الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 342 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

الرأي الفقهي

أوجب القانون بيان أسباب النقض تحت طائلة رد الطعن إذا لم تجد المحكمة سبباً متعلقاً بالنظام العام تتصدى له من تلقاء نفسها.
والحكمة التي رمى اليها الشارع من وراء هذا الوجوب هي للتحقيق من جدية الطعن… وانحصاره ج الأوجه التي يجوز فيها الطعن بطريق النقض ولتقيد المحكمة عند النظر في الطعن بالأسباب المثارة من قبل الطاعن وبالأسباب التي يتعين عليها اثارتها من تلقاء نفسها على النحو المبين في القانون فيما تعلق بهذه الناحية.
وأسباب النقض محددة حصراً في المادة 342 أصول جزائية. وهي أسباب قانونية أتت على ذكرها ست فقرات. وقد تضمن تعداد الأسباب حالات عامة وهي
مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون أو لخطأ في تفسيره وخلو الحكم من أسبابه الموجبة.. أو عدم كفايتها أو غموضها كما تضمن حالات لا تعدو أن تكون تطبيقات عملية للحالات العامة. مثل صدور حكمين متناقضين.. والذهول عن الفصل في أحد الطلبات أو الحكم بما يجاوز طلب الخصم.
وبما أن محكمة النقض هي المحكمة المؤهلة للسهر على حماية القانون فإن أحكامها هي التي تفسر القانون.. وترسم للمتقاضين الحدود التي يتبين لهم حقوقهم بشكل صحيح. لذلك وجب الاعتماد على قراراتها المستقرة والمستمرة بالدرجة الأولى (القاعدة 1691).
وأساس الطعن بالنقض هو ارتكاب أخطاء في تطبيق قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية.
إذن لابد من البحث في شيء من التفصيل في أسباب النقض. والوقوف على اختلاف طبيعة كل سبب عن طبيعة غيره من الأسباب.
أولاً – إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة للقانون أو على خطأ في تفسيره
إن مخالفة القانون هي الصورة الوحيدة للخطأ في القانون. والخطأ قد يكون في القانون الموضوعي.. وقد يكون في القانون الشكلي.
فالخطأ في القانون الموضوعي هو كل خطأ يقع من القاضي في اعطائه للحل في مسألة قانونية في الحكم بمعنى أن مخالفة القانون الموضوعي تشمل كل خطأ في قانونية التقدير الذي بذله قاضي الموضوع في الحكم في تطبيقه أو تفسيره لقاعدة جزائية.
والخطأ في القانون الشكلي هو عدم خضوع القاضي للقواعد التي يتعين عليه الالتزام بها للنظر في الدعوى ودراسة وقائعها وفحصها والقضاء فيها. أو هو تصرف القاضي خارج الحدود التي رسمها له القانون.
إذن كل مخالفة للقواعد التي ترسم الحدود التي يمارس قاضي الموضوع على أسبابها أو في ظلها هذا التقدير وهذه لا تكون إلا القواعد الجوهرية. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً لخصها الدكتور حومد بكتابه الأصول الجزائية كما يلي
الحالة الأولى
1 – مخالفة قواعد تشكيل المحاكم من حيث عدد القضاة.. أو من حيث اشتراك القاضي في كل الجلسات أو من حيث وجود مانع قانوني في القاضي كما لو سبق له أن حقق في الدعوى أو كان قريباً لأحد الخصوم القاعدة 1363.
2 – عدم اختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم.
3 – تجاوز المحكمة سلطتها القانونية ( ) وقد كان منصوصاً على هذه المخالفة في نفس المادة 342 قبل تعديلها ولكن هذا النص ألغي بالتعديل الجديد. ومن الواضح بأن هذا العيب قريب جداً من مفهوم عدم الاختصاص.
4 – الخطأ في التكييف القانوني. كما لو أسقطت المحكمة عنصراً لازماً للجريمة كما هي معرفة بالقانون. أو إذا أدخلت فيها عنصراً لم ينص عليه القانون.
5 – الخطأ في تكييف الظروف القانونية المشددة أو المخففة والاعذار القانونية وموانع المسؤولية وأسباب الاباحة القاعدة 976 وما يليها.
6 – مخالفة قواعد الاثبات.
7 – الخطأ في تطبيق العقوبة. كما لو قضت المحكمة بغير العقوبة المنصوص عليها أو زادت فيها أو انقضت.
8 – الخطأ في تطبيق قانون غير جزائي. إذا كان على المحكمة الجزائية أن تطبقه لصحة الفصل في الدعوى الجزائية.. كالقوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية.
9 – مخالفة القواعد المشترطة لصحة مذكرات الدعوى بشرط أن يكون المتضرر قد اثارها أمام محكمة الموضوع. فإذا سكت عنها ورضي أن يحاكم دون أن يثيرها أمام محكمة الموضوع سقط حقه في الطعن فيها لأول مرة أمام النقض القاعدة 1684 وهذا الحل مستخلص من المادة 145 من قانون أصول المحاكمات المدنية. وبه قضت محكمة النقض الفرنسية أيضاً بقرارها الصادر في 23 / 3 / 1954 حيث اعتبرت ان بطلان مذكرة الدعوى أو صحيفة الادعاء يسقط يوم التمسك به في بدء المحاكمة.. ولا يسقط الحق فيه محكمة النقض الفرنسية رقم 116 وهذا ما تقول به المادة 145 أصول مدنية سوري.
الحالة الثانية – إذا وقع بطلان في الحكم.. والبطلان في الحكم هو الجزاء الذي رتبه القانون على مخالفة القواعد والاجراءات التي أوجب على المحاكم مراعاتها. مثلاً لو كان الحكم قاصراً في ديباجته.. كما لو صدر بدون أن يصرح بأنه صدر باسم الشعب العربي السوري أو في منطوقه أو عدم اشتماله على الواقعة التي كانت مدار الدعوى الجزائية أو عدم توقيع رئيس الجلسة والقضاة عليه أو خولفت قواعد المداولة.. أو قواعد النطق بالحكم انظر القاعدة 1691.
والبطلان في الحكم أصلاً ينشأ من ارتكاب مخالفة للقانون موضوعاً أو شكلاً كما سبق وأشرنا. لذلك لم يكن لزوم لذكر هذه الحالة منفردة. لأنها حالة من حالات المخالفات القانونية.
ويذهب الدكتور عبيد في كتابه مبادىء الاجراءات الجنائية ص 996 الى أن اصطلاح البطلان في الحكم المقصود من النص.. هوالبطلان المترتب على مخالفة القواعد الجزائية الصرف والمتعلقة بالأحكام الجنائية مباشرة كما هي واردة في قانون الاجراءات الجنائية وأحياناً في قانون المرافعات المدنية وذلك بالقدر الذي قد يحتاج اليه القاضي الجنائي دون القواعد الموضوعية.
وعلق على هذا الرأي الدكتور حومد بكتابه أصول المحاكمات الجزائية بقوله ونظن أن هذا التخريج نوع من الترف العقلي لتبرير جعل هذه الحالة من أسباب الطعن سبباً مستقلاً مع أنها لا تعدو أن تكون حالة من حالات مخالفة القانون الشكلي أو الموضوعي.
الحالة الثالثة – بطلان الاجراءات إذا أثر هذا البطلان في الحكم … والمقصود بالاجراءات القواعد الشكلية تضمنتها قوانين الأصول. وهو تعبير التشريع المصري.. ونحن في العادة لا نستعمل تعبير الاجراءات وإنما أصول. وهذه الأصول الاجراءات نوعان
آ) – نوع نص عليه القانون نفسه على أن مخالفته تستوجب البطلان كما هو الحال عليه بالمادة 190 أصول جزائية التي صرحت تجري المحاكمة علانية وإلا تعتبر باطلة ما لم تقرر المحكمة اجراءها سراً – القاعدة 871 وما يليها في هذا الجزء.
كذلك المادة 268 التي تمنع النائب العام من الادعاء على المتهمين بأفعال خارجة عن منطوق قرار الاتهام وإلا كان ادعاؤها باطلاً واستهدف للشكوى من الحكم عند الاقتضاء – القاعدة 1364.
كذلك المادة 274 التي تجبر رئيس محكمة الجنايات على تعيين محام عند أول استجواب للمتهم ويجب أن يكون تعيينه في الحال وإلا كانت المعاملات اللاحقة باطلة حتى ولو عينت المحكمة له محامياً خلال المحاكمة – القاعدة 1370.
والفقرة 4 من المادة 286 التي تنص على أنه إذا لم يحلف الشاهد اليمين على الصورة المبينة آنفاً تكون شهادته باطلة – القاعدة 1472.
والمادة 303 ف2 التي تفرض على رئيس المحكمة أن يعين للمتهم الذي لا يعرف العربية ترجماناً لا يقل عمره عن ثمانية عشر عاماً وأن يحلفه اليمين بأن يترجم فيما بينه وبين المحكمة بصدق وأمانة وإذا لم تراع أحكام هذه المادة تكون المعاملة باطلة – القاعدة 1370 و1409.
والمادة 305 التي تمنع انتخاب الترجمان من الشهود وأعضاء المحكمة الناظرة في الدعوى ولو رضي المتهم والنائب العام وإلا كانت المعاملة باطلة.
وليس من شك في أن مخالفة هذه القواعد تؤثر في الحكم ولذلك يترتب عليها نقضه.
الحالة الثانية – وهي نوع من الاجراءات لم ينص القانون على بطلانها ولم يضع لها مؤيداً. وهذه الاجراءات تصنف في زمرتين.
الزمرة الأولى – اجراءات وضعت لمصلحة الخصوم فإذا أهملتها المحكمة يكون الخصم الذي وضعت لمصلحته قد تضرر منها.. ولكن بما أنها موضوعة لحماية مصلحة خاصة فإن على صاحب هذه المصلحة أن يكون يقظاً ويطلب مراعاتها. فإذا لم يطلب ذلك فلا يكون اهمالها سبباً للنقض. إلا أنه إذا طلب مراعاتها وأهملت محكمة الموضوع طلبه ثم لم تصحح فيما بعد في الاستئناف فإنها عندئذ تكون سبباً للنقض القاعدة 456.
الزمرة الثانية – اجراءات مفيدة ليس لها نتائج خطيرة .. وهذه وردت على سبيل الاستحسان وعدم مراعاتها لا يكون سبباً للنقض.. كالاخلال بقاعدة ترتيب مطالبة النيابة العامة ومرافقة المدعي الشخصي والمتهم ما دام كل منهم تكلم ولم يحرم من الرد على خصمه.
الحالة الرابعة – الذهول عن الفصل في احدى الطلبات.. واجب على القاضي أن يفصل في طلبات الخصوم التي يتقدمون بها فإذا ذهل عن الفعل في واحدة منها.. فالحكم ينقض لقصوره عن تحقيق مقتضيات العدالة. فلو طلب المدعي الشخصي تعويضاً مدنياً عن الضرر الذي لحق به والحكم له بنفقات الدعوى وأجور المحاماة.. ولم تفصل المحكمة بأجور المحاماة أو طلب النائب العام الحكم على المتهم بتهم ثلاث وجهها اليه ففصلت المحكة في تهمتين فقط فإن الحكم ينقض ولو كان حكم الاستئناف صدر مبرماً القاعدة 1680 وما يليها وعللت محكمة النقض مذهبها بهاتين القاعدتين بما يلي … لأن المحكمة تعتبر في ذلك قد فصلت في الدعوى قبل أن تلم بها من جميع أطرافها وتستعرض نواحي النزاع فيها. فإذا أغفلت التحدث عن بعض الجرائم المحالة اليها ولم تفصل فيها فقرارها يكون مشوباً بالقصور وجديراً بالنقض.. وهذا النقض ينشر القضية مجدداً أمام محكمة الأساس وهي تنظر فيها غير مقيدة بما سبق اجراؤه….
وهذا القول ينطبق على ما تدعي به النيابة العامة أيضاً كما سبق وذكرنا. فلو أقامت الدعوى بجريمتين على المدعى عليه ولم تفصل المحكمة إلا بواحدة فحكمها ينقض.. لذهوله عن الفصل في أحد طلبات النيابة العامة القاعدة 1670.
الحالة الخامسة – الحكم بما يجاوز طلب الخصوم.. فلو طلب المدعي الشخصي مثلاً الحكم بألف ليرة تعويضاً وحكمت المحكمة له بألف ومئة.. فالحكم ينقض لأنها تجاوزت الحد الأقصى لطلبات الخصم القاعدة 2571.
الحالة السادسة – صدور حكمين متناقضين في الواقعة الواحدة.. والسبب في ذلك أن المادة 250 أصول محاكمات مدنية قد نصت على مبدأ استحالة تنفيذ حكمين متناقضين صادرين في جريمة واحدة. ويستوي في مفهوم التناقض أن يكون القراران صادرين من محكمة واحدة أو من محكمتين مختلفتين.. وللاستئناس نورد نص المادة المشار اليها إذ صرحت بأن للخصوم أن يطعنوا أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة عن محاكم الاتئناف أو عن المحاكم الشرعية والمذهبية أو عن محاكم الصلح في الدرجة الأخيرة في الأحوال الآتية
المادة 250 أصول مدنية
أ) – إذا صدر الحكم عن محكمة غير ذات اختصاص مع مراعاة أحكام المادتين 145 و146 من قانون أصول المحاكمات.
ب) – إذا كان الحكم مبنياً على مخالفة للقانون أو خطأ في تفسيره.
ج-) – إذا صدر الحكم نهائياً خلافاً لحكم آخر سبق أن صدر بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم وتعلق النزاع بذات الحق محلاً وسبباً وحاز قوة القضية المقضية سواء أدفع بهذا أم لم يدفع.
د) – إذا لم يبن الحكم على اساس قانوني بحيث لا تسمح أسبابه لمحكمة النقض أن تمارس رقابتها.
ه-) – إذا أغفل الحكم الفصل في أحد المطالب أو حكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه.
وبهذا المبدأ يرى الدكتور حومد المرجع السابق أنه إذا لم يمكن التوفيق فيما بينهما كان تناقضهما سبباً من أسباب النقض.. أما إذا أمكن التوفيق بينهما فإنه لا مبرر للنقض لعدم إطالة أمد الدعوى.
الحالة السابعة – خلو الحكم من أسبابه الموجبة.. صرحة المادة 203 على ما يلي يجب أن يشتمل الحكم النهائي على العلل والأسباب الموجبة له. وأن تذكر فيه المادة القانونية المنطبق عليها الفعل وهل الحكم قابلاً للاستئناف أم لا.
والمقصود بالعلل والأسباب مجموعة الأسانيد القانونية والواقعية والمنطقية التي استندت اليها المحكمة في تكوين قناعتها ووضعها في منطوق الحكم على أساس أن المنطوق نتيجة… وأن الأسباب مقدماتها كشاهدات الشهود والقرائن وتقارير الخبرة واعتراف المتهم. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم صادراً بعقوبة.. أو ببراءة مع ملاحظة أن الشك في الجريمة كاف لتعديل براءة المدعى عليه.
والسبب في اجبار المحاكم على تعديل أحكامها.. رغبة الشارع في اقناع الخصوم بأن المحكمة دققت فعلاً كل ما تقدموا به من طلبات ولوائح ثم تمكين محكمة النقض ومحاكم الدرجة الثانية من التأكد من صواب القرار.. أو عدم صوابه.
الحالة الثامنة – عدم كفاية الأسباب – وهذا سبب مستقل بذاته وإن كان الشارع حشره في الفقرة السادسة من المادة 342 مع غيره من الأسباب. وهو يتحقق حين تكون العلل التي استندت اليها المحكمة في حكمها غير كافية قانوناً لاصدار احكم. ومن الأمثلة على ذلك الحكم الذي تنفي فيه المحكمة وجود الدفاع الشرعي لمجرد قيام عداوة سابقة أو لمجرد اشتراك الفاعل في شجار مع المعتدى عليه – نقض مصري 16 نوفمبر س 15 ص 684 والحكم الذي يتضمن منطوقه تأكيد الجرمية مع أنه لا يوجد في أسبابه تبرير سليم لهذا التأكيد.
الحالة التاسعة – غموض الأسباب .. وهو أيضاً سبب مستقل حشر في الفقرة السادسة من المادة 341 .
والغموض يتحقق حين لا تؤدي الأسباب التي اعتمدتها المحكمة عقلاً ومنطقاً الى استخلاص النتيجة التي توصلت اليها. ومع ذلك فقد ذهبت محكمة النقض الى أنه إذا قام الحكم على دعامتين مستقلة احداهما عن الأخرى وكان يصح بناء الحكم على احداهما فإن النعي عليه في الدعامة الأخرى يكون غير منتج قاعدة 1690 والمثل على ذلك وقوع تفتيش باطل الى جانب اعتراف المتهم أو الادعاء بالتعذيب لانتزاع الاقرار ووجود شهود على الواقعة قنعت المحكمة بشهادتهم.. وقنعت المحكمة قناعة تامة بأن المتهم هو مرتكب الجريمة غير أنها ناقضت نفسها حين اعتبرت الشهادات متسمة بالتناقض والتردد وقررت براءة المتهم انظر القاعدة 1670 وواضح من هذه القاعدة بأن محكمة النقض تعتمد علىهذا السبب للنقض لكي تمنح نفسها حق رقابة حسن الاستخلاص والاستنتاج والاشارة الى موطن الضعف انظر القاعدة 1690 كذلك لا يجوز أن يقع تناقض بين أسباب الحكم ومنطوقه بحيث ينفي بعضها ما يثبته البعض الآخر فلا يعرف أي الأمرين قصدته المحكمة القاعدة 1685 وأن لا يقع تناقض بين مسودة الحكم ومبيضته مما لا يمكن التوفيق بينهما القاعدة 1686.
ومن امعان النظر في حالتي عدم كفاية الأسباب.. أو غموضها لوجدنا أنهما.. في الواقع تعطيان محكمة النقض سلطة الاشراف على محاكم الموضوع في تكوين القناعة من الوقائع. والأصل أن محكمة النقض لا تنظر في المسائل الموضوعية لأنها لا ترى غير المسائل القانونية المحضة. إلا أنه من الواضح أنها حين تريد أن تستوثق من أن محكمة الموضوع استطاعت أن تكون قناعتها من اسباب واضحة غير غامضة.. فإنها تلف حول الموضوع وتنفذ الى الواقعة من خلال التأكد من عدم غموض الأسباب.
لذلك أعطاها المشرع الحق بأن تشرف على بيان عناصر الجريمة كما ذكرها حكم محكمة الموضوع لترى كيف عللت حكمها بأسباب واضحة مما يفرض عليها عدم الاكتفاء بعبارات عامة في عرض الواقعة.
وعلى هذا فإنه إذا ترك القانون لقضاة الموضوع تقدير الأدلة التي تثبت التهمة أو تنفيها.. فإنه أوجب عليهم إذا جنحوا للحكم أن يبسطوا عناصر الجريمة ويثبتوا وجودها بصورة واضحة ويؤكدوا نسبتها الى المتهم محكمة النقض الفرنسية 20 / 7 / 1955 داللوز 195 ص 430.
وقبل ختام هذا البحث لا بد من الاشارة الى أن هذه الحالات التسعة ليست حالات حصرية وإنما هي حالات وردت على سبيل المثال فقط.. على الرغم من الحصر الوارد في المادة 342 . ذلك أن هناك أسباب أخرى لم يرد ذكرها في هذه المادة منها حالات البطلان الجوهرية الناشئة عن الاخلال بحق الدفاع.. وانتهاك القضية المبرمة وعدم معاقبة أحد مرتين على فعل واحد. وانتهاك قواعد سقوط الدعوى الجزائية والدعوى المدنية في التقادم والعفو العام والتنازل والصفح.. والمساس بمقتضيات النظام العام.
ونود أن نؤكد علىاحترام حقوق الدفاع باعتبارها حقوقاً جوهرية دستورياً. فقد جاء في المادة 82 / ف4 من دستور 1973 إن حق التقاضي وسلوك سبيل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون. وقد كتب الأستاذ اوتولان في كتابه عناصر القانون الجزائي عام 1855 ص 869 إن حق الدفاع غير منصوص عنه في القوانين القديمة أو الحديثة ولكنه روح النظام الاتهامي وهو في غير حاجة الى أن ينص عليه .. والقضاء يعتبره حقاً جوهرياً يترتب على عدم احترامه بطلان الاجراءات حتى في الحالات التي لم ينص على بطلانها.
كما كتب الأستاذ () في مجلة العلوم الجنائية ص 47 لعام 953 ان احترام حرفية القانون لا يكفي لعدم ارتكاب الاساءة. ذلك أنه ليس كل ما لم يمنع يكون مشروعاً. فكل القواعد التي تحمي حقوق الدفاع ليست مكتوبة في أي نص. ولكنها واجبة الاحترام رغم سكوت القانون عنها وإن قوانين الامم المتمدنة لا تستطيع اغفالها لأنها مستمدة من المبادىء العليا التي تحكم قواعد العدالة والانصاف.
وأحكام النقض هي التي ترسم حدود هذا الحق الذي يجب أن يظفر بكامل الرعاية والاحترام .. انظر القاعدة 1687.
وقد حلت المادة 342 مشكلة هامة. وهي أن الأصل اعتبار أن الاجراءات قد روعيت أثناء الدعوى. ولكن القانون أعطى لصاحب الشأن أن يثبت بكل طرق الاثبات أن تلك الاجراءات قد أهملت أو خولفت. ولكن يشترط ألا تكون هذه الاجراءات مذكورة في الضبط أو في الحكم فإنها تعتبر اجراء سليماً ولا يجوز اثبات عدم اتباعها إلا بطريق الطعن بالتزوير في الضبط. لأنه وثيقة رسمية.. وهذا طريق عسير.. وللتوسع انظر الدكتور حومد الأصول الجزائية والأستاذ دركزلي طرق الطعن والأستاذ بدره الحكم الجزائي.