 (وللتوسع انظر الأصول الجزائية للدكتور حومد صفحة 928 وما يليها).