الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 335 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

أصول محاكمة المتهم الفار.. أصور قديمة ترجع في التسلسل التاريخي الى الحقوق الجرمانية وانتقلت الى تشريعنا عن طريق التشريع الفرنسي والعثماني.
والأساس في محاكمة المتهم الفار اصدار الحكم عليه وإبقاء هذا الحكم سيفاً مسلولاً مسلطاً على رأسه مدة قراره. ويمتاز الحكم في الجنايات عن الحكم الغيابي في الجنح والمخالفات. بأنه يظل دوماً مؤقتاً ولا يصبح مبرماً إلا بعد سقوطه بالتقادم. وعلى هذا إذا استسلم المحكوم عليه خلال مدة التقادم أو ألقي القبض عليه.. فإن الحكم الغيابي الجنائي يسقط تلقائياً وتعاد المحاكمة من جديد.
ويصار الى هذه المحاكمة في الحالات الثلاث التالية
1 – إذا هرب المتهم بعد صدور قرار الاتهام بحقه من قاضي الاحالة واستحال القبض عليه. فإن المادة 152 أصول جزائية تقضي بأن يأمر قاضي الاحالة الذي اتهم الفاعل بالجناية بالقبض عليه انظر هامش صفحة 546 في الجزء الأول.
2 – إذا أحيل الى محكمة الجنايات بعد أن كان سبيله قد أخلي بناء على طلبه من قبل قاضي الاحالة. ودعي بالطريقة الادارية المنصوص عنها في المادة 130 أصول جزائية الى حكم محكمة الجنايات وتخلف دون عذر مشروع مدة عشرة أيام اعتباراً من تاريخ تبليغه القرار في موطنه انظر هامش صفحة 422 في الجزء الأول.
3 – إذا ألقي القبض عليه ولكنه تمكن من الفرار قبل الجلسة الأولى.. أو أثناء المحاكمة
ففي هذه الحالات الثلاث يكون المتهم فاراً وتجري بحقه الاجراءات التالية
1 – يعطى المتهم مدة عشرة أيام منذ تبليغه قرار الاتهام الصادر عن قاضي الاحالة في موطنه ليحضر الى المحكمة كي يستجوبه الرئيس الاستجواب الأولي.
2 – فإذا لم يحضر… أو فر من محل التوقيف. قرر رئيس محكمة الجنايات اعطائه عشرة أيام جديدة للحضور. ويدعى هذا القرار بقرار المهل انظر المادة 322.
وقد أوجبت المادة 322 نشر هذا القرار وتعليقه على باب سكن المتهم الأخير وفي ساحة بلدته وعلى باب قاعدة محكمة الجنايات.
وليس من الضروري نشر قرار المهل في الجرائم ولا تتوقف المحاكمة حتى يتم النشر لأن القانون لم ينص على ذلك القاعدة 1545.
3 – إذا لم يحضر مع ذلك اعتبر فاراً من وجه العدالة. وعلى ما صرحت به المادة 222 أصول جزائية يترتب على اعتباره فاراً نتائج خطيرة. فيجرد من حقوقه المدنية وتوضع أمواله تحت إدارة الحكومة مدة فراره فلا يجوز أن يتصرف في شيء منها وكل تصرف له يعتبر باطلاً ويترتب من جراء ذلك على النائب العام أن يبلغ هذا القرار الى أمين السجل العقاري ليضع اشارة الحجز على أملاكه.. كما يبلغه الى ادارة أملاك الدولة ويمنع من اقامة أي دعوى خلال هذه المدة. كما يترتب على كل من علم بمحل وجوده أن يخبر عنه. ويجب أن يذكر في القرار نوع الجناية والأمر بالقبض على المتهم.
وتشرع محكمة الجنايات بمحاكمة المتهم غيابياً فور انقضاء العشرة أيام الجديدة وفق القواعد التالية
1 – تجري المحاكمة بالاستناد الى الوثائق الموجودة في اضبارة الدعوى فقط.
2 – لا يقبل وكيل عن المتهم الفار لذلك لا يحق له الدفع بسقوط الدعوى بالعفو العام أو التقادم. ولكن إذا كان المتهم خارج الأراضي السورية.. أو تعذر حضوره الى المحاكمة بنتيجة قوة قاهرة.. فيحق لواحد من أقربائه أو أصدقائه أن يقدموا للمحكمة هذه المعذرة وعليهم أن يثبتوا مشروعيتها. فإذا قبلت المحكمة هذه المعذرة.. جاز لها أن ترجدىء محاكمته كما تؤجل وضع املاكه تحت ادارة الحكومة مدة معقولة آخذة بعين الاعتبار طبيعة المعذرة وبعد المسافة وإذا لم تقبل المعذرة استمرت في محاكمته غيابياً. لطفاً انظر المادتين 325 و326.
3 – لا تسمع المحكمة شهود أحد الفرقاء.. لأن المحاكمة ليست وجاهية بحقهما. ومما يلاحظ أن المادة 327 أصول جزائية سكتت عن سماع الشهود سلباً أو ايجاباً وهي في هذه متجاوبة مع القانون الفرنسي القديم والقانون الجديد من المادة (627 وما يليها) كذلك القانون المصري الى أن عدلت المادة 386 اجراءات جنائية بالقانون 535 لسنة 952 فأصبح من حق المحكمة إذا رأت لزوماً لذلك سماع الشهود وطلبات المدعي الشخصي. والأسلوب المصري أفضل من أسلوبنا ومن الأسلوب الفرنسي بدون شك انظر الدكتور حومد هامش صفحة 935.
4 – يتلو الكاتب قرار الاتهام وسند تبليغ قرار المهل والمحاضر المثبتة لنشره وتعليقه.
5 – تطلب المحكمة الى النائب العام بيان مطالبته ثم تفصل في الدعوى. وإذا لم ينص محضر الجلسة التي صدر فيها الحكم وعلى مطالبة النيابة العامة واسم ممثل الحق العام يكون القرار الصادر مشوباً بالبطلان القاعدة 1481 و1495 وهامش صفحة 994 وهامش صفحة 1118 .
وللمحجكمة الحق في أن تقرر ما تشاء.. فتقرر البراءة أو عدم المسؤولية أو تحكم بعقوبة. إلا أنه في حال الحكم ببراءة المتهم الغائب لا يمكن أن تمس حريته ولو لم يسلم نفسه للقضاء لتعاد محاكمته مجدداً القاعدة 1536.
ولكن الذي يجري عملياً أن قرار محكمة الجنايات في هذه الحال يكون على الأغلب صادراً بعقوبة.. والسبب بذلك مقاومة رد الفاعل على القانون وتحديه له بفراره.
وللمحكمة أن تمنح المتهم الأسباب المخففة التقديرية. ولها إذا وجدت أن التحقيقات الجارية في التحقيق الابتدائي غير منطبقة على أحكام القانون أن تعلن بطلانها وتأمر بتجديدها اعتباراً من أول معاملة مخالفة للقانون. أما إذا وجدتها موافقة للقانون فإنها تقضي في الدعوى العامة.. وفي الدعوى الشخصية. لطفاً انظر المادة 327.
وحين يصدر الحكم على المتهم الفار يجب على المحكمة أن ترسل خلاصة الحكم خلال ثمانية أيام من تاريخ صدوره الى الجريدة الرسمية عن طريق النائب العام وبمعرفته كما تنشر هذه الخلاصة في احدى الصحف المحلية وتأمر بتعليقها على باب سكن المتهم الأخير وفي ساحة بلدته.. وعلى باب قاعة محكمة الجنايات كما تبلغ الى السجل العقاري ورئيس دائرة أملاك الدولة.
ويرفض القانون غياب المتهم عن المحاكمة الجنائية لذلك لا يحق له أن يطلب محاكمته بالصورة الغيابية.. كما يجيز ذلك في بعض المخالفات أو الجنح. فإذا دعي وتخلف عن المثول أمام محكمة الجنايات اعتبر عاصياً وجاز أن تتخذ بحقه التدابير الزاجرة.
وإذا كان في الدعوى عدة متهمين وقبض على بعضهم وفر آخرون.. اعتبر المتغيبون فارين وجرت محاكمتهم بهذه الصفة وحوكم الحاضرون محاكمة عادية. لأنه لا يسوغ أن يكون غياب أحد المتهمين بحد ذاته سبباً لارجاء المحاكمة أو تأخير النظر في الدعوى بحق رفاقه من المتهمين – الفقرة الأولى من المادة 331 -.
وبعد نشر الحكم ومنذ اليوم الثاني لنشره في الجريدة الرسمية يصبح الحكم نافذاً. وعندئذ تخضع أملاك المتهم المتبعة في ادارة أموال الغائب. ويجب أن تظل تحت هذا النظام ولا تسلم الى المتهم أو الى مستحقها من بعده إلا عند سقوط الحكم الغيابي. ومعلوم أن أموال الغائب تدار بواسطة وصي يختاره قاضي الشرع. وكل عقود هذا الوصي صحيحة ما دامت موافقة لقانون الأحوال الشخصية وخاصة المادة 180 وما يليها. لذلك ليس له أن يتبرع من مال الغائب ولا أن يعقد بعض العقود إلا بإذن من المحكمة الشرعية. كالتصرف بالمال بيعاً أو شراء أو مقايضة أو شركة أو اقراضاً أو رهناً. وللتوسع في بحث الغائب يرجى الرجوع الى مجموعة المرشد في قانون الأحوال الشخصية لمعد هذا الكتاب.
إلا أن المادة 332 نصت على اعطاء زوجة المتهم وأولاده ووالديه وكل من يعولهم شرعاً نفقة شهرية من واردات أملاكه تعينها المحكمة المدنية المختصة. كما أنها أعطت المدعي الشخصي الحق في طلب مقدار مؤقت من التعويضات المحكوم له بها مقابل كفالة أو بدون كفالة.
والمتهم الفار لا يحق له أن يطعن بالقرار الغيابي. لأنه قرار مؤقت وقابلاً للالغاء في حال تسليم نفسه أو القاء القبض عليه ولأن المادة 339 استثنته منه ضمناً القاعدة 1535 وإذا أصبح الحكم الغيابي نهائياً بسقوط العقوبة بالتقادم فإنه ينفذ أي تحصل الغرامات المحكوم بها وتنفذ المصادرة ويصبح من حق المدعي الشخصي أن يطالب بدفع التعويض ونفقات المحاكمة وسائر الالزامات المدنية.
ويرى الدكتور حومد بسبب خطورة هذه النتائج أصبح من الضروري تعديل النصوص لكي يجوز سماع الشهود.. وتصان المحاكمة الغيابية بضمانات جديدة. وفي الأصل أن طريقة محاكمة المتهم الفار طريقة شاذة وغير عادلة.
ويفترض الدكتور حومد بأن المتهم سلم نفسه الى القضاء.. أو تم القبض عليه فماذا يحدث.
فنقول إذا كانت العقوبة سقطت بالتقادم فإن الحكم الغيابي يصبح نهائياً لذلك لا تجوز محاكمته مرة ثانية وتعاد اليه أمواله ويقدم له الوصي حساباً عن ادارته. ولكن إذا لم يعد ممكناً تنفيذ العقوبة الجسدية. لسقوطها بالتقادم فإن الجوانب القابلة للتنفيذ يجب أن تنفذ ومن ذلك الحكم بالالزامات المدنية والتعويض والحرمان من بعض الحقوق الاستاذان ميرل وفينو ص 833 لعام 1979 – الدكتور حومد هامش صفحة 938.
أما إذا لم تكن العقوبة سقطت بالتقادم فإنه يحكم من جديد وفقاً للأصول العادية – أي وجاهياص ويعتبر الحكم السابق ملغى حكماً منذ صدور مذكرة القاء القبض أو قرار المهل.. ويتم هذا الالغاء حكماً وبدون طلب من المتهم. والشيء البارز في هذه المحاكمة عدم جواز اخلاء سبيل المتهم الفار بكفالة من قبل محكمة الجنايات. وهذا ما صرحت به المادة 130 أصول جزائية. لطفاً انظر صفحة 295 و421 وما يليها في الجزء الأول.
وهذا التجديد لا مبرر له لاسيما إذا علمنا أن محاكم الجنايات تصدر باستمرار أحكاماً بالعقوبة على الفارين من باب الضغط المعنوي عليهم. وقد جاء بقرار نقض افرنسي لعام 1947 نشر في مجلة العلوم الجنائية ص 436 أنه لايجوز اعادة التحقيق مجدداً ولا الرجوع على قرار الاتهام ولكن يجب أن يبلغ اليه بذاته إذا لم يسبق له أن تبلغه.
ويرى الدكتور رؤوف عبيد أن المتهم هو المسؤول عن تغيبه ولذلك عليه أن يتحمل تبعة حرمانه من درجتي التحقيق الابتدائي ثم إن له في المحاكمة أمام محكمة الجنايات ضمانات كافية لاثبات براءته إن كان بريئاً.
وتجري المحاكمة بالاستناد الى ما تحت يد المحكمة من أدلة سابقة فإذا كان الشهود أو بعضهم قد توفوا… أو أصبحت اقامتهم مجهولة. فتكتفي المحكمة خلافاً للقاعدة العامة واستناداً الى نص المادة 334 بتلاوة افادتهم الموجودة في الاضبارة وبتلاوة الأجوبة التي وردت عليها من شركاء المتهم وهذا ضروري. لأن المتهم قد يكون نسي ما يجب أن يقوله في الرد عليها.
فإذا ثبتت جرميته حكمت المحكمة عليه بالعقوبة التي تراها. فتحتفظ بالعقوبة السابقة أو تزيدها أو تنقصها. وقد قررت محكمة النقض بالقاعدة رقم 1537 أن مجيء النص على الغاء الحكم الغيابي في الحالة المذكورة حكماً مع سائر المعاملات الجارية وعلى اعادة المحاكمة وفقاً للأصول العادية يفيد أن المحاكمة تجري مجدداً بسبب الالغاء المذكور الذي تنازل جميع أقسام الحم الغيابي يجب أن تتناول التهمة بجميع ظروفها.. لأن المادة 333 تتعلق بالنظام العام والغاية منها المحافظة على صالح المجتمع وصالح المتهم معاً فلا يجوز حصرها بمنفعته وحده بعد مجيء النص باجراء المحاكمة وفقاً للأصول العادية.
وهناك القاعدة 1542 جاء فيها في هذا الشأن بأنه لايحق للمتهم المتمسك بالعقوبة المحكوم بها عليه غياباً سواء أطعنت النيابة العامة في الحكم الغيابي بطريقة النقض أم لم تطعن.
إلا أن محكمة النقض بقرار آخر صدر بعد القرار السابق موضوع القاعدة 1542 تبنت موقفاً وسطاً. فذهبت الى أن الحكم الغيابي إذا كان صادراً بالادانة.. فإنه يسقط ولا يرتب للمتهم أي حق مكتسب. وهذا رجوع حميد الى امبادىء العامة. إلا أنه إن كان الحكم صادراً بالبراءة فإنه يصبح حقاً مكتسباً. واعتمدت في تعليلها على أن المادة 333 أصول جزائية تتحدث عن المتهم الغائب الذي يقبض عليه قبل سقوط العقوبة المحكوم بها وهو لا يكون كذلك إلا إذا كان قضي عليه بعقوبة. إذن لا يسقط الحكم إذا كان قد صدر في غيبة المتهم بالبراءة هذا ولا يخفى على القارىء بأن الحكم الغيابي الصادر عن محاكم الجنايات يختلف عن الحكم الغيابي الصادر عن محاكم الجنح انظر القاعدة 1544 وللدكتور محكود مصطفى رأي مماثل في كتابه الاجراءات الجنائية ص 303 لعام 1970 .
وقد يكون لهذا التفسير ما يبرره حين كان الحكم بالبراءة في الجنايات نهائياً حقاً مكتسباً لمن برئت ساحته. أما بعد التعديل لعام 1958 وأصبحت أحكام البراءة كسائر الأحكام الأخرى فإن هذا التفسير لم يعد وارداً. والقضاة المعنيون لا يصدرون قرارات البراءة إلا بعد تمحيص دقيق للواقعة بسبب خطورة هذه القرارات على خلاف القانون الفرنسي المحلفين الذين تحركهم مشاعرهم وأحاسيسهم. ومع ذلك لا يجوز أن يعتبر الحكم بها حقاً مكتسباً هامش صفحة 939 الدكتور حومد والقاعدة 1622 في هذا الجزء.
وفي مبادىء الاجراءات الجنائية ص 686 لعام 983 يقول رؤوف عبيد عند اعادة محاكمة المتهم إذا حضر أو قبض عليه تكون محكمة الجنايات حرة في تقدير الوقائع والعقوبة والتضمينات.. ولها عندئذ أن تشدد العقوبة أو تخفضها أو تحكم بالبراءة حسبما تراه.
وهذا يعني أنه إذا حكمت محكمة الجنايات غيابياً بالقتل المقصود فيحق لها في الحاكمة الوجاهية أن تحكم عليه بالقتل العمد.. أو التسبب في القتل أو القتل الخطأ. وأنها إذا منحته السبب المخفف أو العذر المخفف ففي الحكم الغيابي.. لها أن ترجع عن ذلك في الحكم الوجاهي ولا يؤثر في ذلك طعن النيابة العامة أو المدعي الشخصي في الحكم الغيابي. وإن لم تثبت جرميته جاز لها أن تعفيه من نفقات المحاكمة الغيابية وهو لا يلزم بنفقات المحاكة الوجاهية أصلاً.. لأنه لم يخسرها. كما جاز لها أن تقرر نشر القرار الصادر لمصلحته في الجريدة الرسمية وفي احدى الصحف المحلية وفي ساحة البلدة وعلى باب قاعة محكمة الجنايات. انظر المادة 329 و335 – كذلك القاعدة 1544 وما يليها.
ولكن على ماذا يجب أن تعتمد محكمة الجنايات في الحكم الغيابي لكي يعتبر جنائياً وبالتالي يعتبر ملغي حين القاء القبض على الفاعل.
هذه نقطة حساسة ويوجد بشأنها أربعة آراء ذكرها الدكتور حومد بكتابه أصول المحاكمات الجزائية وهي
1 – رأي يعتمد العقوبة التي قضت بها محكمة الجنايات.. فلو قضت هذه المحكمة بعقوبة جنحية.. فتطبق على الحكم قواعد الأحكام الجنحية الغيابية وإن قضت بعقوبة جنائية فإن هذا الحكم هو الذي يسقط وهذا الرأي مرفوض. لأن المحكمة قد تجد ظروفاً تجبرها على اصدار حكم جنحي في قضية جنائية كما لو أخذت بالاستفزاز.. أو بعذر مخفف قانوني كتجاوز حق الدفاع الشرعي أو عذر صغر السن. والعلة في رفض هذا الرأي أن المحكمة تحاكم الغائب دون سماع شهود ودون أن تراه شخصياً.
2 – وصف الواقعة في الحكم الغيابي وهذا مرفوض أيضاً لأن اعتماد الوصف من قبل المحكمة لا يكون واضحاً تماماً حتى للمحكمة نفسها. للسبب الذي ذكر في الحالة السابقة.
3 – وصف الواقعة في قانون العقوبات وهذا رأي يقول به بعض الفقهاء الذين يعتمدون على نص قانون العقوبات لتحديد وصف الجريمة. ولكن إذا لم تستبن الاقعة تماماً فإن من العسير في أغلب الحالات أن نعرف النص القانوني الذي يطبق عليها لأنه لا يظهر تماماً إلا بعد المحاكمة.
4 – الوصف الذي ادعى به النائب العام على المتهم بالاستناد الى قرار قاضي الاحالة.. أي الوصف الذي ورد في صك الاتهام. وهذا هو الرأي المقبول. واليه جنحت محكمة النقض المصرية بحكمها الصادر بتاريخ 5 / 9 / 1950 المنشور في مجموعة النقض من 1 ص 629 فقد قالت إنه إذا أحيلت الواقعة بوصفها جناية وقضت المحكمة غيابياً على المتهم الفار بالحبس فإن الحكم يسقط بحضور المتهم ولا يجوز له أن يعترض على الحكم. وجاء في حكم آخر إن كل حكم غيابي يصدر على المتهم يجب أن يعد كأنه حكم غيابي صدر على متهم بجناية مهما كانت العقوبة المحكوم بها وسواء كانت الجريمة في صحيح وصفها جناية أم جنحة.. وإذن فذلك الحكم يبطل حتماً بحضور المحكوم عليه في أثاء المدة اتلمقررة لسقوط العقوبة بها – نقض مصري 17 / 12 / 1941 منشور في مجموعة القواعد س 5 ص 390.
أما الحكم الصادر من محكمة الجنايات في جنحة فإنه يخضع للقواد التالية
1 – إذا كانت الجنحة مرتبطة بجناية وصدر الحكم في الجريمتين في حكم واحد فالعبرة لوصف الجناية وبالتالي يسقط الحكم برمته سواء بالنسبة للجناية أو بالنسبة للجنحة.
2 – إذا كانت الجنحة منفردة كما لو برأت المحكمة المتهم من الجناية وحكمت عليه من أجل الجنحة فإن هذا الحكم يخضع لما تخضع له الأحكام الجنحية الغيابية.
ولكن ما هو مصير الحكم الغيابي إذا توفى المحكوم عليه وهو هارب.
القانون لم يصرح بما يترتب على موته من نتائج.. إلا أنه من التدقيق لأحكام المادة 333 أصول جزائية نجد أن النص المذكور يعتبر الحكم الغيابي ملغى حكماً في حالتي تسليم المتهم نفسه.. أو القاء القبض عليه قبل اكتساب الحكم الغيابي قوة القضية المقضية المبرمة أي قبل سقوط العقوبة بالتقادم ولم يرد ذكر لموته. لذلك يستنتج من هذا النص أن الحكم الغيابي يصبح مبرماً بوفاة المحكوم عليه.
والى هذا الاتجاه ذهبت محكمة النقض الفرنسية في حكم صادر في 26 / 4 / 1951 منشور في المجلة الجنائية 1951 ص 677 . والمادة 395 المصرية نصت على أنه إذا مات المتهم المحكوم عليه غيابياً يعاد الحكم في التضمينات في مواجهة الورثة ويبدو بأن هذا الحل أعدل.
وعليه فلا تنفذ العقوبات الجسدية ولكن العقوبات الأخرى والتعويضات تصبح واجبة النفاذ. وإذا قيل بأن ضمانات الحضورية لم تستوف لأن المتهم لم يدافع عن نفسه فإن الرد على ذلك هو أنه … هو الذي فرط في مصلحة نفسه وإن القضاة حين حكموا عليه نظروا في ملابسات القضية وحكموا بالعدل انظر حومد الأصول الجزائية ص 933 وما يليها.