الرأي الفقهي المتعلق بالمادة 57 من قانون العمل

الرأي الفقهي
1 – من المسلم به أنه إذا كان المشرع قد أوجب عدم جواز تكليف العامل عملاً غير المتفق عليه أو الخروج على القيود المشروطة في الاتفاق. إلا أن هذا لا يعني أنه من المستحيل تعديل نوع العمل الذي يباشره العامل. ذلك لأنه إذا كان الشارع قد أجاز نقل العامل من فئة إلى أخرى من فئات الأجر وهو أمر يترتب عليه امتيازات ذات أهمية بالغة فإنه من باب أولى يمكن الاتفاق بين الطرفين على اجراء ذلك التعديل وأن يكتفى في هذه الحالة باشتراط موافقة العامل الكتابية وإلا يترتب على خط التعديل أي مساس بأجر العامل أو أية حقوق كان قد اكتسبها من قبل. وقد اعتبر الاجتهاد موافقة العامل فيما إذا كانت تضر بحقوقه رضوخاً لارادة صاحب العمل وبالتالي باطلة.
2 – هذا عن تغيير العمل بصفة دائمة. أما عن التغيير المؤقت في أحوال الضرورة فانه مشروط أيضاً بأن يكون مؤقتاً ينتهي بانتهاء احدى حالات القدرة التي أوردها المشرع على سبيل الحصر.
غير أنه قضي بأنه إذا ندب العامل في كله الأصلي إلى عمل آخر لايختلف اختلافاً جوهرياً عن الأول ولا يقل خيرة أو ملاءمة فان هذا الندب لايعتبر أنه قد انطوى عن تعسف من جانب رب العمل ومتى اقتضته مصلحة العمل فإذا رفض العامل تنفيذ هذا الندب رغم تكرار التنبيه عليه فإنه لصاحب العمل أن يفصله دون مكافأة أو انذار أو تعويض كما حكم بأن نقل العامل إلى عمل يختلف اختلافاً جوهرياً عن العمل المتفق عليه عند التحاقه بالعمل دون أن تدع ضرورة ملحة أو قوة قاهرة ودون الاحتفاظ بمرتب العامل يعتبر تعسفاً من جانب صاحب العمل لايدركه فصل العامل إذا امتنع هذا الاخير عن تنفيذ هذا النقل حتى وإن احتج صاحب العمل بأنه من حقه تنظيم العمل في مؤسسته وادخال احدث الماكينات في مصنعه لأن حريته في استعمال هذا الحق مشروطة بالأ يمس حقوق العامل المتفق عليها في العقد.
3 – فالأساس اذن أن لصاحب العمل الحق في ادارة مشروعه وتنظيمه ونقل عماله من مركز إلى آخر طبقاً لما تقتضيه مصلحة عمله ذلك لأن حقه في الادارة ثابت لايمكن أن يحده القانون إلا بالحدود العامة المتعلقة باساءة استعمال الحقوق. على أن حق صاحب العمل في ادارة مشروعه يقابلها أيضاً حق العامل في ألا يمس أجره أو تتغير طبيعة عمله سواء أكان ذلك من الناحية العملية أو الادبية. وهذا يعني أنه يمتنع على رب العمل أن يكلف عاملاً يقوم بأعمال عقلية (كتابية مثلاً) القيام بأعمال يدوية أو يكلف آخر فني في القيام بأعمال لايحتاج إلى دراسة أو مقدرة مهنية أو يكلفه بأعمال فنية أخرى بعيدة تماماً عن العمل الذي تدرب عليه وأجاده.
4 – هذا من الناحية العملية أما من الناحية الأدبية فان نقل العامل إلى مركز أقل أدبياً من المركز الذي يشغله أمر غير جائز أيضاً طالما أنه لم تقتضي مصلحة العمل هذا النقل ولم يقع بالعامل ضرر يجعله غير لائق للمركز الذي يشغله واكتسب مركزاً قانونياً بوجوده فيه. ويعتبر النقل في هذه الحالة بمثابة الخبراء يتعين توافر شروطه وأسبابه بأن يكون العامل قد ارتكب خطأ أو أخل التزام أو واجب يفرضه عليه مركزه هذا فإذا لم يكن للنقل مبرر من مصلحة العمل أو تقصير العامل في أداء واجباته كان هذا النقل أمراً غير مشروع واستعمالاً للحق بصورة تعسفية موجبة للتعويض.
5 – وتتنور بهذا الصدد مسألة ما إذا كان لرب العمل الحق في نقل العامل من بلدة إلى أخرى فمكان العمل يعتبر أحد الشروط الجوهرية في عقد العمل وهو شرط التقت عليه ارادة الطرفين عند التعاقد ودخل في اعتبارهما عند الاتفاق على أركان العقد. فالأصل إذن أنه لايجوز نقل العامل من مكان عمله إلى مكان آخر إلا بالاتفاق أو إذا كانت لوائح المؤسسة التي قبل العامل في ظلها العمل تنص على حق رب العمل في نقل عماله من بلدة إلى أخرى أو إذا دلت ظروف التعاقد على وجود اتفاق ضمني بقبول العامل الانتقال وذلك كما في المؤسسات التي يقتضي العمل فيها نقل العامل أو التي يكون لها عدة فروع في بلدان مختلفة ويسودها نظام النقل كالبنوك مثلاً.
هذا وقد استقر رأي القضاء على أنه ليس للمحاكم الحق في مراقبة صاحب العمل فيما اتخذه من اجراءات في هذا السبيل وما إذا كان ملائماً أو لا. وكل مالها أن تستظهر نزاهة الاجراء وخلوه من شبهة التعسف وإن صاحب العمل قد توخى مقتضيات المهنة وصوالح العمل. ومن ثم قيل بأنه لايجوز أن يعهد رب العمل إلى العامل بأي عمل أو ينقله إلى عمل فيه حط من كرامته أو اهدار لمركزه الأدبي دون مبرر مشروع ودون خطأ صدر من جانبه. كما قيل من ناحية أخرى بأنه يجب على العامل تنفيذ أو النقل الصارد إليه من رب العمل طالما أنه لاينقص من مزايا عمله السابق أو يحط من مركزه الأدبي وإلا فإن لرب العمل أن يفصله دون مكافأة أو تعويض أو انذار على أساس أن العامل قد أخل بالتزاماته الجوهرية المترتبة على عقد العمل إذ من أهم هذه الالتزامات حالة رب العمل وتنفيذ الأوامر الصادرة منه.
وتختلف المحاكم حول ما إذا كان يقع على عاتق صاحب العمل عبء اثبات مصلحة العمل التي اقتضت نقل العامل أم أن العامل هو الذي يتحمل عبء اثبات وجود التعسف في اتخاذ اجراء النقل وانه قد قصد به الاضرار بمصالحه أو لتحقيق مصلحة تافهة لا تتناسب مع الاضرار التي قد تصيبه. والرأي الراجح وأعمالاً للقواعد العامة ولما كان نقل العامل يحق لصاحب العمل يباشره رغبته في تنظيم حوائج العمل إذ هو حر في اختيار موظفيه وعماله ووضعهم أو نقلهم من مكان إلى آخر ومن عمل إلى آخر فإنه على العامل أن يثبت أن رب العمل قد أساء استعمال هذا الحق وأن أمر النقل لم يكن مقصوداً به مصلحة العمل ذاته وإنما تعد به الاساءة إليه.