Call us now:
الرأي الفقهي
يتبين لنا من هذه الأحكام والشروط المتقدمة في قضايا النسب والمدرجة بذيل المادة 128 وما يليها أن الإقرار بالبنوة أمر يختلف عن التبني المعروف في البلاد الغربية.
فأما الأول إقرار واعتراف بنسب حقيقي لشخص مجهول النسب (المادة 135) فهو يعترف ببنوة ولد خلق من مائه بنوة حقيقية كغيرها من البنوات الثابتة بالفراش (المادة 129) ولا فرق بينهما إلا في أن هذه ثابتة بالإقرار وتلك ثابتة بفراش الزوجية وحده. وإذا قيل أن المقر قد يكون كاذباً في إقراره بالبنوة فإن الرد على ذلك أن لنا الظاهر الذي لا يكذب المقر في إقراره.
أما التبني فهو إلحاق شخص معروف النسب أو مجهول النسب ونسبته إلى نفسه والتصريح بأنه يتخذه ولداً له وليس هو بولد له في الحقيقة.
وقد كان هذا التبني معروفاً للعرف في الجاهلية وكان للولد المتبنى مرتبة الولد الحقيقي وبقي معروفاً للمسلمين فترة من الزمن في صدر الإسلام حتى نزل قول الله تعالى وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم – الآيتان 4 و 5 الأحزاب.
فحرم الإسلام بذلك التبني تحريماً مؤبداً وأبطل العمل به ونفى أن يكون التبني طريقاً إلى إثبات البنوة وإعطاء المتبنى حكم الابن الحقيقي زوراً وبهتاناً. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد تبنى على عادة قومه مولاه زيد بن حارثة الذي كان عبداً مملوكاً لخديجة زوج النبي صل الله عليه وسلم فأهدته إلى النبي الكريم. ثم جاء أهله إليه بعد أن علموا نبأه وعرفوا موضعه وقدموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدية يفتدون بها ابنهم فأجابهم الرسول الكريم بأن زيداً لهم من غير فدية إن أراد فأبى زيد وفضل المقام مع النبي الرحيم فأعتقه وتبناه قبل مبعثه وأصبح قرشياً ينادى بزيد بن محمد وتزوج بزينب بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم. فلما نزل القرآن الكريم بتحريم التبني وإبطاله وإهدار النسب المترتب عليه أخذت تضايقه فأراد أن يطلقها فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أمسك عليك زوجك واتق الله – 37 الأحزاب. ولكن الإرادة الإلهية فرقت بينهما وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهم وطراً وكان أمر الله مفعولاً – الأحزاب 37. ونفى القرآن بنوة النبي لزيد إذ يقول ما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً – 40 الأحزاب. فلم يعد للتبني بعد ذلك مكان في الشريعة الإسلامية.
وإن هذا التحريم القاطع الأبدي لنظام التبني الذي عرفه اليونان والرومان قديماً وتعرفه البلاد العربية حديثاً يقول على الأسباب التالية
1 – التبني كذب وافتراء على الله والناس. وفي ذلك قوله تعالى ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. فليس هذا التبني إلا ألفاظاً لا تعبر عن حقيقة وخلطاً بين الأنساب. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حديث له من ادعى إلى غير أبيه.. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً – رواه البخاري.
2 – إن هذا التبني يتخذ في كثير من الأحيان كما نشاهد ونرى ونسمع وسيلة للكيد والإضرار بالأقارب. فيتخذ الرجل له ابناً يتبناه حتى يرث ماله ويحرم بذلك أخوته أو غيرهم أصحاب الحق في الميراث عند الله.
3 – إن إقرار التبني وترتيب آثار البنوة الحقيقية عليه يؤدي إلى تحميل الأقارب واجبات تترتب على ذلك. فتجب نفقة المتبنى عند حاجته وعجزه على من يكون غنياً من أقاربه المزعومين من أخ أو عم أو خال أو غيرهم.
كما يؤدي إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال. إذ يصبح هذا الدخيل محرماً لنساء أجنبيات عنه فيرى منهن ما لا يحل له ويحرم عليه الزواج بإحداهن وهي حلال له في الواقع. تلك هي أحكام الإسلام في التبني قاطعة في تحريمه ولكنها مع ذلك لم تغفل هؤلاء الذين حرموا من الأنساب إلى أن يرعاهم بحنانه وعطفه وعالجت أمورهم علاجاً واقعياً لا خيالياً بل طالبت المجتمع برعايتهم على أساس الأمر الواقع. وقياماً بواجب الأخوة الإنسانية والدينية والولاء. وفي ذلك يقول الله تعالى فإن لم تعلم آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم – الأحزاب 5. فيجب لهم من الرعاية الاجتماعية ما توجبه تلك الأخوة وذلك الولاء.
وقد نص قانون الأحوال المدنية في المادة 36 إذا كان المولود غير شرعي لا يذكر اسم الأب أو الأم أو كليهما معاً في سجل الولادة إلا بناء على طلب صريح منهما أو بحكم قضائي.
ثم نظمت أحكام اللقطاء الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 107 لعام 1970 المعدل بالقانون 34 لعام 1980 والقرار 819 لعام 1981 والمادة 34 أحوال مدنية شؤون الذين نبذهم أهلهم فراراً من تهمة الزنا أو خوفاً من الفقر فجعلت التقاطهم وإيوائهم فرضاً على المجتمع وجعلته فرضاً متعيناً على من يرى لقيطاً في مكان يغلب على ظنه هلاكه فيه إذا تركه.
كما كرمت اللقيط واعتبرته مسلماً ما لم يثبت خلاف ذلك (المادة 13 من رعاية اللقطاء). كما أخذ القانون السوري برعاية اللقطاء بما نص عليه قانون الأحوال الشخصية والإقرار بالنسبة (المادة 134 – 136 أحوال شخصية) وعاملته معاملة اليتيم وأخذت بأحكام الوصاية الواردة في قانون الأحوال الشخصية وأعطت الحق لوزير الشؤون الاجتماعية والعمل وضع اللقيط عند إحدى الأسر إن كانت أهلاً لحضانته ونزعها منه في حال الإخلال بشروط الحضانة. وكذلك أعطته الحق بإعادة الطفل لوالده إن ظهر وأثبت بنوته له بقرار قطعي صادر عن المحكمة المختصة. وكل هذه التنظيمات التي أتى بها المشرع السوري خطوة جريئة تتفق مع القواعد الشرعية والإقرار بالنسب على الغير. وهذا النوع من الإقرار لا يكفي في إثبات النسب ولا بد من موافقة هذا الغير الذي يثبت منه النسب أولاً أو قيام البينة الشرعية الكاملة على صحة هذا النسب وبالتالي لم يثبت النسب من المقر.
إلا أن معاملة هذا المقر بإقراره يكون لهذا الإقرار بعض الآثار في هذه الحدود. وذلك أن الإقرار في هذه الحالة يتضمن أمرين
أولهما الإقرار بالنسب على الغير وهذا الإقرار لا يملكه ولا يلزم غيره فهو حجة قاصرة لا تتعدى المقر إلى غيره.
وثانيهما أن هذا الشخص المقر له يستحق على المقر حقوق القرابة التي يعترف بها. فيقبل إقراره على نفسه وتترتب عليه آثاره بحيث لا يترتب على ذلك ضرر بغيره ويرد إقراره في حق غيره فلا يكون النسب ثابتاً. ومن ذلك أن نفقة المقر له تجب على المقر عند فقره وعجزه وأن المقر له يستحق تركة المقر إذا مات دون أن يترك وارثاً تنفيذاً لإقرار المقر وإرادته التي لم يضار بها أحد. وإن نظام كهذا وكما نص عليه التشريع السوري نظام تقره الشريعة التي تقوم نظمها على الحق والصدق ويؤسس مجتمعها على روابط حقيقية طبيعية وتبني نظام الأسرة فيه على أدق القواعد والأحكام… إنه لنظام متكامل لا اعوجاج فيه ولا مفر من تقديم الشكر والتقدير للعاملين على تطبيقه حفاظاً على حق هذا اليتيم المحروم من عطف وحنان الأسرة.
(من كتاب أحكام الأولاد – زكريا أحمد البري ص21 وما يليها وعمر عبد الله ص472 وما يليها).