Call us now:
الرأي الفقهي
إن قانون اصول المحاكمات الجزائية خص المواد 415 – 420 في نقل الدعوى ويعني هذا التعبير في لغة القانون منع قاض مختص بصورة عادية من النظر في دعوى معينة. تأميناً لحسن سير العدالة.. واقصاء للشبهات.
وقد تضمن قانون أصول المحاكمات الجزائية سببين لنقل الدعوى.. وأضاف قانون الأصول المدنية سبباً ثالثاً ليس بذي خطر أتت على ذكره المواد 190 – 192 أصول مدنية وبذلك تكون أسباب نقل الدعوى ثلاثة هي
السبب الأول المحافظة على الأمن العام. ولم يعرف القانون ما يقصد بالأمن العام الذي يجب أن يبنى عليه طلب نقل الدعوى.. لذلك ترك للغرفة الجزائية في محكمة النقض مطلق الحرية في تقدير ما إذا كانت رؤية دعوى معينة في منطقة ما من شأنها أن تخل بالأمن العام أم لا. وقد استخدمت محكمة النقض الفرنسية مثل هذا التعبير نظراً لوجود أسباب كافية للنقل نقض فرنسية 9 / 11 / 1883 . وقد قال فوستان هيلي إن أسباب النقل لاعتبارات تتعلق بالأمن العام. وأكثر الحالات التي تدخل في المحافظة على الأمن العام هي الجرائم السياسية الدكتور حومد الأصول الجزائية.
والسبب الثاني وجود الارتياب المشروع.. كذلك القانون ابى أن يعرف الارتياب المشروع.. ومعنى ذلك أنه ترك للغرفة الجزائية مطلق تقدير الحالات التي ترى فيها ارتياباً مشروعاً يبرر نقل الدعوى وهي الحالات التي تدعو الى الريبة في نزاهة المحكمة أو حيادها. وقد قررت المحكمة العثمانية بتاريخ 13 صفر 1302 أدرج بمجموعة الأصول الجزائية للدكتور حومد أنه توجد حالة ارتياب مشروع فيما لو استعملت المحكمة ألفاظاً تكريمية لأحد الخصوم.. أو ماطلت كثيراً في البت في الدعوى مما يستشم منه ميلها الى اطالة توقيف المدعى عليه.. أو عدم الاسراع في الحكم عليه إذا لم يكن موقوفاً. أو إذا كان يعتبر المدعى عليه بريئاً ورفض اصدار مذكرة توقيف بحقه أو إذا لوحظ أن أقارب المدعى عليه يترددون كثيراً على القضاة. ويضع الأستاذ هيلي قاعدة لهذا السبب هي وجود ظروف تبعث على الشك في تجرد المحكمة.
السبب الثالث تعذر تشكيل المحكمة لأسباب قانونية. وهذه حالة لم يأتي على ذكرها قانون الأصول الجزائية.. وإنما أتت على ذكرها المادة 190 أصول مدنية. فلو كانت المحكمة تتألف من ثلاثة قضاة.. كالاستئناف والجنايات فتنحي بعض القضاة لوجود قرابةن ورد البعض الآخر وفقاً لأحكام القانون.. فيصبح من الضروري نقل الدعوى الى محكمة أخرى. ولكن هل يدخل في هذا السبب الموانع اتي تحول دون تشكيل المحكمة بسبب واقعي.. كمرض القضاة أو غيابهم. هذا الموضوع لم يبحثه القانون. والرأي الشائع قبول ذلك. إلا أن مجلس القضاء الأعلى ينتدب عادة العدد الكافي من القضاة لمثل هذه المحكمة حتى لا تتعطل مصالح الناس.
ويلاحظ الأستاذ غارو أن عدداً كبيراً من الأحكام لا تفرق بين تعيين المرجع وبين نقل الدعوى. وهذا الخلط يوجد في مؤلفات عدد من الفقهاء أيضاً. ولا يرى الأستاذ غارو محذوراً في ذلك لأن الطريقة المتبعة في الحالتين تكاد تكون واحدة.
وليس من شك في أنه لا يمكن طلب نقل الدعوى من الغرفة الجزائية في محكمة النقض الى محكمة أخرى منها. لأنه لا يمكن ذلك لعدم وجود محكمتين للنقض في القطر العربي السوري.
ولابد في هذا البحث من الاشارة الى الأشخاص الذين يحق لهم نقل الدعوى.. القانون صريح في هذا الشأن اصحاب الحق يطلب نقل نقل الدعوى عددتهم المادة 415 أصول جزائية.. النائب العام لدى محكمة النقض وحده. بسبب المحافظة على الأمن العام. ويمكن أيضاً للمدعى عليه والمدعي الشخصي طلب نقلها بسبب الارتياب المشروع.
ويقدم النائب العام المذكور طلب النقل الى محكمة النقض في حالة الارتياب المشروع وحين يشعر بارتياب من القاضي أحسن به من ملف القضية.. إلا إذا جاءه بصورة رسمية أو غير رسمية مباشرة الى محكمة النقض في الغالب بعد أن يحصل على موافقة وزير العدل ولكن إذا كان طلب النقل مبنياً على سبب المحافظة على الأمن العام.. فإن القانون أوجب على النائب العام التمييزي أن يقدم الطلب الى وزير العدل. مبيناً فيه الأسباب التي تدعوه لطلب النقل.
إلا أنه يحق لوزير العدل أن يحتفظ بالطلب. وفي هذه الحال تستمر المحكمة أو قاضي التحقيق الواضع يده على الدعوى في رؤيتها. وإذا اقتنع وزير العدل بناء على معلومات تصله عادة من زميله وزير الداخلية.. أو بما يراه من أسباب مقنعة في طلب النائب العام التمييزي بصحة الادعاء. فإنه يقرر احالة الطلب الى محكمة النقض ومعنى هذا أن لوزير العدل أيضاً أن يأمر النائب العام لدى هذه المحكمة بطلب نقل الدعوى. حين يبلغه بوصفه عضواً في الحكومة أو بواسطة ممثليه النواب العامين في المحافظات.. إن نقلها في مصلحة الأمن العام.
إذن نقل الدعوى لأسباب تتعلق بالمحافظة على الأمن العام أمر اداري في أوله.. وقضائي في آخره.
ويشترط لتقديم طلي نقل الدعوى أن تكون المحكمة المطلوب نقل الدعوى منها قد وضعت يدها على الدعوى قانوناً.
كما يشترط في المدعي الشخصي .. أو المدعى عليه لطلب النقل الا يمثل مختاراً أمام المحكمة.. أو قاضي التحقيق.. فإذا مثل مختاراً فإن حقه في طلب النقل يسقط. ولكن إذا ظهرت فيما بعد أسباب موجبة للارتياب المشروع فله أن يطلب النقل انظر المادة 416 .
وتجدر الاشارة بأن تديم طلب النقل ليس من شأنه وقف سير العدالة.. إذن ليس له أثر معلق. فغذا تقدم أحد الخصوم باستدعاء الى الغرفة الجزائية يطلب نقل الدعوى بسبب ارتياب مشروع.. ثم تقدم باستدعاء آخر الى المحكمة التي تنظر في الدعوى المراد نثلها يعلمها فيه بأنه طلب نقل الدعوى. وأنه يطلب منها التوقف عن السير في المحاكمة ريثما يبت في طلبه. فإن طلبه يرد وتستمر المحكمة في أعمالها. ولكن حين يأتيها الطلب عن طريق الغرفة الجزائية التي تبلغه للنائب العام فعليها أن تتوقف عن اصدار حكمها.. كما أن على قاي التحقيق التوقف عن اصدار قراره حتى تبت الغرفة الجزائية في الأمر.
وفي نهاية هذا البحث لابد من الاشارة الى الأصول المتبعة لدى محكمة النقض للحصول على قرار بنقل الدعوى تختلف حسب سبب النقل.
فإذا كان النقل بحجة المحافظة على الأمن العام .. نظرت الغرفة الجزائية بصورة موجزة أي اكتفت بالأوراق المرسلة اليها.. وذلك دون حاجة الى تبليغ الخصوم طلب النيابة العامة وتبت في الطلب بصورة قطعية. وتعليل ذلك أن هذا النقل يمس مصلحة الدولة كثيراً.
أما إذا كان النقل بحجة ارتياب مشروع. فإنها تطبق الاجراءات المتبعة في حالة تمييز امرجع وهي الأصول التي أتت على ذكرها المواد 410 و411 و413 من الأصول الجزائية. أي إذا كان الطلب مقدماً من المدعي الشخصي والمدعى عليه بلغت صورته الى الخصم والى النائب العام لدى المحكمة التي ترى موضوع الدعوى ويجيب الخصم والنائب العام خلال ثمانية أيام مبيناً اعتراضه.
ويتوجب على محكمة الأساس .. وعلى قاضي التحقيق التوقف عن اصدار الحكم أو القرار بمجرد اطلاعهما على الطلب.
أما التدابير المؤقتة والتحقيقات فيستمران فيها. لأن المهم هو عدم صدور حكم المحكمة أو قرار قاضي التحقيق أو قاضي الاحالة. ورأي الدكتور حومد بكتابه الأصول الجزائية بأنه (ليس ما يمنع من اعطاء هذا الحق للمسؤول بالمال).
وتنظر الغرفة الجزائية في طلب نقل الدعوى فتقرر اجابة الطلب أو رده. فإن قررت بده حكمت على طالب النقل بغرامة قدرها مئة ليرة وبتعويض للقاضي المشتكى منه. وإذا كانت المادة 414 المحال عليها تستعمل كلمة جاز فإن الجواز خاص بالرد في طلب تعيين المرجع ولكن الرد في نقل الدعوى لا يترك الخيار للمحكمة لأن الفقرة 2 من المادة 418 صريحة في نصها إذا قضت محكمة النقض برد الطلب حكمت بالغرامة والتعويض المبينين في المادة 414ن فالاحالة على المادة 414 هي على مقدار الغرامة ومبدأ التعويض والسبب في ذلك أن تعيين المرجع لا يمس كرامة القاضي في حين أن نقل الدعوى لارتياب مشروع من شأنه أن يلحق ضرراً بنزاهته.
ولكن إذا وجدت أن الأسباب المذكورة في طلب النقل مقنعة فإنها تقرر نقلها الى محكمة أخرى تختارها وتقرر في الوقت نفسه صحة المعاملات التي أجراها القاضي الذي سحبت منه الدعوى أو عدم صحتها. فإن وجدت أنها غير قائمة على النزاهة أو أن وجودها يؤثر على مصلحة المستدعي قررت إبطالها وإلا أبقتها.
وقرار الرد لا يمنع المستدعي من تقديم طلب آخر ولكن لا يجوز بنيانه على نفس الأسباب لأن الغرفة الجزائية أحاطت بها علماً ولم تقتنع بهان لذلك لا فائدة من تكرار المسمى. ولكن إذا وجدت أسباب جديدة تبرر النقل فإن المادة 420 سمحت بذلك وعندها يتقدم المستدعي بطلبه وفق الأصول التي أشرنا اليها. وكل ذلك مستوحى من رغبة الشارع بقيام عدالة بعيدة عن الشبهات والشك في شرف القضاة ونزاهتهم.